الأندلس، حرم الديانات السماوية

هذه نسخة أخذت بتصرف عن المقالة التي ظهرت في مجلة الإسماعيلي، الولايات المتحدة (آذار 2002) كمراجعة لمقالة ماريا روزا مينوكال حلية العالم: كيف خلق المسلمون واليهود والمسيحيون ثقافة التسامح في إسبانيا العصور الوسطى (بوسطن، نيويورك، ولندن: ليتل براون وشركاه، 2002).

 


الكلمات الرئيسة


الأندلس, العباسيون, الأمويون، اليهودية، الإسلام، المسيحية، محاكم التفتيش الإسبانية، عودة الاحتلال، عصور الظلام، النهضة، العربية، ابن رشد، موسى الميموني، توما الإكويني، عبري، رومانسي، المستعرب، قرطبة، غرناطة، طليطلة، مدينة الزهراء، الحمراء، مسجد قرطبة، محمد إقبال، المغربي، سيفارديم، إقصاء، التعددية، الجدارة، التسامح.


 


 


 


جدول المحتويات

· ذكرى الأندلس، زمن التسامح


· أرض الفتح والملاذ والاقصاء


· المعبد والكنيسة والمسجد، تعددية عمومية وحنين خاص


· اللغة والتأرجح


· التعددية والشهادة


· حصار قرطبة


· خصومات ضمن التعددية


· أفكار خطرة: عرب ويهود ومسيحيون


· وعود كاذبة وارتداد قسري، نهاية الأندلس


· التعددية الإسلامية: إرث منسي؟



ذكرى الأندلس، زمن التسامح


في العام 1932م، أي بعد الجولة الثالثة لمؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في لندن لمناقشة الدستور المستقبلي للهند البريطانية، قام الشاعر الأُردي السير محمد إقبال بزيارة إلى مدريد وطليطلة وغرناطة وإشبيليا. هذه الزيارة ألهمته تأليف ست قصائد منها مسجد قرطبة يمتدح فيها مسجد قرطبة. قال إقبال متعجباً1




كعبة لأصدقاء الفن! جلال الأديان السماوية!


به تقدس أرض الأندلس كالحرم.



The Mosque of Cordoba



كان كثير من الكتاب المسلمين –محمد إقبال ذاته بالإضافة إلى سلطان محمد شاه آغاخان، رئيس الوفد الإسلامي إلى مؤتمر المائدة المستديرة ولاحقاً رئيس عصبة الأمم- يشعرون بعمق الحنين نحو الأندلس ويندبون فقدانها في إعادة الاحتلال المسيحي. ولكن يبدو أن إقبال في هذه الأرجوزة قد ذهب إلى أبعد من ذلك. فهو لم يؤخذ بالجمال الفني لعناصر المسجد المادية فحسب، بل يستشف النظر عبر جدرانه إلى النسيج الاجتماعي، والروحي، والفكري، والأدبي والجمالي وحتماً السياسي لشعوب تلك البلاد. إنها إلهاماتهم ومثلهم التي جعلت من هذا المسجد رمزاً لجلال كل الأديان السماوية من يهودية ومسيحية وإسلام. فما هي تلك المثل وتلك الإلهامات؟ الجواب، بالطبع، يكمن في روح التسامح والانفتاح العقلي لدى شعوب هذه البلاد.كان إقبال ومعاصروه يكتبون وسط الرياح العاتية من النزاع والكراهية ضد الجوار من مختلف الألوان والأعراق والديانات. ففي الأندلس شاهدوا مثالاً يجب أن يحتذى ويقتدى به.2 أما اليوم، فقد أصبح هذا المثال أكثر صلة بالأديان التوحيدية، الواقعة في قبضة المتطرفين والعالقة في لولب هابط من الشكوك والاتهامات المتبادلة.


 

 

 


أرض الفتح والملاذ والإقصاء


لقد دامت الأندلس ما يقارب الثمانمائة سنة، أي من العام 92 بعد هجرة الرسول إلي المدينة وحتى العام897 منها، أو حسب التقويم الغريغوري من عام 711 م إلى الثاني من كانون الثاني(يناير) عام 1492 بمعنىً آخر، منذ فتح الأندلس على يد طارق بن زياد وحتى سقوط غرناطة، الذي تلاه مباشرة إقصاء اليهود من الأراضي التي أطلق عليها المسيحيون المنتصرون اسم إسبانيا في شهر آب(أغسطس) من العام 1492م. ومع تكديس الغنائم جراء الاحتلال، قام كل من فرديناند من أرغون وإيزابيلا من كاستيل بتمويل رحلة كريستوفر كولومبس للبحث عن مزيد من الانتصارات "للعقيدة المقدسة" باسم ما ذكره كولومبس في مفكرته، " صاحبا السمو... والكاثوليك من المسيحيين والأمراء المخلصين للعقيدة المسيحية المقدسة والدعاة منها وأعداء شيعة محمد وكل الوثنيات والهرطقات..."3.

