التاريخ الإسماعيلي

هذه نسخة معدلة لمقالة نـُشرت أصلاً في الموسوعة الإيرانية، جامعة كولومبيا، نيويورك، المجلد 14، ص 178- 195.


Download PDF version of this article

 الأصول والتاريخ المبكر


بوفاة الإمام جعفر الصادق في العام 148هـ/765م، انقسم أتباعه من الشيعة الإماميين إلى مجموعات ست، اثنتان منها يمكن اعتبارهما الإسماعيليين الأصليين أو أوائل الإسماعيليين. وكان الإمام الصادق قد نصّ في الأصل على ولده الثاني إسماعيل ( جدّ الإسماعيلية ) خلفاً له في منصب الإمامة. وتروي الأكثرية العظمى من المصادر أن إسماعيل توفي قبل والده. غير أن المجموعتين الإسماعيليتين الأصليتين اللتين اتخذتا من الكوفة مقراً لهما وأيـّدتا مزاعم الإمام إسماعيل بن جعفر وولده محمد بن إسماعيل، سبق وظهرتا في حياة الإمام الصادق لكنهما لم تنفصلا عن الإماميين الآخرين إلا عام 148هـ/ 765م. إحدى هاتين المجموعتين أنكرت وفاة الإمام إسماعيل وانتظرت عودته في صورة المهدي. واعتقد أفراد هذه المجموعة، التي سميت بالإسماعيلية الخالصة، من قبل أقدم كتاب الفرق الإماميين، النوبختي والقمي، اللذين يشكلان مصادرنا الأساسية حول هذا الطور الابتدائي من الإسماعيلية أن الإمام الصادق كان قد أعلن وفاة الإمام إسماعيل كخدعة ليحميه من ملاحقة العباسيين واضطهادهم باعتبار أنه كان ناشطاً سياسياً ضدهم. أما المجموعة الثانية المسماة بالمباركية، التي أكدت وفاة الإمام إسماعيل، فقد اعترفت في تلك الفترة بابنه الأكبر الإمام محمد بن إسماعيل إماماً لها ( فرق الشيعة، ص 57-58؛ قمي، ص 80-81، 83؛ أشعري، مقالات، ص 26-27؛ دفتري، 1991، ص 220 وما بعدها). والمرجح كما يبدو أن المباركية، التي أُشتقت من لقب الإمام إسماعيل المبارك ( سجستاني، إثبات، ص 190 ؛ إدريس، زهـر، ص 199؛ ح.ف.الهمداني، 1958، النص، ص10؛ إيفانوف، 1946، ص103-112) كانوا في الأصل من المؤيدين للإمام إسماعيل قبل اعترافهم بالإمام محمد بن إسماعيل إماماً لهم. وفي جميع الأحوال، فقد كانت المباركية، بهذا الشكل، إحدى التسميات الأصلية للإسماعيلية الوليدة، وهي تسمية صاغها كتـّاب الفرق اللاحقون.


النوبختي ( ص 58-59 ) والقمـّي ( ص 81 )، المعاديان عموماً للإسماعيليين، يقرنان الإسماعيلية الخالصة بالخطابية المبكرة، أتباع أبي الخطاب، الأكثر شهرة بين الغلاة ( العبارة التي يستخدمها كتـّاب الفرق بصورة انتقاصية لوصف أولئك الذين ينسبون صفات إلهية إلى الأئمة ) في حاشية الإمام جعفر الصادق، الذي تبرأ منه الإمام بالنتيجة. ويعتقدان إضافة إلى ذلك أنه بوفاة أبا الخطاب سنة 138هـ/ 755م، انضمت مجموعة من أتباعه الغلاة إلى مؤيدي الإمام محمد بن إسماعيل ( فرق الشيعة، ص 60-61؛ قمي، ص 83). وتشير بعض المصادر المتأخرة أيضاً إلى علاقات وثيقة بين أوائل الإسماعيليين والخطابيين ( لويس، 1940، ص 33-35 ). بينما أدان الإسماعيليون من الأزمنة الفاطمية، من جهة أخرى، أبي الخطاب باعتباره ملحداً ( انظر، على سبيل المثال، القاضي النعمان، دعائم، 1، ص 49-50؛ تر. فيضي، 1، ص 65-66؛ ـــــ ــــــ ، كتاب المجالس، ص 84-85 ). وكائناً ما يكون الأمر، فإن العلاقات بين الإسماعيلية الخالصة والمباركية، من جهة، وبين هذه المجموعات والخطابية، من جهة أخرى، تبقى غامضة إلى حد ما بسبب فقدان المصادر الموثوقة. لكن من المؤكد أن هذه المجموعات كلها كانت ناشطة سياسياً ضد العباسيين وأنها تجذّرت ضمن بيئة الشيعية الإمامية في الكوفة.


قليلاً ما نعرف عن حياة وسيرة عمل الإمام محمد بن إسماعيل، الإمام السابع للإسماعيليين. ونجد أن المعلومات المتصلة بسيرة حياته والموجودة في المصادر الإسماعيلية المبكرة قد حفظت لنا من قبل الداعي إدريس ( عيون، 4، ص 351-356؛ ــــــ ـــــــ، زهـر، ص 204-208 ). وبعد وفاة الصادق بفترة قصيرة، وبعد اعتراف الأكثرية من الإماميين بإمامة عمه موسى الكاظم، غادر الإمام محمد بن إسماعيل المدينة، مقر العلويين، واســتتر. وكان قراره هذا ايذاناً ببدء دور الستر في الإسماعيلية المبكرة، وهو الدور الذي دام حتى تأسيس الدولة الفاطمية عندما ظهر الأئمة الإسماعيليون من الستر. ومنذ تلك الفترة، اكتسب الإمام محمد لقب المكتـوم إضافة إلى الميمون. ومع ذلك، فقد حافظ الإمام محمد بن إسماعيل على اتصالاته، من أمكنة مختلفة في جنوب العراق وفارس، بالمباركية المتمركزة في الكوفة. ويبدو أنه أمضى القسم الأخير من حياته في خوزستان، حيث كان له فيها بعض الأتباع. وتوفي بعد عام 179هـ/795م بفترة ليست طويلة، أي خلال خلافة هارون الرشيد العباسي. وبوفاة الإمام محمد بن إسماعيل، انقسمت المباركية إلى مجموعتين ( فرق الشيعة، ص 61؛ قمـي، ص 83 ). أكثرية رفضت القبول بوفاته، واعترفت به إمامها السابع والأخير، وهم ينتظرون عودته في صورة المهدي أو القائم. مجموعة ثانية صغيرة وغامضة اعترفت بوفاة الإمام محمد بن إسماعبل وتتبـّعت الإمامة في ذريته. ونكاد لا نعرف شيئاً بيقين حول التاريخ اللاحق لهذه المجموعات الإسماعيلية الأقدم عهداً حتى ما بعد منتصف القرن الثالث هـ/ التاسع م بفترة قصيرة، عندما ظهرت حركة إسماعيلية موحدة على المسرح التاريخي.


من المؤكد أن مجموعة من القادة الذين كانت لهم مكانة راسخة ضمن الإسماعيلية عملت، ولفترة تقرب من قرن من الزمن بعد الإمام محمد بن إسماعيل، بصورة سرية لإيجاد حركة شيعية موحدة ضد العباسيين. ولم يزعم هؤلاء القادة، طوال فترة أجيال ثلاثة، الإمامة الإسماعيلية علناً لأنفسهم. بل إنهم أخفوا في الواقع هويتهم الحقيقية من أجل تفادي الاضطهاد العباسي. وكان الإمام عبد الله الأكبر، أول هؤلاء القادة المستترين، قد نظـّم حملته حول العقيدة المركزية لأكثرية الإسماعيليين الأوائل، وهي مهدية الإمام محمد بن إسماعيل. إن تنظيم حركة باسم إمام مستور لا يمكن لعملاء العباسيين مطاردته كان يمثل إستراتيجية جـذّابة. وفي جميع الأحوال، فإن وجود مثل هذه المجموعة من القادة الإسماعيليين الأوائل قد تأكّـد من قبل كلّ من الرواية الرسمية للإسماعيليين من الفترة الفاطمية بخصوص الطور ما قبل الفاطمي من تاريخهم ( إدريس، عيون، 4، ص357 – 367، 390 – 404) إضافة إلى الرواية المعادية للجدليين السنيين ابن رزام وأخي محسن المحفوظة في مصادر متأخرة ( ابن الدواداري، 6، ص 44 – 156؛ مقريزي، اتعاظ،1، ص 151 – 201؛ ـــــ ــــــ، الخطط، 1، ص 391-397؛ نويري، 25، ص 187- 317 ). وبالفعل، فإننا نجد أن أسماء هؤلاء القادة، أي الإمام عبد الله والإمام أحمد و الإمام الحسين، أو الإمام محمد، والإمام عبد الله المهدي، الذين كانوا من ذات الأسرة وخلف الواحد منهم الآخر على أساس وراثي، نجدها متطابقة تقريباً في روايات الإسماعيليين الفاطميين اللاحقين ( ح. ف. الهمداني، 1958، النص ص 10 – 12؛ نيسابوري، ص 95؛ انظر أيضاً همداني و دو بلوا، ص 173 -207 ) وفي القوائم المنسوبة إلى أخي محسن ومصدره ابن رزام ( ابن النديم، مح. تجـدّد، ص 238؛ تر.دودج، 1، ص 462 – 464؛ ابن الدواداري، 6، ص 17 -20؛ مقريزي، اتعاظ، 1، ص 22 -26؛ نويري، 25، ص 189؛ حمادي يماني، كشف، ص 16 وما بعدها). غير أن المصادر الإسماعيلية تقدم هؤلاء القادة على أنهم علويون ينحدرون من الإمام الصادق بينما ترجع الروايات المعادية للإسماعيليين نسبهم إلى شخص يقرب اسمه من ميمون القداح. وقد أظهر البحث الحديث أن النسب القداحي للقادة الإسماعيليين المبكرين كان من تركيب الجدليين المعادين، وذلك بعد تأسيس الخلافة الفاطمية بفترة قصيرة، من أجل دحض النسب العلوي للأئمة – الخلفاء الفاطميين. وكان ميمون وولده عبد الله قد ارتبطا، في الحقيقة، مع الإمامين الباقر والصادق ولم يكن لهما علاقة لا بقادة الإسماعيلية الأوائل ولا بأئمتهم ( انظر ايفانوف،1946، ص 61، 103؛ دفتري، 1990، ص 105 – 116).


كان الإمام عبد الله الأكبر، أول القادة الإسماعيليين الأوائل بعد الإمام محمد بن إسماعيل، قد استقرّ في عسكر مكرم في خوزستان، حيث عاش كتاجر ثري. وبدأ من هناك بتنظيم دعوة إسماعيلية متجددة، فأرسل الدعاة إلى المقاطعات المختلفة المحيطة بخوزستان. وبتاريخ مجهول، لكنه لا يزال في النصف الأول من القرن الثالث هـ/ التاسع م، وجد الإمام عبد الله ملجأً له في سورية، حيث أعاد تأسيس اتصالاته بالنتيجة مع بعض دعاته، واستقر في سلمية مواصلاً الظهور بمظهر التاجر الهاشمي. ومنذ تلك الفترة، أصبحت سلمية، إلى الجنوب الشرقي من حماة بحوالي 35 كيلو متراً، مقراً سرياً لقيادة الدعوة الإسماعيلية. وبدأت جهود الإمام عبد الله وخلفائه تؤتي أُكلها في ستينيات القرن الثالث هـ/ سبعينيات القرن التاسع م، عندما ظهر الكثير من الدعاة في العراق والمناطق المجاورة. وكان قرابة عام 261هـ/ 874 م أن تحول حمدان قرمط إلى الإسماعيلية على يد الداعي حسين ألأهوازي ( ابن النديم، مح. تجدد، ص 238؛ مسعودي، تنبيه، ص 395). وبدوره، قام حمدان بتنظيم الدعوة في سواد الكوفة ، موطنه الأم، وفي المناطق الأخرى جنوبي العراق. وكان المساعد الرئيسي لحمدان صهره عبدان. وتمتع عبدان، رجل الدين العالم، بدرجة معينة من الاستقلال وكان مسؤولاً عن تدريب وتعيين الكثير من الدعاة، ومنهم أبو سعيد الجنابي، الذي أسس فيما بعد دولة البحرين القرمطية.