في العام 711 م، عبر جيش طارق بن زياد الذي كان معظمه من البربر، المضائق التي اتخذت اسمها منه إلى الأبد (جيبرالتر وهي كلمة محرفة عن جبل طارق) لفتح الأندلس. وفي الحال انضمت إليهم جيوش عربية من الشام وتعهدوا جميعا على دفع الحدود قدماً. وفي العام 732 م تم الوصول إلى أقصى الحدود الشمالية عندما جابه عبد الرحمن الغافقي شارل مارتيل في بواتيه بالقرب من باريس. بعد ستة أيام هزم عبد الرحمن واضعاً نهاية للتوسع الإسلامي في فرنسا. في تلك الأثناء، كانت تتحرك ثورة في خراسان على الطرف الشرقي من الإمبراطورية الإسلامية. وفي العام 750م تمت الإطاحة بالأمويين وأصبح العباسيون حكاماً للدولة الإسلامية. وقد قام العباسيون بتصفية الأمويين كافة باستثناء عبد الرحمن الداخل الذي كان في قصره الريفي في الرصافة، على ضفاف نهر الفرات. فقد نجح في تضليل العباسيين بعد أن عبر النهر سباحة فاراً منهم ليصل إلى عشائر أخواله من البربر ومن هناك دخل الأندلس في شهر آب (أغسطس) عام755 م. وفي السنة التالية ، وفي قرطبة، أعلن الأموي الناجي عبد الرحمن الداخل نفسه أميراً على الأندلس.

وباعتباره من أبوين ينتميان لأصول عربية وبربرية، فقد ابتدر عبد الرحمن سياسة الحياد العرقي والقبلي، متحاشياً انقسامية من سبقه من الحكام. لكن بعض الزعماء المسلمين تحالفوا مع الملك شارلمان الفرنسي لانتزاع سراقسطة من عبد الرحمن. أخفق الحصار وبينما كان الجيش الفرنسي يتقهقر عبر جبال البيرينيه هاجم الباسكيون مؤخرته بشراسة وقتلوا القائد الفرنسي رولاند. وفي القرن الثاني عشر تحولت تلك الأحداث إلى رومانسيات ثم إلى أغنية رولاند، وهي المعلم الرئيسي في تأسيس الفرنسية كلغة مستقلة. لقد صور رولاند كبطل في الصراع الملحمي بين المسيحيين والمسلمين.


 


معبد وكنيسة ومسجد، تعددية عامة وحنين خاص


قام عبد الرحمن في سنيه الأخيرة بعدة مشاريع، منها بناء مسجد قرطبة على أرضية كنيسة قديمة كانت هي ذاتها قد بنيت على أنقاض معبد روماني. لقد استعاد هذا المشروع إلى الذاكرة بناء المسجد الأموي في دمشق في الأربعينات من القرن السابع الميلادي. وكان مسجد دمشق أيضاً قد بدأ كاتدرائية بالقرب من أنقاض معبد روماني. وكانت الكاتدرائية مرة بيت عبادة مشترك: يصلي المسلمون فيها في نصف والمسيحيون في النصف الآخر. ثم قام الأمويون بشراء القسم المسيحي، وأزالوا البناء القديم, وبنوا مسجد دمشق الذي ما يزال قائماً، يخطف الألباب في عمارته وفسيفسائه المستلهمة من بيزنطة. كان عبد الرحمن قد شهد الطبيعة التعددية والتعدد الإثني في المجتمع السوري- حكام مسلمون لسكان سوادهم الأعظم من المسيحيين(في ذلك الزمن). ولما أدرك متيقناً أنه لن يرى موطنه ثانية، دعا عبد الرحمن إلى إحياء المنظر الدمشقي وحتى مناظرها الطبيعية في الأندلس. فبنى رصافة جديدة، استذكاراً لقصره الريفي الذي تركه خلفه. وهنا، ألف قصيدة صغيرة يكشف فيها عن روحه:4


تبدت لنا وسط الرصافة نخلة تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل


فقلت شبيهي في التغرب والنوى وطول التنائي عن بني وعن أهلي


نشأت بأرض أنت فيها غريبة فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي


لغة وتأرجح


كانت قصيدة عبد الرحمن باللغة العربية، لغة القرآن، ولغة الأدب العربي. والعربية كانت أيضاً لغة الإدارة والتجارة وشيئاً فشيئا لغة التعليم . فمن الأندلس إلى الصين، لاقت العربية تأرجحاً في المواضع الدينية والدنيوية. لقد دعت سيطرة اللغة العربية بول ألفاروس من قرطبة لأن يتذمر قائلاً5:

أن المسيحيين يحبون قراءة أشعار العرب ورومانسياتهم ويدرسون علماء اللاهوت العرب وفلاسفتهم، ليس ليدحضونهم بل ليشكلوا لغة عربية صحيحة وبديعة... من يقرأ الآن التفاسير اللاتينية في الكتب المقدسة، أو من يدرس الأناجيل، أو الأنبياء أو الرسل؟ وا أسفاه... إن الشباب المسيحيين يقرؤون ويدرسون بحماس الكتب العربية، ويجمعون المكتبات الضخمة بالكلفة الباهظة؛ إنهم يهزؤون بالأدب المسيحي ويعتبرونه لا يستحق الانتباه.

كانت ندبة ألفاروس مألوفة. فهي تردد صدى صراع الطوائف لاسترداد اللغات، والثقافات والقيم لنقلها إلى الأجيال التالية في وجه طغيان ما هو سائد من لغة ووسائل إعلام وثقافة شعبية. لكن ألفاروس أيضاً يبدي موقفاً سلبياً من التغيير.من المؤكد أن الثقافة الأندلسية كانت، بالنسبة للشباب، متأرجحة ونامية، بخلاف ثقافة الكنيسة الباهتة والتي تناقصت كثيراً في تلك الآونة. ومع ذلك، لم يكن الشباب المسيحيون ليهجروا صلاتهم الكنسية اللاتينية مقابل صلاة إسلامية عربية. بل يحسن القول أنهم كانوا يعتنقون الجوانب الدنيوية من الثقافة العربية. وبمعنىً آخر، كانت قصائد الغرام العربية التي تغنى من بغداد إلى قرطبة، وقصيدة عبد الرحمن عن شجرة النخيل، وغيرها من الشذرات الأدبية تغص بها "مكتباتهم الضخمة" التي استهزأ بها ألفاروس. ولم تستطع اللاتينية بحلقتها الضيقة من النصوص الدينية أن تتبارى مع ذلك الثراء في الأدب والثقافة والتعلم. وحتى الطقوس والنصوص الدينية المسيحية سرعان ما توفرت باللغة العربية. إن محبي العربية من المسيحيين كانوا يعرفون باللقب الاستهزائي المستعربون، "نريد أن نكون عربا"، والذي أصبح بالنهاية يطلق على كل المسيحيين في الأندلس.


 


التعددية والشهادة



عام 855 م، قام عدد صغير من المسيحيين الأصوليين بالإساءة إلى الإسلام ونبيّـه علانية. وهذا ما أجبر السلطات الإسلامية على أن تصدر أمراً بالإعدام العلني لأولئك "الشهداء". وبعد قرون من ذلك تحولت ذكرى أولئك "الشهداء" بالتحدي للاعتناق القسري للإسلام "بالسيف" إلى وقود لحروب عودة الاحتلال Reconquista. ولكن في القرن التاسع الميلادي كان لدى معظم القرطبيين نظرة قاتمة عن هؤلاء المتهورين. وبالرغم من تحسين صورة هؤلاء "الشهداء" من قبل إلوغيوس، الذي شبههم بالأبطال المسيحيين الأوائل، لم تعمد السياسات الأموية إلى رفع وتيرة الاعتناق القسري ولا إلى هدم الكنائس. بل بدلاً من ذلك, وطبقاً للتقبل القرآني لأهل الكتاب, كان اليهود والنصارى يحتفظون بمؤسساتهم الدينية. لم يكن ذلك تعددية حديثة ضمن دولة علمانية، إذ أن الناس من غير المسلمين كانوا يدفعون ضريبة خاصة لا يدفعها المسلمون، وكان عليهم أن يروا أحكاماً صارمة لاسيما فيما يخص العرض العلني للشعائر الدينية. إلا أنه في القرن التاسع الميلادي، وربما حتى التاسع عشر، إذا ما علمنا أن شيئاً من هذا لم يحدث في بعض الأجزاء من العالم وحتى في هذه الأيام، كانت هذه السياسات فعلاً سارية.