كانت الحركة الإسماعيلية الثورية المهدوية، وهي التي تركزت على توقع العودة الوشيكة للإمام محمد بن إسماعيل بصورة المهدي الذي سيقيم العدل في العالم، تستهوي المجموعات المحرومة من مختلف الخلفيات الاجتماعية. وحققت نجاحاً خاصاً بين الشيعيين الإماميين الذين خيبّت ظنهم السياسات المستكينة لأئمتهم وتـُركوا من غير إمام ظاهر عقب وفاة الإمام الحادي عشر، أبي محمد حسن العسكري ( ت 260هـ/ 874 م). و في مثل هذه الظروف كسب حمدان الكثير من المؤيدين في جنوب العراق وشرع في نشاطاته المناوئة للعباسيين ( ابن الدواداري، 6، ص 44 وما بعدها؛ مقريزي، اتعاظ، 1، ص 151 وما بعدها؛ نويري، 25، 189 وما بعدها؛ طبري، 3، ص 2124، 2126 – 2127؛ طبري، تر. 37، ص 169، 171 – 173). وأصبح إسماعيلية جنوب العراق يعرفون عموماً بالقرامطة نسبة إلى أول زعيم محلي لهم. وسرعان ما صارت هذه العبارة تطلق على الجماعات الإسماعيلية الأخرى التي لم تكن من تنظيم حمدان وعبدان. في ذلك الوقت، كان ثمة حركة إسماعيلية وحيدة يجري توجيهها من سلمية باسم الإمام محمد بن إسماعيل كمهدي ( شتيرن، 1961، ص 99 – 108؛ مادلونغ، 1961، ص 43 – 65). والحقيقة أن حمدان كان قد أسس سنة277هـ/890م داراً للهجرة قرب الكوفة جمع فيها أتباعه السلاح والمؤن من أجل تمهيد الطريق لظهور المهدي. وكانت هذه الدار ستخدم كنواة لمجتمع جديد للإسماعيليين. وجرى تأسيس دور هجرة مشابهة فيما بعد للجماعات الإسماعيلية في اليمن والبحرين وشمال إفريقية. وصار الإسماعيليون ( القرامطة ) في تلك الفترة يشيرون إلى حركتهم بالاسم البسيط الدعوة أو الدعوة الهادية، بالإضافة إلى استخدام تعابير كدعوة الحق أو أهل الحق.


في غضون ذلك، كانت ا لدعوة الإسماعيلية قد ظهرت في مناطق عديدة أخرى في ستينيات القرن الثالث هـ/ سبعينيات القرن التاسع م. وكان مأمون شقيق عبدان نشطاً كداعية في فارس، المكان الذي أصبح فيه الإسماعيليون المستجيبون يعرفون فيه بالمأمونية ( ديلمي، ص 21). أما الدعوة في اليمن فقد ابتدأت على يدي ابن حوشب، الذي اشتهر فيما بعد باسم منصور اليمن. وكان قد وصل إلى هناك سنة 268هـ/ 881 م مصطحباً معه معاونه علي بن الفضل. وبحلول عام 293هـ/905 – 906 م، أي عندما احتل علي صنعاء، كان هذان الداعيان يسيطران على عموم اليمن تقريباً ( قاضي نعمان، افتتاح ، ص32 – 54؛ جندي، كتاب السلوك، في كاي، 1892، النص، ص 139 – 152، تر. ص 191 – 212). وعملت اليمن أيضاً كقاعدة لمـدّ الدعوة إلى مناطق أخرى. ففي العام 270هـ/883 م، بعث ابن حوشب بأحد أقاربه، هيثم، كداعية إلى السند، مبتدئاً الدعوة في شبه القارة الهندية ( قاضي نعمان، افتتاح، ص 45‘ 47؛ إس.إم شتيرن، 1949، ص 298 وما بعدها؛ همداني، 1956). وبناء على توجيهات ابن حوشب، فقد كان أبو عبد الله الشيعي، بحلول عام 280هـ/893م، ناشطاً بين بربر كتامة في القبايل الصغرى في المغرب. وبعث ابن حوشب بدعاة آخرين إلى اليمامة ومصر والبحرين. وكان حمدان وعبدان قد بعثا سنة 273هـ/886م بأبي سعيد الجنابي إلى البحرين بعد نشاطاته الأولية في إقليم فـْارْس. وتمكن على وجه السرعة من ضم الكثير من المستجيبين هناك من البدو والمهاجرين الفرس( ابن الدواداري، م6، ص 55-62، 91 وما بعدها؛ مقريزي، اتعاظ، 1، 159 وما بعدها؛ نويري، 25، ص 233 وما بعدها؛ طبري، 3، ص 2188 وما بعدها، 2196 – 2197، 2205، 2232؛ طبري، تر. 38، ص 77 وما بعدها، 86 – 89، 98، 128 – 129؛ مسعودي، مروج ، 8، ص 191 وما بعدها ؛ دو غوية، ص 33 – 47، 69 وما بعدها).


وتم في وقت مبكر من ستينيات القرن الثالث هـ/ سبعينيات القرن التاسع م نقل الدعوة إلى منطقة الجبال في فارس على يدي خلف الحلاّج، الذي أقام مركزاً لنفسه في الري. وأصبح الإسماعيليون يعرفون هناك باسم الخلفية. وفي ظل خلفاء خلف كدعاة في الجبال، انتشرت الدعوة إلى قم وكاشان وأصفهان وهمدان وبلدات أخرى في تلك المنطقة. وقام الداعي الثالث للري، جيات، بمد الدعوة بمبادرة منه إلى خراسان وما وراء النهر. لكن الدعوة تأسست رسمياً في خراسان خلال العقد الأخير من القرن الثالث الهجري ( العقد الأول من القرن التاسع الميلادي) على يدي أبي عبد الله خادم، الذي أقام مقر قيادته السري في نيسابور. وكان حسين بن على مروزي ، داعي دعاة خراسان فيما بعد، أميراً بارزاً في خدمة السامانيين ونجح في مـد الدعوة إلى هرات وغور ومواضع أخرى تخضع لسيطرته ( نظام الملك، ص 282 – 295، 297 – 305؛ تر. دارك، ص 208 – 218، 220 – 226؛ ابن النديم، تح. تجـدد، ص 239؛ بغدادي، فـرق، تح. بدر، ص 267؛ شتيرن، 1960، ص 56 – 90، أعيد طبعها في ــــ ـــــ، 1983، ص 189 – 233).


وفي وقت مبكر من ثمانينيات القرن الثالث هـ/ تسعينيات القرن التاسع م، كانت حركة إسماعيلية موحدة قد حلت محل المجموعات الإسماعيلية المبكرة. لكن الإسماعيلية تعرضت عقب تولي الإمام عبد الله المهدي، الخليفة الفاطمي المستقبلي، القيادة في سلمية سنة 286 هـ/899 م بفترة قصيرة، لانشقاق أساسي. فقد لاحظ حمدان في تلك الفترة تغييرات هامة في التوجيهات العقائدية التي كان يتلقاها من سلمية، وبعث بعبدان إلى هناك للتحقق من المسألة. وتبين لعبدان أنه بدلاً من الدعوة إلى محمد بن إسماعيل على أنه المهدي، فإن الزعيم الجديد ادعى الإمامة لنفسه ولأسلافه، القادة المركزيين للدعوة الإسماعيلية في دور الستر. ورفض حمدان وعبدان الاعتراف بهذه التغييرات العقائدية، التي تسمح باستمرارية الإمامة. ونقضا بيعتهما للقيادة المركزية للإسماعيلية وعلقا نشاطات الدعوة في العراق. وبعد ذلك بفترة قصيرة، اختفى حمدان بينما قتـُل عبدان بتحريض من داعية مساعد،هو زكرويه بن مهرويه الذي بقي موالياً لسلمية في البداية ( ابن الدواداري، 6، ص 65 – 68؛ مقريزي، اتعاظ، 1، ص 167 – 168؛ نويري،15، ص 227 – 232؛ ابن حوقل، ص، 295؛ تر. كريمير و وايت، 2، ص 289؛ مادلونغ، 1961،ص 59 -65، 69 وما بعدها؛ دفتري، 1993، ص 123 – 139).


وجرى شرح إصلاح الإمام عبد الله المهدي في رسالة أرسلت فيما بعد إلى الجماعة الإسماعيلية في اليمن ( انظر ح. ف. الهمداني، 1958؛ و الهمداني ودو بلوا، 1983)، وتضمنت محاولة للتوفيق بين إصلاحه والمجرى الفعلي للأحداث في التاريخ الإسماعيلي ما قبل الفاطمي. فهو يشرح أن قادة الدعوة المركزيين كانوا قد تبنوا، كشكل من أشكال التقية، أسماء مستعارة عديدة، كالمبارك وميمون ، إضافة إلى توليهم لرتبة الحجة، أو الممثل الكامل الصلاحية للإمام الغائب محمد بن إسماعيل. وأضاف الإمام عبد الله، الذي كان اسمه المستعار السعيد، متوسعاً في شرحه، أن الدعوة الأقدم عهداً إلى الإمام محمد بن إسماعيل باعتباره المهدي كانت هي نفسها تكتيكاً آخر من تكتيكات التقية، وأن ذلك كان في حقيقته اسماً مستعاراً شاملاً لكل إمام من ذرية الإمام جعفر الصادق. وتجد أقوال الإمام عبد الله تأييداً لها في المصادر الإسماعيلية المبكرة القليلة الباقية ( انظر، على سبيل المثال، جعفر بن منصور اليمن، كتاب الكشف، ص 97 – 99، 102 وما بعدها، 109 – 110، 135، 160؛ ومادلونغ، 1961، ص 254 – 258).


لقد قسم الإصلاح العقائدي للإمام عبد الله المهدي الحركة الإسماعيلية إلى فريقين متنافسين اثنين. فريق بقي موالياً للقيادة المركزية واعترف باستمرارية الإمامة، حيث أقروا بالإمام عبد الله وأجداده العلويين أئمة لهم، وهو ما تم دمجه بمرور الوقت في عقيدة الإمامة للإسماعيلية الفاطمية. وقد أفسح أولئك الإسماعيليون المجال في تلك الآونة لثلاثة أئمة مستورين بين الإمام محمد بن إسماعيل والإمام عبد الله المهدي. وأصبح هذا الفريق الموالي يضم جلّ إسماعيلية اليمن وتلك الجماعات في مصر وشمال إفريقية والسند، التي تأسست على أيدي دعاة أُرسلوا من قبل ابن حوشب. من جهة ثانية، رفض فريق منشق، قاده حمدان في الأصل، إصلاح الإمام عبد الله وتمسك باعتقادهم الأصلي بمهدية الإمام محمد بن إسماعيل. ومنذ تلك الفترة، أصبحت عبارة قرمطي تطلق بصورة محددة أكثر على المنشقين الذين لم يعترفوا بالإمام عبد الله المهدي، ولا بأسلافه ولا خلفائه في السلالة الفاطمية ، أئمة لهم. وسرعان ما كسب الفريق القرمطي المنشق، الذي افتقر إلى القيادة المركزية، أهم حصونه المتمثلة بدولة القرامطة في البحرين. وكانت هذه الدولة قد تأسست في ذات السنة المليئة بالأحداث، 286هـ/899م على يدي أبي سعيد الجنابي الذي وقف إلى جانب حمدان وعبدان ( ابن حوقل ،ص 295). وتواجدت جماعات قرمطية في العراق واليمن وفارس وآسية الوسطى أيضاً. ولم يجر التطرق إلى التاريخ اللاحق للقرمطية هنا ( انظر ف. دفتري، "قرامطة"، في EIR، 4، ص 825 – 832؛ مادلونغ، "قرامطة"، الموسوعة الإسلامية، ط2، 4، ص 660 – 665؛ ـــــ ــــــ، 1959؛ ــــــ ـــــ ، 1996 ).


في غضون ذلك، كان الداعي زكرويه بن مهرويه قد اختفى في أعقاب أحداث سنة 286هـ/899م، ربما بسبب خوفه من انتقام مؤيدي عبدان في العراق. وراح، منذ عام 288هـ/899م، يبعث بعدد من أولاده دعاة إلى البادية السورية حيث نجحوا في تحويل أعداد ضخمة من البدو إلى مذهبهم. وكان هدف زكرويه في تلك الآونة إقامة دولة فاطمية للإمام عبد الله المهدي في سورية من غير تفويض منه. وسارع أولاد زكرويه إلى دعوة أتباعهم من البدو للتقدم إلى سلمية وإعلان ولائهم للإمام الذي كان ما يزال متحرزاً على هويته. في خضم هذا الحدث، اضطر الإمام عبد الله، الذي تعرض مركزه في تلك الفترة لخطر شديد، لمغادرة سلمية سراً عام 289 هـ/ 902م ليتفادى الوقوع في قبضة العملاء العباسيين الذين أرسلوا وراءه. فذهب بداية إلى الرملة في فلسطين، ثم شرع، في أعقاب هزيمة حركة زكرويه في سورية على يد جيش عباسي سنة 291 هـ/ 904م، في رحلته التاريخية التي انتهت بعد عدة سنوات في شمال إفريقية حيث أسس الخلافة الفاطمية ( انظر اليمني، سيرة الحاجب، ص 107 – 133؛ التر. عند إيفانوف، 1942، ص 184 – 223؛ التر. الفرنسية كنراد، 1952، ص 279 – 324). وتحوّل زكرويه وأولاده ضد الإمام عبد الله المهدي في أعقاب هزيمتهم في سورية سنة 291 هـ/ 904م وانضموا إلى معسكر القرامطة. وتعرض زكرويه للهزيمة في نهاية الأمر وقـُتل سنة 294 هـ/ 907م على أيدي العباسيين بينما عاشت حركته القرمطية مترنحة لوقت أطول قليلاً ( الطبري، 3، ص 2218 – 2246، 2255 – 2257؛ التر. م، 18، 113 – 144، 157 – 179؛ عريب، ص 9 -18، 36، 137؛ مسعودي، تنبيه، ص 370 – 376، 391؛ ابن الدواداري، 6، ص 69 -90 ؛ مقريزي، اتعاظ، 1، ص 168 – 179؛ نويري، 15، ص 246 – 276؛ هالم، 1979، ص 30 – 53؛ ــــ ـــــ، إمبراطورية المهدي، ص 66 – 88، 183 – 190).


وضع الإسماعيليون الأوائل إطارا أساسياً محبوكاً لنظام من الفكر الديني، تمّ تطويره أكثر أو تعديله في الفترة الفاطمية. والشيء المركزي في هذا النظام هو التمييز الأساسي بين الجانبين الظاهري والباطني للكتب الدينية ولفرائض الدين ومحرماته. وطبقاً لذلك، فقد اعتقدوا أن للقرآن والكتب المنزلة الأخرى، ولشرائعها، معناها الظاهري أو الحرفي، الذي هو الظاهر، الذي يجب تمييزه عن معناها الباطني المستور في الباطن. واعتقدوا، إلى جانب ذلك، أن الظاهر، أو الشريعة التي بلغها الأنبياء قد شهدت تغييرات دورية، بينما بقي الباطن، الذي يضم الحقائق الروحانية، ثابتاً وأزلياً. وقد جرى شرح هذه الحقائق، التي تمثل الرسالة المشتركة لليهودية والمسيحية والإسلام، من خلال التأويل أو التفسير الباطني، الذي غالباً ما اعتمد على الأهمية الرمزية للحروف والأعداد. وما كانت هذه الحقائق لتكون في متناول سوى الخواص من الناس في كل عصر، باعتبارهم متميزين عن الناس العاديين ( العوام)، الذين لا يستطيعون فهم سوى المعنى الظاهر للرسالات السماوية. وبالتالي، فإن الحقائق الخالدة للدين في دور الإسلام لا يمكن شرحها إلاّ لأولئك الذين جرى تلقينهم في الدعوة الإسماعيلية واعترفوا بهذا الشكل بسلطة النبي محمد، ومن بعده، بسلطة وصيـّه، الإمام علي بن أبي طالب، والأئمة أصحاب الحق الذين جاؤوا بعده؛ فكانت هذه المرجعيات هي المصادر الوحيدة للتأويل في الدور الإسلامي. وكانت عملية التلقين في الإسماعيلية ، المعروفة باسم البلاغ ، متدرجة وتتمّ بعد أخذ العهد أو الميثاق من المستجيب. كما فُرض على الملقنين الحفاظ على سرية الباطن الذي كان يـُعطى لهم من قبل هرمية ( حدود ) من المعلمين ( انظر جعفر بن منصور اليمن، كتاب العالم؛ هالم، " العهد الإسماعيلي،" ص 91 – 115). وباعتقادهم بالجانب الباطني للدين، أصبح الإسماعيليون يمثلون، في نظر بقية الجماعة المسلمة، الدعوة الشيعية إلى الباطنية في الإسلام بأفضل ما يكون، ومن هنا كانت تسميتهم العامة بالباطنية. غير أن هذه التسمية استخدمت أيضاً بمعنى فيه حط من القدر، حيث أُتهم الإسماعيليون عموماً بتجاهل الظاهر أو الشريعة.


شـكّلت الحقائق الباطنية بالنسبة للإسماعيليين الأوائل نظاماً فكرياً عرفانياً يمثل وجهة نظر عالمية متميزة. أما المكوّنان الأساسيان لهذا النظام، اللذان تطورا بحلول ثمانينيات القرن الثالث هـ/ تسعينيات القرن التاسع م، فهما التاريخ الدوري للشرائع أو الأدوار النبوية وعقيدة كوزمولوجية عرفانية. وقد طبقوا تفسيرهم الدوري للزمن والتاريخ الديني للبشرية على الرسائل المنزلة لليهودية – المسيحية إضافة إلى عدد من الأديان التي سبقت الإسلام كالزرداشتية التي تستهوي الكثير من غير المسلمين. وكان مفهوم التاريخ الديني، الذي يعكس مجموعة مؤثرات متنوعة كالهلينستية واليهودية- المسيحية والعرفانية إضافة إلى الأفكار الإيسكاتولوجية للشيعة الأوائل، قد تطور على أساس من أدوار الأنبياء المختلفين المعترف بهم في القرآن. كما تـمّ جمع هذا المفهوم الدوري مع العقيدة الإسماعيلية للإمامة التي جرى توارثها عن الإماميين الأوائل.


وطبقاً لنظرتهم الدورية، فقد آمن الإسماعيليون بأن التاريخ الديني للبشرية قد مر بسبعة أدوار نبوية ذات فترات زمنية متنوعة، وكل واحدة منها افتتحت بناطق لرسالة منزلة احتوت في جانبها الظاهري على شريعة. وجاء بعد كل ناطق، بدوره، وصي سمي بالصامت أيضاً، ثم بالأساس فيما بعد، وهو الذي يكشف للنخبة أو الخاصة الحقائق المـُضمّـنة في الجانب الباطني لرسالة ذلك الدور. وتلا كل وصي سبعة من الأئمة كانوا مسؤولين عن الحفاظ على المعنى الحقيقي للنصوص المقدسة للشريعة بجانبيها الظاهري والباطني. وكان الإمام السابع، الذي يسمى بالمتمّ أيضاً، من كل دور يرتقي في رتبته ليصبح ناطق الدور التالي، حيث يقوم بإلغاء شريعة الدور السابق ويعلن عن واحدة جديدة. ولا يتغير هذا النموذج إلا في الدور السابع والأخير من التاريخ. وباعتباره الإمام السابع للدور السادس، دور النبي محمد والإسلام، كان متوقعاً من الإمام محمد بن إسماعيل بداية أن يعود للظهور في صورة المهدي ( أو القائم ) إضافة إلى كونه ناطق الدور الإيسكاتولوجي السابع حيث سيقوم بالكشف الكامل للحقائق الباطنية لكل الرسالات السابقة بدلاً من تبليغ شريعة جديدة. غير أن هذه النظرة الدورية الأصلية للتاريخ الديني عدلت بعد الإصلاح العقائدي للإمام عبد الله المهدي. وأدى الاعتراف باستمرارية الإمامة إلى فقدان الدور السابع لجاذبيته المهدوية السابقة بالنسبة للإسماعيليين الفاطميين، الذين أصبح الدور الإيسكاتولوجي الأخير ، مهما كانت طبيعته، مؤجلاً بالنسبة لهم إلى وقت غير محدد في المستقبل. من جهة أخرى، استمر قرامطة البحرين والمناطق الأخرى في نظرتهم إلى الإمام محمد بن إسماعيل على أنه مهديـهم الذي كان من المتوقع ، عند عودته إلى الظهور كناطق سابع، أن يبتدئ العصر الختامي من الروحانية الخالصة ( انظر ف. دفتري، " دور ،" في EIr، 7، ص 151 – 153؛ وابن حوشب منصور اليمن، كتاب الرشد، ص 185 – 213؛ تر. إيفانوف، 1955، ص 29 – 59؛ جعفر بن منصور اليمن، كتاب الكشف، ص 14 وما بعدها، 103 – 104، 109 – 110، 113 – 114، 132 – 133، 138، 143، 150، 169 – 170؛ قاضي نعمان، أساس التأويل؛ سجستاني، إثبات، ص 181 – 193؛ كوربان، 1983، ص 1 – 58؛ مادلونغ، 1961، ص 51 وما بعدها، 82 – 90؛ هالم، 1978، ص 355 – 366 ).


من الممكن إعادة بناء العقيدة الكوزمولوجية للإسماعيليين الأوائل من خلال الأدلة المجتزأة المحفوظة في النصوص الإسماعيلية اللاحقة ( انظر بشكل خاص شتيرن، 1983، ص 3 – 29؛ هالم، 1978، ص 18 – 127، 206 – 227؛ ـــ ــــ،" كوزمولوجية الإسماعيليين ما قبل الفاطميين،" في دفتري، مح.، 1996، ص 75 – 83 ). وقد لقيت هذه العقيدة، التي تمثل أسطورة كوزمولوجية عرفانية، تأييداً من مجمل الحركة الإسماعيلية ( القرمطية ) حتى تم تجاوزها بكوزمولوجية جديدة ذات منشأ أفلاطوني محدث. وطبقاً لهذه العقيدة، فإن الله خلق أولاً، من خلال إرادته ومشيئته، نوراً خاطبه بالأمر القرآني للخلق " كن." ومن خلال مضاعفة حرفي الأمر، الكاف والنون، اكتسب الاسم صفة الأنوثة، كوني. وبأمر من الله، خلقت كوني من نورها قـدر، مساعدها الذكر. وهكذا كانت كوني وقدر الأصلان الأولان للخلق. ومن سباعية الأحرف الصامتة الأصلية لكوني- قدر، المسماة بالحروف العلوية أيضًا، خرجت جميع الحروف والأسماء الأخرى؛ ومع الأسماء ظهرت بصورة متزامنة الأشياء نفسها التي ترمز إليها. لقد شرحت هذه العقيدة كيف جاء النشاط الإبداعي لله بكائنات العالم الروحاني عبر الوسيط كوني- قدر، المسؤولين أيضاً عن خلق عالم المادة الأسفل الذي بلغ ذروته بتكوين الإنسان.