 


Throne Room, Madinat al-Zahra



هذه السياسة أدت في الأندلس، وأيضاَ في مصر الفاطمية، إلى تعيين المؤهلين من غير المسلمين في مناصب سياسية عالية. ففي شهر كانون الثاني (يناير) من العام 929م أعلن عبد الرحمن الثالث ( حكم من 912-961م) نفسه خليفة وأميراً للمؤمنين، أي الوريث الشرعي للنبي ومنافساً للخليفتين الفاطمي والعباسي. بعد ذلك بعشرين سنة، وفي القصر الجديد في مدينة الزهراء، ترأس حاسداي بن شبروت، طبيب الخليفة، الذي كان يهودياً قرطبياً مخلصاً وممارساً، ومع ذلك مشمولاً في الثقافة الأندلسية العربية، وفد الخليفة للتحاور مع ممثلي الإمبراطورية البيزنطية في القسطنطينية. وكان راشيموندو، أسقف إلفيرا المستعرب، زميل حاسداي في هذه المهمة. وفيما بعد, أصبح راشيموندو مندوب الخليفة إلى أوتو الأول. هذه التعيينات تنم عن ثقة الخليفة برعاياه من غير المسلمين، وثقتهم بعاهلهم، ووضعهم المزدهر تحت الحكم الإسلامي، وعن القدرة على التقدم على أرضيات من الاستحقاق، بغض النظر عن الخلفيات الدينية.


 

حصار قرطبة

 

تابع الحكم الثاني، نجل عبد الرحمن الثالث المشروع بتجديد مسجد قرطبة. مع الاحتفاظ بجماليات المسجد القديم، فقد أضاف إليه فسحات جديدة منفصلة منمقة الزخرفة والزينة من أجل صلاة الطبقة الملكية. كانت هذه الفسحات الملكية المترفة، كما كانت فعلاً في قصر مدينة الزهراء، قد أشرت إلى اتساع المسافة بين الجماعة وحاكمها، مؤذنة بزوال قريب للحكم. كان موت الحكم الثاني المبكر قد أسفر عن صراع على السلطة انتهى إلى فوز المنصور، أمين الخزانة المدعوم بقوات من البربر، بالسلطة. وإذ استاء القرطبيون منه اضطر المنصور إلى الاستعانة بالقوات البربرية في حملاته العسكرية ضد المسيحيين في الشمال. هذه الحملات بدأت تكتسب منظوراً إيديولوجياً وتعصبياً. في البداية قام البربر بتطهير مكتبة الحكم الثاني ونهبها. بعد ذلك، قاموا بغزوة هدامة في المركز الثانوي للحج المسيحي في سانتياغو ديكومبوستيلا أسفرت عن حرق المدينة ونقل أجراس الكنائس بالعربات إلى قرطبة لتستخدم كمصابيح في المساجد. وقد أصبحت سانتياغو صرخة الاستنفار من أجل عودة الاحتلال. اليوم، ما تزال سانتياغو موقعاً رئيسياً للحج. لقد أدى النزاع المتواصل بين الزمر المتحاربة إلى نهب وتدمير كامل لمدينة الزهراء في العام 1009 م. تبعه نهب قرطبة عام 1013 م. لقد بكى الشاعر ابن شهيد (ت. 1035) على خسارتها بقوله6 :



فلمثل قرطبة يقل بكاء من يبكي بعين دمعها يتفجر

 

 

لقد انتهت حقبة. وكانت الخلافة في الأندلس قد سبق وألغيت رسميا ً في 30 تشرين الثاني (نوفمبر)،1031 م. ولم تعد الأندلس موحدة فتحولت إلى دويلات مشتتة صغيرة على مدى الستين سنة التي تلت (1031-1091م.) لقد أطلق سقوط قرطبة العنان للتنافس

السياسي، لكنه أيضاً إلى الإبداع الثقافي في المراكز الإقليمية، الذي حفزه الانتعاش الاقتصادي السريع.