الفترة الفاطمية حتى 487هـ/1094م


كان للإسماعيليين في هذه الفترة، التي غالباً ما يشار إليها على أنها "العصر الذهبي" للإسماعيلية، دولتهم الخاصة العظيمة، وفكرهم وأدبهم الإسماعيلي، إضافة إلى بلوغ نشاطات دعوتهم ذروة حراكها. فبعد إقامته في الرملة، وصل الإمام عبد الله المهدي إلى مصر سنة 291هـ/904م حيث مكث فيها لمدة عام كامل. ومُـنع ، عقب ذلك، من الذهاب إلى المغرب، حيث كان ينشط الداعي أبو عبد الله الشيعي بنجاح بين بربر كتامة منذ 280هـ/893م ( انظر قاضي نعمان، افتتاح، ص 71 – 222؛ دشرواي، ص 57 – 122؛ هالم، إمبراطورية المهدي، ص 9 – 128؛ م. طالبي، إمارة الأغالبة، 184 – 296/ 800 – 909، باريس، 1966، ص 579 – 672 )، والسبب هو أن أمراء المنطقة الأغالبة وأسيادهم العباسيين اكتشفوا خطط الإمام وراحوا ينتظرونه لاعتقاله. عنـدئـذ توجه الإمام عبد الله نحو بلدة سجلماسة النائية في جنوب مراكش، حيث عاش بهدوء وسلام لمدة أربعة أعوام ( 292 – 296هـ/ 905 – 909م ) محافظاً على اتصالاته بأبي عبد الله، الذي كان قد بدأ فتوحاته لأفريقية ( القسم الشرقي من المغرب ) بمساعدة جنود من رجال قبائل كتامة. وحقق جيش كتامة هذا نجاحات عظيمة بحلول عام 296هـ/ 908م، الأمر الذي شكل علامة على سقوط الأغالبة. وفي 1 رجب 296هـ/ 25 آذار 909 م، دخل أبو عبد الله رقّـادة، المدينة الملكية خارج أسوار القيروان عاصمة الأغالبة، ومنها بسط حكمه على إفريقية لمدة عام كامل تقريباً بصفته نائباً للمهدي. وفي رمضان 296هـ/ حزيران 909م، انطلق على رأس جيشه باتجاه سجلماسة ليسلم مقاليد السلطة للإمام الإسماعيلي نفسه. وأُعلن الإمام عبد الله المهدي خليفة في احتفال خاص في سجلماسة في 7 ذي الحجة 296هـ/ 27 آب 909م. وبهذه الأحداث، وصل دور الستر في الإسماعيلية المبكرة إلى نهايته أيضاً. ودخل الإمام عبد الله المهدي رقّـادة في 20 ربيع الثاني 297هـ/ 4 كانون الثاني 910م، ونودي به خليفة على الفور ( من أجل رواية شاهد عيان مفصلة حول تأسيس الحكم الفاطمي، انظر ابن الهيثم، كتاب المناظرات). وكانت الخلافة الشيعية الإسماعيلية للفاطميين قد بدأت عهدها بصورة رسمية في تلك الفترة. وأخذت السلالة الحاكمة الجديدة اسمها ( الفاطمية) من اسم فاطمة ابنة النبي، الذي إليه عاد الإمام المهدي وخلفاؤه بنسبهم العلوي.


لم يتخل الفاطميون عن الدعوة الإسماعيلية عند توليهم للسلطة باعتبار أن تطلعاتهم العالمية الهادفة إلى مـد سلطانهم على مجمل المجتمع الإسلامي كانت لا تزال تراودهم. غير أن الأئمة – الخلفاء الفاطميين الأوائل، الذين كانوا يحكمون من إفريقية، جابهوا صعوبات كثيرة وهم يوطـدون سلطتهم. وقد واجهوا بشكل خاص عداء البربر الخوارج وسكان القيروان ومدن إفريقية الأخرى السنة بقيادة فقهائهم من المذهب المالكي. وفي ظل تلك الظروف، بقيت الدعوة الإسماعيلية خامدة إلى حد ما في شمال إفريقية لبعض الوقت ( مادلونغ، 1999، ص 97 – 104 ). ولم يتأسس الحكم الفاطمي بصورة ثابتة في المغرب إلاّ في ظل حكم الإمام المعز لدين الله ( 341 – 365هـ/ 953 – 975م )، الذي نجح في تحويل الخلافة الفاطمية من دولة إقليمية إلى إمبراطورية عظيمة. كما كان أول إمام –خليفة فاطمي يكرس نفسه لنشر الدعوة الإسماعيلية خارج حدود أراضي الفاطميين، وخصوصاً بعد تحويل مقر الدولة الفاطمية إلى مصر سنة 362هـ/ 973م، حيث أسس مدينة القاهرة عاصمة جديدة له. واعتمدت سياسة الإمام المعز في نشر الدعوة على عدد من الاعتبارات الدينية – السياسية. فقد كان متوجساً من نجاح الدعوة القرمطية لأنها لم تعرقل جهود الدعاة الإسماعيليين الفاطميين العاملين في ذات المناطق، ولا سيما في العراق وفارس وما وراء النهر، بل وأثارت المشاعر المناوئة للإسماعيليين عموماً عند المسلمين السنة الذين لم يميزوا بين الإسماعيليين والقرامطة الذين كانوا قد اتهموا بخرقهم للقانون وعدم التزامهم بمبادئ الدين. وسرعان ما أثمرت سياسات الإمام المعز عندما تم بعث النشاط في الدعوة الإسماعيلية والقضية الفاطمية خارج حدود الدولة الفاطمية. والشيء البارز بشكل خاص هو أن أبا يعقوب السجستاني، داعي سيستان ومكران وخراسان، والذي سبق له أن انتمى إلى الفئة القرمطية المنشقة، حـوّل ولاءه إلى الفاطميين، وبالتالي، فإن العديد من أتباعه في فارس وآسية الوسطى اعترفوا أيضاً بالإمام – الخليفة الفاطمي. واكتسبت الإسماعيلية حصناً لها أيضاً في ملتان والسند حيث تم تأسيس إمارة إسماعيلية هناك.


وسمح الإمام – الخليفة المعز للدعوة الفاطمية أيضاً بتعليم كوزمولوجية الأفلاطونية المحدثة كما طورها وحبكها دعاة الأراضي الإيرانية. وأصبح الدعاة الفاطميون، منذ تلك الفترة، ينشرون كوزمولوجية الأفلاطونيين المحدثين هذه تفضيلاً لها على العقيدة الميثولوجية الأقدم عهداً. وكان محمد النسفي وأبو حاتم الرازي والسجستاني قد شرعوا في مجريات القرن التاسع/ العاشر في رسم تناغم وانسجام ما بين لاهوتهم الشيعي الإسماعيلي وفلسفة الأفلاطونية المحدثة. وقد أدّى ذلك إلى تطوير تقليد فكري فريد من اللاهوتية الفلسفية في الإسماعيلية. وقد كتب أولئك الدعاة للطبقات المثقفة في المجتمع وهدفهم جذب هؤلاء فكرياً إليهم. وهذا هو سبب تعبيرهم عن لاهوتهم، الذي كان يدور دائماً حول عقيدة الإمامة الشيعية المركزية، بأرقى المصطلحات والموضوعات السائدة آنئذ. وقد حبك الدعاة الإيرانيون أنظمة تفكير ميتافيزيقية معقدة ذات كوزمولوجية انبعاثية أفلاطونية محدثة متميزة. ويوصف الله في هذه الكوزمولوجية، كما فصلها بصورة كاملة السجستاني في كتاب الينابيع وفي أعمال أخرى، بأنه منـزّه بالمطلق وخارج حدود الكينونة والعدم، وبالتالي فهو لا يدرك ( السجستاني، كشف المحجوب، ص 4 – 15 ). وهنا، يحل الزوج الأفلاطوني المحدث المؤلف من العقل الكلي و النفس الكلية في العالم الروحاني محل (كوني وقدر) في الكوزمولوجية السابقة، ويجري تتبّـع السلسلة الانبعاثية للخلق لتصل في نهايتها إلى الإنسان، في الوقت الذي يتم فيه الإقرار بأن الله قد خلق كل شيء في العالمين الروحاني والجسماني دفعة واحدة ( السجستاني، إثبات، ص 2- 3، 28؛ ناصر خسرو، جامع الحكمتين، ص 210 – 232). كما عرض هؤلاء الدعاة عقيدة النجاة كجزء من كوزمولوجيتهم. ففي عقيدتهم للخلاص نجد أن الهدف النهائي للنجاة هو تقدم النفس الإنسانية في مسعاها نحو خالقها طلباً للفوز الروحاني والحياة الخالدة ما بعد الموت. ويعتمد ذلك على الهداية التي توفرها مصادر الحكمة المأذونة في كل دور من أدوار التاريخ ( انظر دفتري، 1990، ص 234 – 245؛ ولكر، 1993، ص 67 – 142؛ ـــ ـــ، 1996، ص 26 – 103 ). وأثّـرت فلسفة الأفلاطونية المحدثة أيضاً في الكوزمولوجية التي حبكها إخوان الصفاء ذوو الارتباط الإسماعيلي. وكان في زمن الإمام المعز أيضاً أن جرت قوننة الفقه الإسماعيلي وطُـبقت مبادئه من قبل القضاة في مختلف أرجاء الدولة الفاطمية.


كان للإسماعيليين تقدير عال للتعليم فأسسوا تقاليد ومؤسسات تعليمية متميزة في ظل الفاطميين. وكانت الدعوة الإسماعيلية مهتمة بشكل خاص بتثقيف المستجيبين الجدد بالعقائد الباطنية الإسماعيلية، التي عُـرفت باسم " الحكمة". وكانت النتيجة أن تم تنظيم مجموعات متنوعة من المحاضرات دُعيت عموماً باسم "المجالس" ( مفردها مجلس ). وخُـصصت محاضرات خاصة بالعقائد الباطنية الإسماعيلية عُـرفت باسم " مجالس الحكمة" للمستجيبين الإسماعيليين حصرياً، الذين أقسموا يمين الولاء والمحافظة على السرية. وكانت المحاضرات التي يلقيها داعي الدعاة في القصر الفاطمي تحظى بالموافقة المسبقة للإمام. فالإمام وحده هو مصدر الحكمة، وداعي الدعاة ، الذي كان يسمى بالباب عموماً، كان مجرد ناطق باسم الإمام من خلاله يتلقى الإسماعيليون معارفهم بالعقائد الباطنية الإسماعيلية ( انظر كرماني، راحة العقل، ص 135، 138، 143، 205 – 208، 212 – 214). وجرى بمرور الوقت جمع العديد من هذه المجالس وتدوينها كتابة. وبلغ التقليد التعليمي الفاطمي هذا ذروته في المجالس المؤيدية للداعي المؤيد في الدين الشيرازي ( انظر مقريزي، الخطط، 1، ص 390 – 391؛ قلقشندي، 10، ص 434 – 439؛ هالم، " العهد الإسماعيلي"، ص 98 – 112؛ ـــ ـــ، 1997، ص 23 – 29، 41 – 55؛ ولكر، 1997، ص 182 – 186). وشكل دار العلم أو دار الحكمة، كما كان يسمى في بعض الأحيان، مؤسسة تعليمية رئيسية أخرى تأسست من قبل الفاطميين. وكانت جملة متنوعة من الموضوعات الدينية وغير الدينية تُـدرّس في هذه المؤسسة التي أُقيمت سنة 395هـ/ 1005م على يد الإمام –الخليفة الحاكم ( 386- 411هـ/ 996 – 1021م) وجُـهزت بمكتبة رئيسية. وقد تلقى العديد من الدعاة الفاطميين جزءاً من تدريبهم على الأقل في دار العلم ( مقريزي، الخطط، ص 1، ص 458 – 460؛ هالم، 1997، ص 71 – 77؛ ولكر، 1997، ص 189 – 193 ).


كانت المعلومات المتعلقة ببنية تنظيم الدعوة الإسماعيلية وآلية عملها من الأسرار المحفوظة جيداً في الإسماعيلية. وكانت الرسائل الدينية – السياسية للدعوة تنبث من خلال شبكة من الدعاة داخل أراضي الفاطميين وفي المناطق الأخرى التي يُـشار إليها بالجزائر ( مفردها جزيرة ). ويقوم داعية من رتبة عالية يعرف بالحجة بمسؤولية إدارة كل جزيرة من هذه الجزر يعاونه مجموعة من الدعاة من رتب مختلفة يعملون تحت إمرته. وهكذا، فقد خضعت الدعوة الفاطمية للإشراف الكلي للإمام ولداعي الدعاة، أو الباب، الذي كان رئيسها الإداري. وتطور تنظيم الدعوة مع مرور الوقت حتى بلغ كمال تفاصيله في ظل الإمام – الخليفة المستنصر ( انظر دفتري،"داعي " فيEIr ، 6، ص 590 – 592؛ ـــ ـــ، 1990، ص 224 – 232؛ شتيرن، 1972، ص 437 – 450؛ همداني، 1976، ص 85 – 114). وكان في المناطق غير الفاطمية، أي في الجزائر‘ ولا سيما في اليمن وفارس وآسية الوسطى، أن حققت الدعوة الفاطمية نجاحها الدائم ( دفتري، 1999، ص 29 – 43؛ ـــ ــــ،"إسماعيلية العصر الوسيط،" ص 48 – 61). وتكثّـفت أعمال الدعوة في العراق وفارس في ظل الإمام –الخليفة الحاكم. وكان حميد الدين الكرماني الأسبق من بين دعاة هذه الفترة. وقد تمكن، وهو الفيلسوف العالم، من تحقيق التآلف والانسجام بين اللاهوت الإسماعيلي وبين عدد من التقاليد الفلسفية المتنوعة مستخرجاً منها نظامه الميتافيزيقي الخاص. بل إن فكر الكرماني يمثّـل، في الحقيقة، تقليداً فريداً ضمن المدرسة الفلسفية الإسماعيلية الإيرانية. وقد بسط كوزمولوجية خاصة أحلّت نظاماً من العقول العشرة المنفصلة محل الزوج الأفلاطوني المحدث من العقل والنفس في العالم الروحاني متبنياً بصورة جزئية النظام الكوني الأرسططالي الذي للفارابي ( كرماني، راحة العقل، ص 134 وما بعدها). غير أن الدعوة الفاطمية لم تتبنّ كوزمولوجية الكرماني، التي وفرت الأساس للمرحلة الرابعة والأخيرة من النشوء والارتقاء اللاحق للكوزمولوجية الإسماعيلية على أيدي دعاة اليمن الطيبيين المستعليين ( انظر و.مادلونغ،"الكوزموغونية والكوزمولوجية في الإسماعيلية،" في EIr، 6، ص 323 – 324؛ دو سميت، 1995، ص 16 – 377؛ ولكر، 1999، ص 80 – 117). وكان عهد حكم الإمام الحاكم قد تزامن أيضاً مع الطور الافتتاحي لما كان سيصبح معروفاً باسم الدين الدرزي، الذي أسسه عدد من الدعاة الذين قدموا إلى القاهرة من فارس وآسية الوسطى وأبرزهم أكرم وحمزة والدرزي. وقد أعلن هؤلاء نهاية دور الإسلام وألوهية الإمام الحاكم. واستدعي الكرماني إلى القاهرة بصورة رسمية قرابة العام 405هـ/ 1014م لينقض العقائد المتطرفة الجديدة من منظور ثيولوجي( م.ج.س. هدجسون،" دروز،" في الموسوعة الإسلامية، ط2، م2، ص 631 – 634؛ برير).


وبلغت نشاطات الدعوة الإسماعيلية خارج ممتلكات الفاطميين ذروتها إبان فترة الحكم الطويلة للإمام المستنصر ( 427 -487هـ/ 1036 – 1094م)، أي حتى ما بعد حلول السلاجقة السنة محل البويهيين الشيعة كأسياد للعباسيين سنة 447هـ/ 1055م. لقد نجح الدعاة الفاطميون في جذب العديد من المستجيبين في العراق وفي أجزاء مختلفة من فارس وآسية الوسطى. وكان أحد أبرز دعاة هذه الفترة المؤيد في الدين الشيرازي، الذي استقر في القاهرة، بعد فترة عمل أولية في فـْارْس، وقام بدور نشط في شؤون الدولة الفاطمية والدعوة الإسماعيلية. وفي العام 450هـ/ 1058م، عيّنه الإمام المستنصر داعياً للدعاة، وهو منصب شغله لمدة عشرين عاماً، باستثناء فترة وجيزة، أي حتى وفاته سنة 470هـ/ 1078م ( انظر المؤيد في الدين، سيرة؛ كليم، ص 2 – 63، 136 – 192). وأسس المؤيد علاقات وثيقة بين القاهرة والعديد من الجزائر، وخصوصاً مع اليمن حيث كانت الإسماعيلية قد حافظت على وجودها مستترة طوال القرن الرابع / العاشر. وكانت قيادة الدعوة في اليمن قد آلت، بحلول زمن الإمام المستنصر، إلى الداعي علي بن محمد الصليحي، أحد زعماء القبائل من أصحاب الشأن في بني همدان في منطقة جبال حراز. وثار علي الصليحي في حراز سنة 439هـ/ 1047م مؤذناً ببدء التأسيس الفعلي للسلالة الصليحية التي حكمت أجزاء مختلفة من اليمن كنوابٍ للفاطميين حتى العام 532هـ/ 1138م. وبوفاة علي سنة 459هـ/ 1067م، تـّم تعيين لمك بن مالك حمّادي داعياً لدعاة اليمن في حين تم تعيين ابن علي، أحمد المكرّم خلفاً لوالده في رئاسة الدولة الصليحية فقط. وكان قد سبق للداعي لمك أن أمضى خمس سنوات في القاهرة درس خلالها على يدي داعي الدعاة المؤيد. ومنذ الجزء الأخير من عهد أحمد المكرّم، أي خلال الفترة التي فقد فيها الصليحيون معظم أجزاء اليمن للزيديين هناك، تحولت السلطة الفعلية في الدولة الصليحية إلى قرينة المكرّم، الملكة السيدة الحرة. وقد لعبت دوراً هاماً متزايداً في شؤون الدعوة اليمنية بلغ ذروته بتعيينها حجة لليمن من قبل الإمام المستنصر. وقد مثّـل ذلك أول حدث لتعيين امرأة في مرتبة عالية من هرمية الدعوة ( عمارة بن علي الحكمي، تاريخ اليمن، في كاي، 1892، النص ص 1 – 102، التر. ص 1 – 137؛ ح.ف.الهمداني، 1955، ص 62 – 231). وقام الصليحيون أيضاً بدور فاعل في الجهود المتجددة للفاطميين لنشر الدعوة في شبه القارة الهندية ( انظر المستنصر، السجلات، ص 167 – 169، 203 – 206). والجماعة الإسماعيلية التي أسسها في كجرات دعاة أُرسلوا من اليمن في النصف الثاني من القرن الخامس هـ/ الحادي عشرم تطورت إلى ما يعرف اليوم بجماعة البهرة الطيبية.


في غضون ذلك، كانت الدعوة الإسماعيلية قد واصلت انتشارها في العديد من أجزاء العالم الإيراني، الذي كان قد ضُـمّ في تلك الفترة إلى السلطنة السلجوقية. وبحلول ستينيات القرن الخامس هـ/ سبعينيات القرن الحادي عشر م، كان الإسماعيليون الفرس في الأراضي السلجوقية تحت قيادة عبد الملك بن عطاش الذي جعل مقر قيادته السري في أصفهان. ويعتبر هذا الداعي مسؤولاً أيضاً عن اطلاق مهمة حسن الصباح الذي تولى بمرور الوقت قيادة الدعوة الإسماعيلية في فارس. وكانت الدعوة في بدخشان والأجزاء الشرقية الأخرى من العالم الإيراني قد استمرت في انتشارها أيضاً عقب سقوط السامانيين سنة 395 هـ/ 1005م (ابن الأثير، 9‘ ص 211، 358، 10، ص 122 وما بعدها،165 – 166؛ بارتولد، ص 251، 304 – 305، 316 – 318). ويُـعدّ ناصر خسرو، الذي قام بدور هام في الدعوة إلى الإسماعيلية في آسية الوسطى بصفته حجة خراسان، واحداً من أبرز دعاة زمن المستنصر؛ وقد نشر الدعوة أيضاً في طبرستان وفي مقاطعات قزوينية أخرى. وكان إبـّان فترة نفيه في يومغان بشكل أساسي أن قام ناصر بمد الدعوة ونشرها في مختلف أنحاء بدخشان في الوقت الذي حافظ فيه على اتصالاته مع الداعي المؤيد ومع مقر قيادة الدعوة في القاهرة. وفي الحقيقة، فإن إسماعيلية بدخشان، المنقسمين اليوم بين طجكستان وأفغانستان، مع مجموعات فرعهم في منطقة هندو كوش، الواقعة حالياً في الهونزا والمناطق الشمالية الأخرى من الباكستان، يعتبرون شاه ناصر خسرو مؤسساً لجماعاتهم ( ايفانوف، 1948؛ بيرتلز، ناصر خسرو؛ كوربان،"ناصر خسرو،" ص 520 – 542؛ دفتري، 1990، ص 215 – 218؛ هنزبيرغر، ص 220 – 254). وبحلول الزمن الذي تم فيه اقتلاع دولة قرامطة البحرين أخيراً في العام 470 هـ/ 1077م على يدي بعض زعماء القبائل المحليين، كانت المجموعات القرمطية الأخرى في فارس والعراق وأمكنة أخرى إما تفككت وتلاشت أو حولت ولاءها إلى الدعوة الإسماعيلية الفاطمية. وأصبحت الدعوة الإسماعيلية في تلك الفترة دعوة واحدة موحدة مرة أخرى تحت القيادة العليا للإمام – الخليفة الفاطمي.


وكان خلال فترة حكم الإمام المستنصر الطويلة أن شرعت الخلافة الفاطمية في تدهورها وانحطاطها الناجم عن الصراعات الفئوية داخل الجيوش الفاطمية وعن صعوبات سياسية واقتصادية أخرى. فقد أدى تمرد القوات التركية إلى فوضى كاملة دفعت الإمام المستنصر إلى طلب المساعدة من بدر الجمالي، القائد الأرمني في خدمة الفاطميين. ودخل بدر القاهرة سنة 466 هـ/ 1074م، وسرعان ما تولى رئاسة الإدارة المدنية والقضائية والدينية إضافة إلى وظيفته الأساسية، "أمير الجيوش،"مصدر قوته الرئيسي. وقد تمكن من استعادة السلم والازدهار النسبي لمصر إبان فترة وزارته الطويلة التي دامت حوالي عشرين عاماً، كان خلالها حاكم الدولة الفاطمية من حيث الواقع. وتوفي بدر سنة 487 هـ/ 1094م، بعد أن مهد السبيل لولده الأفضل ليخلفه في الوزارة. ومنذ تلك الفترة، أصبحت السلطة الفعلية في الدولة الفاطمية في أيدي الوزراء الفاطميين الذين تولوا قيادة القوات أيضاً، ومن هنا كان لقبهم " وزير السيف." كما تولوا المسؤولية عن تنظيم الدعوة وعن أنشطتها.


توفي الإمام المستنصر، الخليفة الفاطمي الثامن والإمام الإسماعيلي الثامن عشر، في ذي الحجة 487 هـ/ كانون الأول 1094م، أي بعد بدر الجمالي بعدة أشهر. وانقسمت الدعوة الإسماعيلية الموحدة، اثر ذلك، إلى فرقتين متنافستين بعد أن تم حرمان ابن الإمام المستنصر وولي عهده الأصلي، نزار، من حقوقه في الوراثة من قبل الأفضل الذي نصّـب على وجه السرعة أخاً أصغر غير شقيق لنزار على العرش الفاطمي بلقب المستعلي بالله ( 487- 495 هـ/ 1094- 1101م). وأُطلق على الفرقتين فيما بعد لقبي النزارية والمستعلية. واستحصل الأفضل على الفور بيعة كبار شخصيات البلاط الفاطمي وقادة الدعوة الإسماعيلية في القاهرة الذين اعترفوا بإمامة المستعلي أيضاً. ورفض نزار مبايعة المستعلي وفـّر إلى الإسكندرية حيث أعلن الثورة، لكنه هُـزم وقُـتل سنة 488 هـ/1095م. ولقيت إمامة المستعلي اعترافاً من قبل إسماعيلية مصر واليمن وغربي الهند. وقام هؤلاء الإسماعيليون، الذين كانوا تابعين للنظام الفاطمي، بتتبع الإمامة فيما بعد في ذرية المستعلي. وانضم جلّ إسماعيلية سورية إلى المعسكر المستعلي أيضاً. أما إسماعيلية فارس، الذين كانوا آنئذ تحت قيادة حسن الصباح، فقد أيّـدوا، من جهة أخرى، الحقوق الوراثية لنزار. ويبدو أن إسماعيلية آسية الوسطى لم ينخرطوا في هذا الانقسام النزاري – المستعلي واستمروا في ذلك لبعض الوقت ( المستنصر، السجلات، ص 109 -118؛ ابن القلانسي، ص 128؛ ابن ميسر، ص 59 وما بعدها؛ ابن الدواداري، 6، ص 443 وما بعدها؛ مقريزي، اتعاظ، 3، ص 11 وما بعدها؛ ـــ ـــ، الخطط، 1، ص 422- 423؛ ابن تغري بردي، 5، ص 142- 145).