 


كان صموئيل بن ناغريلا الوزير الذي قاد الجيوش الغرناطية بنجاح لفتح ألميريا ومن ثم إشبيليا. وكحسداي بن شبروت قبله، كان صموئيل يهودياً، سليل عائلة تجارية قرطبية مرموقة. وفي الرابعة والثلاثين من عمره أصبح رئيساً للطائفة اليهودية في غرناطة. لقد أخذ صموئيل على عاتقه بناء الحدائق والقصور، التي أصبحت مندثرة كلية. لكن شعره العبري، الذي أغنى العصر الذهبي للغة العبرية، لا ينسى. ومن خلال نشاط صموئيل وغيره، وجدت العبرية صوتها الشعري يتحدث عن العشاق، والمعارك، والاهتمامات الدنيوية والروحية، أي بالمختصر، أغراض الشعر العربي واهتماماته.إن لغة الكنيس الشعائرية قد تنامت لتصبح اللغة اليومية في البيت وتعبر عن الأحاسيس الدنيوية. ولم تعد العربية اللعبة الأدبية الوحيدة في البلدة. والعبرية شأن المستعربة، وهي لغة مرشوشة بالعربية مع النسخة المحكية للاتينية التي تدعى رومانس، يمكنها الآن أن تسمع في الغناء. ثم، في عام 1064 م، قام جيش من النورمان والأكويتينيين من شمال جبال البيرينيه بفرض حصار واستولوا على مركز بارباسترو التجاري. وكان من بين غنائمه، أن أخذ وليام الثامن الأكويتيني معه المغنيات والمسامرات من النساء. ولما تأثر الفتى وليام التاسع بالأغنيات التي كان يسمعها منهن، تمرد على اللاتينية وبدأ يكتب أغاني عشق بلغته العامية بالذات مضيفاً لغة أخرى إلى قائمة اللغات الغنائية، ومؤسساً التقليد التروبادوري.

 

لقد وصلت دويلة إشبيليا ذروة قوتها مع المعتضد (حكم 1042-1069) وحفيده المعتمد (حكم من1069-1091م)، وربما فاقت قرطبة

حجماً وثراءً. فقد تباهى الشاعر المعتضد بإنجازاته وقال7:

هذي السعادة قد قامت على قدم وقد جلست لها في مجلس الكرم


فإن أردت إلهي في الورى حسناً فملكني زمام الدهر والأمم


 

خصومات ضمن التعددية


 



رغم التفتت السياسي، بقي مشروع عبد الرحمن في التعددية يعطي صداه. وحتى احتلال الأراضي كان يتم عبر التحالفات المتقلبة بين الدويلات المسيحية في الشمال والدويلات الإسلامية في الجنوب لدحر المنافسين دون أي اعتبار للانتماء الديني. لقد ترك موت فرديناند كاستيل أبناءه يختصمون ويبحثون عن التحالفات بين الحكام المسلمين. وبعد أن هزم الفونسو من قبل أخيه، طلب اللجوء إلى طليطلة المسلمة، وبمساعدتها تمكن من استعادة عرشه. ثم لما هوجمت طليطلة، طلب حاكمها الضعيف القادر مساعدة ألفونسو. لكن القادر كان أضعف من أن يقف أمام منافسيه فعرض طليطلة على ألفونسو، ملك كاستيل مقابل طريق ورحيل آمنين. قام سيد طليطلة، ألفونسو ببناء كنيسة على قمة أعلى هضبة فيها. وكانت العناصر المرئية من الكنيسة تعيد إلى الأذهان مسجد قرطبة، من حيث تناوب اللونين الأحمر والأبيض للقباب التي على شكل حذوة الحصان، مع المنحوتات الكتابية اللاتينية من كل جهة، والنوافذ الداخلية المكتملة بالكتابات العربية! كان ألفونسو يدفع الهبات التقديرية على النموذج الجمالي السائد الذي مجد به إقبال بعد قرون من ذلك في شعره. لكن الزمن متقلب. فقد أعلن ألفونسو طليطلة المقر الرئيسي للكنيسة الإيبيرية. فأصبح المستعربون الذين كانوا يمارسون شعائرهم الدينية بالعربية على خلاف مع إخوانهم اللاتين. وكانوا أيضاً يستطيعون أن يتعاطفوا مع مرثية ألفاروس لأن تراثهم الأهلي قد اصطدم مع الضغط الأجنبي الذي سعى إلى تطبيع الطقوس الكاثوليكية باللسان اللاتيني.




بالنسبة لبعض المسلمين، كان انتصار ألفونسو قد قرع أجراس الخطر. فقبل ذلك، أي عام 1066م، انفجرت تظاهرات مضادة لليهودية في غرناطة، وعرض للدور المشؤوم ضد من هم غير مسلمين الذين انتعشوا في المناخ التسامحي. فالمرابطون في شمال إفريقيا الآن دخلوا في الشجار تحت شعار الدفاع عن الإسلام ضد المسيحيين الغزاة. وفي الحال وضعوا حداً للدويلات المتناحرة ومكائدهم المتقلبة مع جيرانهم المسيحيين. ولكن بالنسبة لمعظم المسلمين الأندلسيين، كان المرابطون من البربر الهمجيين، الذين فرضوا منظوراً تعصبياً عن الإسلام ليصححوا [ما كان يعتبره المرابطون] الدروب المنحرفة التي سار عليها المسلمون الأندلسيون الليبراليون.


 


أفكار خطرة: عرب ويهود ومسيحيون


لقد أدى التعصب والاضطهاد من قبل المرابطين (1091-1147م) ومن بعدهم الموحدين (1147-1269م) إلى إقصاء الكثير من أفضل الناس وألمعهم. فقد انتقل موسى بن عزرا إلى الشمال المسيحي، وانتقل يهودا هاليفي إلى الإسكندرية. وقد نجح ألفونسو في استمالة بعض المعربين من اليهود والمسيحيين بالذهاب إلى طليطلة، فجعل من هذه المدينة المسيحية أعلى مركز للثقافة والتعليم العربيين. لقد كان هنا، ومن خلال الترجمات التي قامت بها "مدرسة المترجمين،" وصول الغرب إلى تراث كان قد بلغ من العمر خمسمائة عام من الأعمال الفلسفية والعلمية العربية، التي كانت متوفرة في مكتبات المدينة الضخمة. كان هذا التحول الهائل في التعليم، والأدوات العلمية، والتقنيات الحرفية والثقافة المادية، وعلى رأس كل ذلك الأفكار الفلسفية "الخطرة" ما جعل أوروبا تخرج من عصور الظلمة، وتتحدى سلطة الكنيسة لتبدأ المسير إلى عصر النهضة.

 


Maimonides (left) & Ibn Rushd


عندما قدم الأمير الموحد أبو يعقوب يوسف (حكم 1163-1184م) إلى الفيلسوف الشاب ابن رشد سأله سؤالاً محدداً عن السماوات، "هل هي مخلوقة أم سرمدية؟" لم يكن ابن رشد يرغب في الخوض في هذا الموضوع. وتابع الأمير بمناقشة استحقاقات كلا الجانبين، أحدهما مؤيد بالوحي، والآخر بعلوم ذلك العصر. وعندما اطمأن إليه جذب ابن رشد انتباه أمير الموحدين "الأصولي"، وحاز على رعايته لمشروع شرح أعمال الفيلسوف الإغريقي الوثني أرسطو.8 ومن قبل، وخلال حياته، كانت شروحات ابن رشد تترجم إلى اللاتينية في طليطلة. وفي زيه اللاتيني أصبح أفيروس (ابن رشد) معروفاً بالمفسر الكبير. هكذا كانت طريقته، لدرجة أن فنان عصر النهضة رافائيل قد ضمه في لوحته الجدارية في الفاتيكان عن مدرسة أثينا(1510-1511م). ولكن في العام 1210م، أي بعد وفاة ابن رشد باثنتي عشرة سنة، منعت دراسة شروحه في جامعة باريس. وفي عام 1215م، تم الحظر أيضا على دراسة أرسطو. وبعد خمس عشرة سنة، حرم البابا دراسة ابن رشد على وجه التخصيص في باريس. إلا أن الثمرة العقلية المحرمة كانت أشد إغراء من أن تحرم، واستمر ابن رشد وأرسطو يدرسان، رغم الإمعان في التحريم عام 1270م وعام 1277م الذي أصدره ستيفن تمبييه، أسقف باريس. تلك الأفكار "الخطرة" قد ساندت منظوراً عقلياً، علمانياً عن أعمال العالم الطبيعي والعقل البشري كنقيض للآراء الدوغماتية السلطوي في النظام الديني. وحتى توما الإكويني، مؤلف ملخص علم اللاهوت الكاثوليكي الذي ما زال يدرس- Summa Theologia، قد دفع جائزة تثير الحسد إلى الفيلسوف العظيم وتحليلاته العظيمة في حجته الجدلية ضد نظرة ابن رشد عن العقل.9 لكن الإكويني كان يعتبر شديد القرب من الأفكار المحرمة لهذين المفكرين غير المسيحيين. وكثير من كتاباته أيضاً كانت ممنوعة حتى العام 1325، عندما طوب قديساً.