الإسماعيلية المستعلية



بقيت الدولة الفاطمية لسبع وسبعين سنة أخرى بعد الانقسام المستعلي - النزاري لعام 487 هـ/1094م. وشهدت هذه العقود تدهوراً سريعاً للخلافة الفاطمية أحدق بها نتيجة الأزمات المتواصلة. واستمر المستعلي وخلفاؤه على العرش الفاطمي في وضعية مهمشة في معظم الأحيان ولا حول لهم تجاه وزرائهم، لكن اعترف بهم الإسماعيليون المستعليون أئمة لهم. وسرعان ما انقسم هؤلاء إلى فرعي الحافظية و الطيبية. وبعد وفاة المستعلي المبكرة سنة 495 هـ/ 1101م، قام الوزير الأفضل صاحب السلطة المطلقة بتنصيب ولد للمستعلي يبلغ الخامسة من العمر على العرش بلقب الآمر بأحكام الله. واغتيل الأفضل سنة 515 هـ/ 1121م؛ وعندما اغتيل الآمر نفسه سنة 524 هتم 1130م، واجه الإسماعيليون المستعليون أزمة وراثة رئيسية. وكان ولد للآمر باسم الطيب قد ولد قبل وفاة الآمر بأشهر قليلة، وتم النص عليه ولياً للعهد. لكن السلطة ذهبت عند وفاة الآمر إلى ابن عمه عبد المجيد، أكبر أعضاء الأسرة الفاطمية سناً، ولم نعد نسمع شيئاً عن الطيب بعد ذلك. وبعد فترة تشويش قصيرة في التاريخ الفاطمي، أي عندما جرى استبدال الإسماعيلية بالإثني عشرية ديناً رسمياً للدولة الفاطمية من قبل كتيفات ابن الأفضل الذي كان قد تولى الوزارة حديثاً، عاد عبد المجيد وظهر على مسرح الأحداث سنة 526 هـ/ 1132م، حيث أعلن نفسه خليفة وإماماً بلقب الحافظ لدين الله ، وأعيد تبني الإسماعيلية ديناً للدولة ( ابن القلانسي، ص 203، 229، 242 وما بعدها،262 270، 272- 273، 295- 296، 308؛ ابن ظافر، ص 94- 101؛ ابن ميسر، ص 113- 141؛ ابن الدواداري، 6، ص 506- 556؛ مقريزي، اتعاظ، 3، ص 135- 192؛ ابن تغري بردي، 5، ص 237- 287).


وكان الإعلان الشاذ للحافظ إماماً، وهو الذي لم يسبق لوالده أن كان إماماً، قد تسبب بانشقاق رئيسي في الإسماعيلية المستعلية. وكما كان الأمر في حالة الانقسام النزاري – المستعلي، فقد صادق مقر قيادة الدعوة المستعلية في القاهرة على إمامة الحافظ، الذي زعم بأن الآمر كان قد نصّ عليه شخصياً (انظر القلقشندى، 9، ص 291- 297). ولذلك، فقد اعترف بإمامته الإسماعيليون المستعليون في مصر وسورية إضافة إلى قسم من المستعليين اليمنيين. وأصبح هؤلاء الإسماعيليون الذين اعترفوا بالحافظ والخلفاء الفاطميين اللاحقين أئمة لهم يُـعرفون بالحافظية. من جهة أخرى، تمسكت ملكة اليمن الصليحية، السيدة، التي سبق لها أن ابتعدت عن القاهرة، بقضية الطيب واعترفت به خليفة للآمر في الإمامة. وكانت النتيجة أن اعترفت الجماعة المستعلية في الدولة الصليحية بإمامة الطيب أيضاً. وما لبث أولئك الإسماعيليون المستعليون في اليمن، مع بعض المجموعات الثانوية في مصر وسورية، الذين عُـرفوا بداية بالآمرية، أن أصبحوا يسمون بالطيبية. واختفت الإسماعيلية الحافظية تماماً بعد سقوط السلالة والخلافة الفاطمية بفترة قصيرة. وكان صلاح الدين الأيوبي، آخر الوزراء الفاطميين، قد وضع حداً للحكم الفاطمي في العام 567 هـ/ 1171م، وصار يضطهد الإسماعيليين المصريين عقب ذلك. ومنذ تلك الفترة، لم تبق الإسماعيلية المستعلية إلا في صورتها الطيبية فحسب ( كازانوفا، ص 415- 445؛ شتيرن، 1951، ص 193- 255؛ دفتري، 1999، ص 256- 284).


ووجدت الإسماعيلية الطيبية حصناً دائماً لها في اليمن، حيث تلقت دعماً أولياً من الملكة الصليحية السيدة التي كانت ترعى شؤون الدعوة المستعلية هناك بمساعدة الداعي لمك بن مالك حمادي ثم من ابنه يحيى( ت 520هـ/ 1126م). وبعد عام 526 هـ/ 1132م بفترة قصيرة، قامت الملكة الصليحية بقطع علاقاتها مع القاهرة وأعلنت خليفة يحيى، ذؤيب بن موسى، داعياً مطلقاً ليتولى شؤون الدعوة المستعلية الطيبية نيابة عن الطيب الذي كان يُعتـقد أنه قد استتر. وشكل ذلك علامة على تأسيس الدعوة الطيبية بصورة مستقلة عن الدولة الصليحية. وبوفاة ذؤيب في العام 546 هـ/ 1151م، تولى إبراهيم حامدي رئاسة الدعوة الطيبية بصفته داعياً مطلقاً ثانياً. وانتشرت الدعوة الطيبية بنجاح في منطقة حراز مع أنها لم تلق تأييداً من أي من الحكام اليمنيين بعد وفاة الملكة الصليحية سنة 532 هـ/ 1138م. وبعد إبراهيم حامدي (ت 557 هـ/ 1162م)، بقي منصب الداعي المطلق وراثياً في ذريته حتى العام 605 هـ/ 1209م عندما انتقل إلى علي بن محمد الوليد من أسرة بني الوليد الأنف القرشية، ثم بقي في تلك الأسرة بعد ذلك، مع انقطاعات ثانوية، حتى العام 946 هـ/ 1539م. ويعتقد الإسماعيليون الطيبيون أنه في فترة الستر الحالية، التي ابتدأت باستتار الطيب نفسه، فإن الإمامة قد تم تداولها بين أفراد ذريته حتى الزمن الحاضر. وقد بقي جميع أولئك الأئمة مستورين حيث تولى الدعاة المطلقون، في ظل غيابهم، قيادة شؤون الدعوة والجماعة الطيبية( همداني، 1970، ص 279وما بعدها؛ دفتري، 1990، ص 285- 291؛ ـــ ـــ، " السيدة الحرة: ملكة اليمن الصليحية الإسماعيلية،" في ج . ر. ج هامبلي، مح.، المرأة في العالم الإسلامي من العصر الوسيط، نيويورك، 1998، ص 117- 130).


في المجال العقائدي، تمسك الطيبيون بالتقاليد الفاطمية واحتفظوا بجزء هام من النصوص الإسماعيلية من الفترة الفاطمية. وأكدوا، بصورة مشابهة للفاطميين، الأهمية المتساوية لجانبي الظاهر والباطن للدين إلى جانب تمسكهم بالاهتمام الأقدم عهداً للإسماعيليين بالتاريخ الدوري والكوزمولوجية التي صارت أساساً لنظام الحقائق الباطني العرفاني لفكرهم الديني المتميز بموضوعاته الإيسكاتولوجية. وكان إبراهيم الحامدي هو من أسس عموماً هذا النظام الذي اعتمد فيه كثيراً على راحة العقل للكرماني حيث مزج ما بين عقيدته الكوزمولوجية في العقول العشرة المنفصلة والعناصر الميثولوجية العرفانية (انظر حامدي، كنز الولد ). وقد مثّـل ذلك التعديل الأخير للكوزمولوجية الأفلاطونية المحدثة في الفكر الإسماعيلي ( كوربان، 1983، ص 37- 58، 65 وما بعدها، 76 وما بعدها، 103 وما بعدها؛ دفتري، 1990، ص 291- 297 ). لقد بنى تنظيم الدعوة الطيبية على الأسبقيات الفاطمية مع تعديلات معينة. فكان الداعي المطلق يعين خلفه بموجب أحكام النص تمثلاً بما كان يجري في حالة الأئمة. كما لقي الداعي المطلق في تسيير شؤون الدعوة الطيبية عموماً مساعدة من عدد من الدعاة المساعدين الذين أطلق عليهم تسميات كالمأذون والمكاسر. في غضون ذلك، تمسك الدعاة المطلقون الطيبيون بعلاقات وثيقة مع الجماعة الطيبية في غربي الهند. وكان المستجيبون الإسماعيليون، الذين كانوا من أصل هندوسي في معظمهم، يسمون هناك بالبهرة، وهو اسم كان يعتقد أنه مشتق من مصطلح فوهورو الكجراتي، الذي يعني " يتاجر،"لأن الدعوة انتشرت في الأصل بين الجماعة التجارية لكجرات. وتعرض الإسماعيليون البهرة في كجرات للاضطهاد في ظل سلاطين المنطقة السنة منذ عام 793 هـ/ 1391م، الأمر الذي أجبرهم على تبني التقية في ثوب من السنية. ومع تأسيس الحكم المغولي سنة 980 هـ/ 1572م، بدأ البهرة، على كل حال، بالتمتع بدرجة معينة من الحرية الدينية، وتوقف التحول إلى الإسلام السني.


وبوفاة الداعي المطلق السادس والعشرين، داؤد بن عجبشاه، سنة 997 هـ/1589م، جرى نزاع على خلافته أدى إلى الانقسام الداؤدي – السليماني في الجماعة الطيبية ودعوتها. فاعترفت الغالبية العظمى للطيبيين المقيمين في الهند آنئذٍ، بداؤد برهان الدين ( ت 1021 هـ/ 1612م) داعية جديداً لهم وأصبحوا يعرفون بالداؤديين. وأيد القضية الداؤدية عدد قليل من اليمنيين أيضاً. بينما اعترفت أقلية من الجماعة الطيبية، وهم الذين شكلوا جلّ الجماعة اليمنية، من جهة أخرى، بسليمان بن حسن (ت 1005هـ/1597م) باعتباره داعيتهم السابع والعشرين الجديد لهم وأصبحوا يعرفون بالسليمانيين. ومنذ تلك الفترة، اتبع الداؤديون والسليمانيون خطين منفصلين من الدعاة. وفي حين واصل الدعاة الداؤديون الإقامة في الهند، فإن الدعاة السليمانيين أسسوا مقراً لقيادة دعوتهم في اليمن (محمد علي، موسم بهار، 3، ص 169 – 259؛ ميسرة، ص 27 – 31؛ دفتري، 1990، ص 299 – 306). وانقسم البهرة الداؤديون في الهند وتفرعوا أكثر، عقب ذلك، بسبب تحديات دورية واجهت سلطة دعاتهم المطلقين.


وفي سنة 1200 هـ/1785م، تم تحويل مقر قيادة الدعوة الداؤدية إلى سورات، حيث أسس الداعي الثالث والأربعون، عبد علي سيف الدين ( 1213- 1232هـ/ 1798- 1817م)، مدرسة خاصة عرفت باسم دار سيفي، وجامعة سيفيه لتوفير التعليم لعلماء الجماعة الداؤدية وموظفيها. وقد استمرت هذه المدرسة تخدم، بمكتبتها الضخمة، كمؤسسة للتعليم الإسلامي التقليدي للبهرة الداؤديين. ومنذ 1232هـ/1817م، بقي منصب الداعي المطلق للطيبيين الداؤديين متداولاً بين ذرية الشيخ جيوانجي أورانجباد، في حين شهدت الجماعة مشاحنات وأزمات تجذرت في معارضة سلطة الدعاة. والداعي المطلق الحالي للدعوة الداؤدية، سيدنا برهان الدين، تولى منصبه باعتباره الداعية الثاني والخمسين في السلسلة في العام 1385هـ/1965م. ويقدر العدد الكلي للسكان الداؤديين في العالم اليوم (2002) بحوالي 900.000، يقيمون في جنوب آسية بشكل أساسي. ومنذ عشرينيات القرن العشرين (1920)، أصبحت بومباي، التي تضم أكبر تركيز واحد للبهرة الداؤديين، المقر الإداري الدائم للداعي المطلق الداؤدي. وكان البهرة الطيبيون، هم والخوجا النزاريون، من بين الجماعات الآسيوية الأوائل التي استقرت، خلال القرن التاسع عشر وفيما بعد ذلك، في شرق إفريقية ( أميجي، 1969، ص 141- 181؛ ــ ــ، 1975، ص 27- 61).


وفي اليمن، بقيت قيادة الطيبيين السليمانيين وراثية في أسرة المكرمي نفسها منذ 1088هـ/1677م، ما عدا فترات انقطاع قليلة. وخلافاً للداؤديين، لم يشهد السليمانيون نزاعات وانقسامات بسبب الوراثة. وكان الدعاة السليمانيون قد أقاموا مقر قيادتهم في نجران، في شمال شرق اليمن، وحكموا تلك المنطقة بدعم عسكري من قبائل بني يام المحلية. وفي القرن العشرين، تعرض الدور السياسي البارز للدعاة السليمانيين لمزيد من التحجيم على يدي الأسرة السعودية، بعد أن سبق للعثمانيين القيام بذلك قبل فترة. وكانت نجران قد ضُمت، في الحقيقة، إلى العربية السعودية في العام 1353هـ/ 1934م. ويعيش الداعي المطلق الحالي للسليمانيين، التاسع والأربعون في السلسلة، سيدنا شرفي حسين مكرمي، الذي تولى منصبه في العام 1396هـ/1976م، في العربية السعودية. ويقدر العدد الحالي للإسماعيليين الطيبيين السليمانيين في اليمن بحوالي 70.000 شخص. أما في الهند، فيمثل البهرة السليمانيون جماعة صغيرة جداً تضم عدة آلاف ( دفتري، 1990، ص 318- 323).


الإسماعيلية النزارية من فترة ألموت


كان حسن الصباح، الذي بشـّر بالدعوة الإسماعيلية داخل أراضي السلاجقة في فارس باسم الفاطميين، قد برز بحلول عام 487هـ/1094م باعتباره زعيماً للإسماعيليين الفرس. وقد سبق له أن اتبع سياسة مستقلة، وشكل استيلاؤه على الحصن الجبلي لألموت سنة 483هـ/1090م علامة على بدء ثورة معلنة ضد الأتراك السلاجقة وتأسيس ما كان سيصبح بالدولة الإسماعيلية النزارية. ولم يكن في مقدور حسن الصباح التساهل، وهو الإسماعيلي الشيعي، أمام سياسات السلاجقة المناوئة للشيعية، الذين كانوا يهدفون، باعتبارهم الأبطال الجدد للإسلام السني، إلى اقتلاع الفاطميين. وكانت ثورة حسن تعبيراً عن مشاعر"قومية" فارسية أيضاً لأن حكم الأتراك السلاجقة الغريب كان ممقوتاً بشدة من الفرس من مختلف الطبقات الاجتماعية. وهذا قد يفسر قيامه باستبدال العربية بالفارسية لغة دينية للإسماعيليين الفرس ( انظر دفتري، " حسن الصباح وأصول الحركة الإسماعيلية النزارية،" في دفتري، مح.، 1996، ص 181- 204). وكان في مثل هذه الظروف أن أقدم حسن الصباح على تأييد قضية نزار ، خلال النزاع على خلافة المستنصر، وقطع علاقاته بالنظام الفاطمي ومقر قيادة الدعوة في القاهرة الذين أيدوا المستعلي. بهذا القرار، كان حسن قد أسس الدعوة الإسماعيلية النزارية المستقلة باسم الإمام النزاري. وبنتيجة هذا القرار، بقيت الدعوة النزارية وعاشت بعد سقوط السلالة الفاطمية الحاكمة، وهو نموذج مشابه للمصير اللاحق للدعوة الطيبية في اليمن ( جويني، 3، ص 186- 216؛ ت. بويل، 2، ص 666- 683؛ رشيد الدين، ص 97- 137؛ كاشاني، ص 133- 172؛ هدجسون، 1955، ص 41- 98؛ دفتري، 1990، ص 324- 371).



وسرعان ما اكتسبت ثورة الإسماعيليين الفرس نموذجاً وطريقة في الصراع كانت ملائمة للبنية اللامركزية لسلطة السلطنة السلجوقية ولقوتهم العسكرية المتفوقة جداً. وصمم حسن إستراتيجية تهدف لاكتساح السلاجقة موضعاً بعد موضع انطلاقاً من جملة من الحصون الجبلية المنيعة. ولم يكشف حسن الصباح اسم متولي الإمامة النزاري في تلك الفترة. بل إن دليل النقود يظهر بأن اسم نزار نفسه قد نـُقش على النقود المسكوكة في ألموت حتى حوالي سبعين سنة بعد وفاته في العام 488هـ/1095م، في حين جرى التسليم والدعاء لذريته بلا تحديد ( مايلز، ص 155- 162). وهكذا تـُرك الإسماعيليون الأوائل من غير إمام ظاهر يتصلون به فيما عُرف بأنه دور ستر آخر، حيث تم تمثيل الإمام الغائب في الجماعة، وكما كان الحال في فترة الستر ما قبل الفاطمية، من قبل حجة، أو كبير الممثلين. وكان حسن وخليفتاه التاليان في رئاسة الدعوة والدولة النزارية في ألموت قد تم الاعتراف بهم بهذه الصفة (حجـة) ( هفت باب بابا سيدنا، ص 21- 22؛ أبو اسق قوهستاني، النص، ص 23). ويبدو أن العديد من النزاريين قد سبق واعتقدوا، منذ زمن حسن الصباح، بأن ابناً أو حفيداً لنزار جرى إحضاره سراً من مصر إلى فارس، حيث أصبح جداً لخط الأئمة النزاريين الذين ظهروا في ألموت في وقت لاحق ( جويني، 3، ص 180- 181، 231- 237؛ تر. بويل، 2، ص 663، 691- 695؛ رشيد الدين، ص 79، 166- 168؛ كاشاني، ص 115، 202- 204).


ومنذ وقت مبكر في فترة ألموت، تولد الانطباع لدى الغرباء بأن الإسماعيليين الفرس قد ابتدؤوا " دعوة جديدة" مقابل " الدعوة القديمة" من الأزمنة الفاطمية. غير أن " الدعوة الجديدة" لم تمثل أية عقائد جديدة، ولم تكن سوى مجرد إعادة صياغة لعقيدة التعليم الشيعية القديمة، أي التعليم المسؤول للإمام. وكان حسن الصباح نفسه هو من أعاد القول بهذه العقيدة في رسالة كلامية بعنوان الفصول الأربعة. ولم تحفظ هذه الرسالة التي كتبت بالفارسية أصلاً إلا في صورة أقسام فحسب ( انظر شهرستاني، ص 150- 152؛ تر. جيماريت ومونـّوت، 1، ص 560- 565؛ جويني، 3، ص 195- 199؛تر. بويل،2، ص 671- 673؛ رشيد الدين، ص 105- 107؛ كاشاني، ص 142- 143؛ هدجسون، 1955، ص 51- 61، 325- 328). وأصبحت عقيدة التعليم، التي أكدت على السلطة التعليمية المستقلة لكل إمام في عصره، العقيدة المركزية للنزاريين الذين أطلق عليهم، منذ تلك الفترة، اسم التعليمية. إن عقيدة التعليم، التي نقضت أيضاً شرعية الخليفة العباسي باعتباره الناطق الروحي باسم جميع المسلمين، قد فرضت على المؤسسة السنية تحدياً فكرياً استدعى قيام ردة فعل من جانب أهل السنة. فقام العديد من علماء الدين السنة، بقيادة الغزالي، بمهاجمة عقيدة التعليم ( انظر غزالي، فضائح الباطنية، تح. ع. بدوي، القاهرة، 1964؛ ميثا، ص 28- 102).


وبحلول عام 489هـ/1096م، عندما تم الاستيلاء على قلعة لامسار، كان حسن قد كسب أو ابتنى الكثير من الحصون الجبلية في رودبار، معقل السلطة النزارية. وتوصل الإسماعيليون، في الوقت نفسه، إلى امتلاك شبكة من القلاع والعديد من البلدات في قوهستان، في جنوب شرق خراسان، التي بقيت ثاني أهم بقعة أراضي في الدولة النزارية. واستولى النزاريون في وقت لاحق على جيردكوه وقلاع أخرى في مناطق قوميس وأرّاجان وزاغروس. وكان حسن قد بدأ، مع السنوات الافتتاحية للقرن السادس/الثاني عشر، بمدّ أنشطته إلى سورية بواسطة دعاة من الفرس كان يرسلهم من ألموت. وبدنو السنوات الأخيرة من حياة حسن الصباح، فقدت ثورة النزاريين الفرس ضد السلاجقة الكثير من زخمها وفاعليتها، بصورة تشبه كثيراً فشل السلاجقة في ظل بركياروق ومحمد تبر في حملاتهم العسكرية التي استطالت زمنياً بهدف اجتثاث النزاريين الفرس من قلاعهم. ودخلت العلاقات السلجوقية- الإسماعيلية في تلك الفترة طوراً جديداً من " الجمود المستحكم "( دفتري، 1990، ص 340- 344، 361- 365؛ هيلينبراند، ص 205- 220).


وبعد وفاة حسن الصباح في العام 518هـ/1124م، جاء بعده كيا بزورك- أوميد رئيساً للدولة والدعوة النزارية. وتمسك بزورك- أوميد( 518- 532هـ/ 1124- 1138م)، الذي كان، مثل سلفه، إدارياً قديراً، بسياسات حسن فوسّـع رقعة الدولة النزارية وزاد في قوتها. وتواصلت فترة الجمود المستحكم في العلاقات السلجوقية الإسماعيلية طوال فترة حكم محمد بن بزورك- أوميد المديدة (532- 557هـ/1138- 1162م)، الذي حكم بصفته سيد ألموت الثالث ( جويني، 3، ص 216- 222؛ تر. بويل، 2، ص683- 686؛ رشيد الدين، ص 137- 161؛ كاشاني، ص 172- 199؛ دفتري، 1990، ص 371- 399). وبحلول ذلك الوقت، كانت الدولة النزارية قد اكتسبت بنيتها الإدارية المميزة. فقد تم وضع كل منطقة نزارية تحت القيادة الكلية لداعي رئيسي تعينه ألموت؛ قد عُرف قائد النزاريين القوهستانيين باسم المحتشم. وتمتع أولئك الدعاة وقادة الحصون الرئيسية بدرجة كبيرة من الاستقلالية والمبادرة المحلية، وهو ما شكل مساهمة في حيوية الحركة النزارية ومرونتها. وبما أن النزاريين كانوا منشغلين بصراعاتهم وأمر بقائهم في بيئة شديدة العداء، فقد أنتجوا قادة عسكريين أكثر مما أنتجوه من علماء دين من صنف ما كان موجوداً في ظل الفاطميين. وأدى ذلك بالتالي إلى أن النشاطات الأدبية للنزاريين كانت محدودة إلى حد ما خلال فترة ألموت. ومع ذلك، فقد تمسك النزاريون الأوائل بوجهة نظر وتقليد أدبي متطور، وفصّـلوا في تعاليمهم وفقاً لظروفهم المتغيرة. ويعود الفضل في إنشاء مكتبة عظيمة في ألموت إلى حسن الصباح نفسه. وجرى في وقت لاحق تزويد قلاع رئيسية أخرى في فارس وسورية أيضاً بمجموعات هامة من المخطوطات والوثائق والمعدات العلمية. وقد اعترف النزاريون، الذين توحدوا بثبات يحكمهم إحساس رائع بالمهمة، بالقيادة العليا لألموت وخضعوا دون أي انشقاق لسياساتها الدينية الصادرة عن حجج الإمام النزاري في البداية، ثم عن الأئمة أنفسهم فيما بعد. في غضون ذلك، كان النزاريون يتوقعون بشغف ظهور إمامهم الذي بقي محتجباً منذ مقتل نزار في العام 488هـ/1095م.


تولى سيد ألموت الرابع، الإمام حسن الثاني، الذي يشير إليه النزاريون بلقب على ذكره السلام، القيادة في العام 557هـ/1162م، وبعد ذلك بفترة قصيرة أعلن القيامة مبتدئاًً طوراً جديداً في التاريخ الديني للنزاريين الأوائل. ففي 17 رمضان من عام 559هـ/ 8 آب 1164، وبحضور ممثلين عن مختلف الجماعات النزارية الذين تجمعوا في ألموت، ألقى خطبة أعلن فيها القيامة، اليوم الآخر الذي طال انتظاره. وبعد ذلك بحوالي شهرين، أقيم احتفال مماثل في قلعة مؤمن آباد، قرب بيرجند، جرى فيه تلاوة الخطبة والرسالة السابقة من قبل الرئيس مظفر، المحتشم في قوهستان. وهناك، جرى بكل وضوح موازنة مركز حسن الثاني بمركز الإمام المستنصر باعتباره خليفة الله على الأرض، زاعماً بصورة ضمنية مكانة الإمام لسيد ألموت ( جويني، 3، ص 222- 239؛ تر. بويل، 2، ص 686- 697؛ رشيد الدين، ص 162- 170؛ كاشاني، ص 199- 208؛ أبو اسحق قوهستاني، النص، ص 19، 24، 38- 39، 40- 44، 46- 47، 53، 58، تر. ص 19، 23، 38، 40- 44، 46- 47، 53- 54، 58؛ هدجسون، 1955، ص 146- 159؛ لويس، 1967، ص 70- 75؛ دفتري، 1990، ص 385- 391).