كان الفيلسوف اليهودي، موسى بن ميمون، ويعرف أكثر الآن بالميموني، معاصراً لابن رشد. لقد فر من قرطبة مع أسرته لينجو من اضطهاد الموحدين لمن هم غير مسلمين، فوصل مصر عام 1166. أصبح الميموني الطبيب الشخصي للحاكم وأيضاً زعيماً وناطقاً باسم الطائفة اليهودية في القاهرة. والميموني، كابن رشد، كان مهتماً بالانسجام بين الفلسفة والدين في كتابه دليل الحائرين، الذي كتبه بالعربية. وفيما بعد ترجم هذا النص إلى العبرية ومن ثم، كما كان الأمر بالنسبة لعدة كتب أخرى، ترجم إلى اللاتينية. وبما أنه لم يكن مهيأ لرسالته المنشقة عن الكنيسة، فهو أيضاً، كالكثير من النصوص الأخرى، اعتبر هداماً من قبل منتقديه.

 

وعود كاذبة وارتداد قسري، نهاية الأندلس

قد تجزأ الموحدون خلال العقود الأولى من القرن الثالث عشر، وهذا ما أدى إلى فترة جديدة من عصر الدويلات. وقد نضجت تلك الدويلات بما يكفي ليقوم بقطافها الحكام المسيحيون الأقوياء في الشمال. وفي عام 1235م قام فرناندو الثالث الملقب "بالقديس"، باحتلال قرطبة، واضعاً حداً للحكم الإسلامي في تلك المدينة. وأصبحت الأندلس في تلك الفترة تتألف من غرناطة وحدها التي استمرت لقرن ونصف بعد.
ولكن في الثاني من كانون الثاني(يناير)، عام 1492م وافق محمد الثاني على تسليم غرناطة. وفيما يلي جزء من الاتفاقية10

إن أصحاب السمو وخلفاؤهم من الآن وإلى الأبد سوف يسمحون [للغرناطيين] أن يعيشوا في دينهم الخاص، ولن يسمحوا بأن تؤخذ مساجدهم منهم، ولا مآذنهم ولا مؤذنوهم، كما أنهم لن يتدخلوا بالأوقاف الدينية التي يملكونها لهذه الغاية، ولن يزعجوا الاستخدامات
والعادات التي يتبعونها.


لقد خرقت الاتفاقية مباشرة تقريباُ عندما قامت إيزابيل بمصادرة مسجد وحولته إلى كنيسة. كما أجبر المسلمون على الارتداد عن دينهم وأصبحوا يعرفون بالمغاربة (الموريين) Moriscos . ومنعت الكتابة باللغة العربية أما الكتب العربية فقد أحرقت. وفي اليوم الحادي والثلاثين من شهر آذار (مارس)، عام1492،صدر مرسوم رسمي يقضي بإجلاء جميع اليهود من إسبانيا المسيحية. وهكذا يكون قد انتهى مشروع عبد الرحمن



التعددية الإسلامية: إرث منسي؟


ولكن هل انتهى في كل البلاد الإسلامية؟ من بين ما قدر بربع مليون إلى المليون من اليهود المبعدين, وجد معظمهم أنفسهم في بلاد إسلامية مألوفة في الجنوب، في المدن الإفريقية الشمالية مثل فاس وتلمسان ومراكش، وغيرها. وقد أطلق عليهم اسم السفارديم . اليوم، تترجم هذه الكلمة عادة باليهود الشرقيين، إلا أنها بالحقيقة مشتقة من "سفارد" الكلمة العبرية للأندلس. وهكذا، يكون "السفارديم" اليهود الذين يرجعون بأصولهم إلى الأندلس. وبطلب من الحاخام الكبير إيليا كابسالي، قام الحاكم العثماني بايزيد الثاني (حكم 1481-1512) بدعوة اليهود المبعدين إلى الهجرة إلى استانبول وإلى أجزاء أخرى من الإمبراطورية العثمانية كالبوسنة، حيث شكلوا مرة أخرى جالية من أهل الكتاب معترف بها ومحمية ضمن مجتمع مسلم. ولم نشهد انحساراً حاداً في الجاليات اليهودية في العالم الإسلامي إلا بعد انتشار الروح القومية في البلاد الإسلامية في القرن التاسع عشر، الذي انعكس في انهيار الدول المتعددة الإثنيات كالإمبراطورية العثمانية ونشوء القوميات التركية والعربية واليهودية والمطالبة بدولة وطنية مستقلة لكل إثنية. إن حلم إيزابيلا وفرديناند بإسبانيا الكاثوليكية "النقية"، الذي يحتقر التعددية، كان قد أصبح النموذج الذي يجب أن تكون عليه الدولة "الحديثة". إن "الإسلاميين" الأصوليين الآثمين الذين قاموا بالعملية الخسيسة في قصف الكنيس اليهودي في استانبول بالقنابل في الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، عام 2003 ينم عن جهلهم المطلق بالتعددية المرحب بها في الحضارة الإسلامية التي افتخر بها الشاعر إقبال في قصيدته إلى مسجد قرطبة. إن مواقفهم وأعمالهم تردد بشكل كبير صدى التعصب الموجود في محاكم التفتيش الإسبانية لمعاقبة الهراطقة وفي إعادة الاحتلال.



مؤرخ دون كيشوت ا لعربي

عام 1605 م نشر سيرفانتيس روايته دون كيشوت، التي يحتمل أن تكون أول رواية أدبية. وما زالت ذكرى الأندلس باقية.وربما في أقدم واقعية سحرية، يبتدع سيرفانتيس قصته المهينة بأن تلك الرواية كتبها "سيدي حميد بانينجلي، وهو مؤرخ عربي...ثم انطلقت مع المغربي إلى رواق مسقوف في الكاتدرائية وسألته أن يترجم لي إلى الكاستيلية كل الكتب التي تتعاطي بدون كيشوت..." وبوجود صلة عربية لا بد من أن تكون جيدة للبيع. ولكن لم يكن زمناً جيداً بالنسبة للمغاربة. لقد وضعت الحكومة الإسبانية حداً لسياسة الارتداد القسري الفاشلة، وفي الوقت الذي نشر فيه سيرفانتيس تتمة روايته عام 1615، كان المغاربة قد أبعدوا من إسبانيا.


بعد خمسمائة سنة من سقوط الأندلس وإقصاء اليهود، وأربعمائة سنة من إقصاء المسلمين، تم نسيان قصة الأندلس، حرم الأديان السماوية وجلالها، على نطاق واسع. لكن للقصة دروس كثيرة نتعلم منها


لمراجع


1 محمد إقبال، "ثلاث قصائد ترجمها رافي حبيب"، سنوية الدراسات الأردية. 18(2003)، 452

 

2 آغا خان الثالث، "التسامح في الإسلام"، رسالة إلى التايمز في أحاديث وكتابات مختارة للسير سلطان محمد شاه، حررها ر. ك. عزيز، (لندن: كيغان يول إنترناشنال, 1997)، الجزء الثاني: 1282-1283.

 

3 صمويل إميرسون، صحف ووثائق أخرى عن حياة ورحلات كريستوفر كولومبس، (نيويورك، 1963)،ص.47-48 ومقتطفة في كتاب عباس حمداني "الخلفية الإسلامية لرحلات الاستكشاف" الجزء الأول:280 في كتاب سلمى جيوسي (مح.)، إرث إسبانيا المسلمة، ( لايدن:بريل، 1999).

 

4 د.ف. رغليزD.F. ruggles ، حدائق ومشاهد طبيعية في قصور إسبانيا الإسلامية،(مطبعة جامعة ولاية بنسيلفانيا، 1999) مقتطفة في مينوكال، ص. 61.

 

5 جيريلين دودز Jerrilyn Dodds، العمارة والإديولوجيا في اسبانيا العصور الوسطى المبكرة، ( مطبعة جامعة ولاية بنسيلفانيا، 1999) مقتطفة في مينوكال ص. 66.

 

6 جيمس مونرو, James Monroe، الشعر العربي الإسباني، (بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1974)، 160

 

7 ريتشارد فلتشر، إسبانيا المورية ،( بيركلي، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1992)، ص. 87.

 

8 ابن رشد (Averroes) في الانسجام بين الدين والفلسفة، ترجمة جورج حوراني، (لندن: جيب ميموريال ترست، 1976)، ص. 12-13.

 

9 رالف ماكينري (ترجمة)، أكوينلس ضد الرشديين: على كونهم عقلانيين فقط،(وست لافاييت، إنديانا: مطبعة جامعة بوردو، 1993).

 

10 ل.ب. هارفي, إسبانيا الإسلامية 1250-1500، (شيكاغو: مطبعة جامعة شيكاغو، 1992(، مقتطفة في مينوكال، ص. 244.

الإسماعيلي USA، آذار (مارس) 2003.