واعتمد الإمام حسن الثاني اعتماداً كبيراً على التأويل الإسماعيلي والتقاليد الأقدم عهداً لتفسير القيامة للنزاريين بصورة رمزية وروحانية. وطبقاً لذلك، فإن القيامة لم تكن لتعني أكثر من ظهور الحقيقة المكشوفة في شخص الإمام النزاري؛ لقد كانت قيامة روحانية للنزاريين الذين اعترفوا بإمام الزمان صاحب الحق فحسب، وأصبحوا الآن قادرين على فهم الحقيقة، الجوهر الباطني للإسلام. وكان بهذا المعنى أن تحققت الجنة للنزاريين في هذا العالم. فكان على النزاريين في تلك الآونة، وكما كان الحال مع المتصوفة، الارتقاء إلى المستوى الروحاني من الوجود، أي من الظاهر إلى الباطن، ومن الشريعة إلى الحقيقة، أو من التفسير الحرفي للشريعة إلى فهم جوهرها الروحاني وحقائقها الخالدة. أما "الغرباء"، أولئك الذين كانوا عاجزين عن إدراك الحقيقة من غير النزاريين، فقد صُـنفوا، من جهة أخرى، على أنهم في العدم روحانياً. والإمام الذي يعلن القيامة سيكون قائم القيامة، وهي مرتبة كانت أعلى دائماً في الهرمية الدينية الإسماعيلية من مرتبة الإمام العادي.


وكرس الإمام نور الدين محمد، ابن الإمام حسن الثاني وخليفته، فترة حكمه الطويلة ( 561- 607هـ/ 1166- 1210م) لمعالجة عقائدية منتظمة للقيامة. وأصبح أمر إعلاء شأن السلطة التعليمية المستقلة للإمام النزاري الحاضر أحد الخصائص المركزية للفكر النزاري في تلك الفترة؛ وأصبحت القيامة تتضمن تحولاً شخصياً تاماً للنزاريين الذين كان ينتظر منهم إدراك الإمام في حقيقته الروحانية الصحيحة. كما جعل الإمام نور الدين محمد كل إمام قائماً بالقوة، قادراً على تدشين حقبة القيامة. ولن تكون ثمة حاجة في عالم القيامة الروحاني لمراتب الدعوة التي تتدخل بين الإمام- القائم وبين أتباعه. ولن يتبقى بعد ذلك سوى ثلاث طبقات من الأشخاص يعكسون مختلف مستويات الوجود من جهة علاقتها بالإمام النزاري. فهناك "أهل التضاد"، وهم من غير النزاريين الذين هم في العدم روحانياً ولا يوجدون إلا في عالم الظاهر. ثانياً هناك الأتباع العاديون للإمام النزاري، أهل الترتب، الذين تغلغلوا في الشريعة حتى وصلوا إلى معناها الباطني. وأخيراً هناك "أهل الوحدة"، وهم النخبة المتفوقة من النزاريين، أو خاصة الخاصة، الذين فهموا الإمام بحقيقته الروحانية الصحيحة باعتباره مظهراً لكلمة الله ( الطوسي، روضة، النص، ص 104- 105، 112، تر. ص 119، 128- 129؛ ـــ ـــ، سير، النص، ص 17- 18111ن تر. ص 47- 48)؛ وهم يصلون فقط إلى عالم الحقيقة بمعنى الباطن خلف الباطن، حيث يجدون الحقيقة كاملة، ويستمتعون، بهذا الشكل، بنجاة كاملة تتحقق لهم فيها الحالة الفردوسية في هذا العالم. ويبدو أن حالة أهل الوحدة ذات الامتيازات لم تكن متاحة إلا للقلة فحسب. وشدد الإمام نور الدين محمد بوضوح أيضاً على النسب النزاري الفاطمي لوالده، وبالتالي لنفسه، حيث شرح أن الإمام حسن الثاني كان في الواقع إماماً ابن سليل للإمام نزار بن المستنصر كان قد وجد ملجأ له في ألموت. ومنذ تلك الفترة، اعترف النزاريون بسادة ألموت، بدءاً بحسن الثاني، أئمة لهم ( هفت باب بابا سيدنا‘ ص 4- 42؛ تر. هدجسون، فرقة الحشاشين، ص 279- 324؛ طوسي، روضة، النص، ص 42، 44- 45، 47- 56، 98- 99، 101- 102، تر. ص 46- 47، 49- 50، 52- 63، 111- 112، 115- 116؛ جويني، 3، 240- 242؛ تر. بويل، 2، ص 697- 699؛ رشيد الدين، ص 170- 173؛ كاشاني، ص 208- 214؛ هدجسون، 1955، ص 160- 184، 210- 217).


في غضون ذلك، كان النزاريون السوريون قد دخلوا في طور هام من تاريخهم في ظل قيادة راشد الدبن سنان، أعظم قادتهم الذي عيّـنه الإمام حسن الثاني داعي دعاة لسورية بعد فترة قصيرة من توليته هو نفسه سنة557هـ/ 1162م. وعمل سنان على إعادة تنظيم الدعوة النزارية السورية وتقويتها وتوطيد شبكة قلاعها في جبل البهراء وسط سورية. وأقدم، من أجل حماية جماعته، على الدخول في تحالفات متشابكة ومتحولة مع القوى والحكام الرئيسيين المجاورين، ولا سيما مع الصليبيين والزنكيين وصلاح الدين. وقد درّس سنان نسخته الخاصة من عقيدة القيامة، التي لم تحقق لنفسها جذوراً عميقة في الجماعة النزارية السورية. وتمكن سنان، وهو الوحيد من بين الدعاة السوريين الذين عملوا بصورة مستقلة نوعاً ما عن ألموت، من قيادة النزاريين السوريين لثلاثة عقود من الزمن تقريباً وأوصلهم إلى ذروة قوتهم وشهرتهم حتى وفاته في العام 589هـ/ 1193م ( أبو فراس شهاب الدين المينقي، فصـل، في غويارد، ص 387- 489؛ ب.لويس،" سيرة كمال الدين لراشد الدين سنان،" أرابيكا، 13، 1966، 225- 267؛ ـــ ـــ، 1967، ص 110- 118؛ هدجسون، 1955، ص 185- 209؛ ميرزا، ص 22- 39؛ دفتري، 1994، ص 67- 74، 94 وما بعدها).


أما الإمام جلال الدين حسن ( 607- 618هـ/ 1210- 1221/)، ابن الإمام نور الدين محمد وخليفته، فقد أعلن سياسته الدينية الخاصة الجريئة التي هدفت إلى معالجة خلل عزلة النزاريين عن عالم الإسلام السني الأوسع. فنقض، بالتالي، عقيدة القيامة علناً وأمر أتباعه بتطبيق الشريعة في صورتها السنية واستدعى فقهاء من أهل السنة لتثقيف شعبه بذلك. وبالفعل، فقد بذل الإمام جلال الدين حسن جلّ ما يستطيع لإقناع العالم الخارجي بسياسته الجديدة. وفي العام 608هـ/ 1211م، اعترف الخليفة العباسي الناصر بعودة العلاقة بين الإمام النزاري والإسلام السني وأصدر مرسوماً لهذه الغاية. ومنذ تلك الفترة جرى الاعتراف رسمياً بحقوق جلال الدين حسن في أراضي النزاريين من قبل كلٍ من الخليفة العباسي والخوارزمشاهات، الذين كانوا يؤسسون إمبراطوريتهم الخاصة في فارس باعتبارهم خلفاء للسلاجقة، ومن بقية الحكام السنة الآخرين. وقد تقبّـل النزاريون توجيهات إمامهم الجديدة دون أي اعتراض. ومن الواضح أنهم نظروا إلى تصريحات جلال الدين حسن وإعلاناته على أنها إعادة فرض للتقية، التي سبق أن رُفعت زمن القيامة؛ وهكذا، فإن الالتزام بالتقية قد يعني ضمناً أي نوع من المواءمة مع العالم الخارجي وفقاً للضرورة التي يقدرها الإمام المعصوم. وكائناً ما يكون الأمر، فقد نجح الإمام النزاري في تلك الفترة في تحقيق السلام والأمن لدولته وجماعته ( جويني، 3، ص 243- 249؛ تر. بويل، 2، ص 699- 704؛ رشيد الدين، ص 174- 178؛ كاشاني، ص 214- 217؛ هدجسون، 1955، ص 217- 225؛ دفتري، 1990، ص 404- 407).


وفي ظل الإمام علاء الدين محمد ( 618- 653هـ/ 1221- 1255م)، ابن الإمام جلال الدين حسن وخليفته باعتباره سيد ألموت ما قبل الأخير، حدث تراخ ٍ تدريجي في تطبيق الشريعة السنية ضمن الجماعة قابله إحياء في التقاليد النزارية المرتبطة بالقيامة على الرغم من مواصلة النزاريين الظهور للغرباء بثوب سني. كما بذلت القيادة النزارية في تلك الفترة جهداً مستداماً لشرح الإعلانات العقائدية والسياسات الدينية المختلفة لسادة ألموت. لقد تم تفسير هذه التعاليم كلها بشمولية ضمن إطار ديني متماسك بهدف توفير إيضاحات مرضية لسياسات تبنتها ألموت بدت متناقضة. ولا شك في أن الحياة الفكرية قد ازدهرت خلال فترة حكم الإمام علاء الدين محمد الطويلة، حيث تلقت زخماً خاصاً من تدفق العلماء الغرباء، الذين فروا من موجات الغزو المغولي الأولى والتجؤوا إلى جماعات القلاع النزارية. والأسبق من بين مثل هؤلاء العلماء الذين استفادوا من مكتبات النزاريين ومن رعايتهم للعلم، كان نصير الدين الطوسي، الذي قدم مساهمات رئيسية إلى الفكر الإسماعيلي النزاري من فترة ألموت المتأخرة، وذلك خلال العقود الثلاثة التي أمضاها بينهم في قوهستان ورودبار.


وكان من خلال كتابات الطوسي الإسماعيلية الباقية بشكل رئيسي، ولا سيما كتابه روضة التسليم، أن توفر لدينا عرض للفكر النزاري من فترة ألموت بالصورة التي تطور فيها خلال فترة القيامة وفي أعقابها. وقد شرح الطوسي أن القيامة لم تكن بالضرورة الحدث الإيسكاتولوجية النهائي، وإنما حالة مؤقتة من الحياة عندما يجري رفع حجاب التقية من أجل جعل الحقيقة المكشوفة في متناول الطالبين. غير أن القيامة الكاملة، أو قيامة القيامة، فإنها ستبقى متوقعة الحدوث في الدور الحالي من التاريخ عند نهاية الحقبة التي ابتدأها النبي محمد. وكائناً ما يكون الأمر، فإن الاقتران ما بين الشريعة والتقية الذي قالت به تعاليم الإمام حسن الثاني تضميناً، أصبح عند الطوسي، في تلك الفترة، تصريحاً عندما قرن القيامة بالحقيقة. وهكذا، جرى تقديم فرض الإمام جلال الدين حسن للشريعة بصورتها السنية على أنه عودة إلى التقية، وإلى دور جديد من الستر عندما يتم إخفاء الحقيقة مرة أخرى في باطن الدين. إن حالة القيامة يمكن أن تُـمنح، من حيث المبدأ، من قبل أي إمام نزاري حاضر، وفي أي وقت، لأن كل إمام هو إمام قائم بالقوة. وهكذا، فقد عرض الطوسي في تلك الفترة عقيدة جديدة للستر. فالحياة الإنسانية، وفقاً لعرضه الديني المتكامل، يمكن أن تتناوب بين فترات من القيامة، عندما تكون الحقيقة ظاهرة، والستر، عندما تكون مخفية، الأمر الذي يستوجب تطبيق التقية. وبهذا المعنى يكون قد أعطى تعريفاً جديداً لعبارة سـتر جعلها تتضمن إخفاء الحقائق الدينية وحقيقة الإمام الروحانية بدلاً من الانقطاع المادي لشخص الإمام، كما كانت الحال في فترتي ما قبل الفاطميين وألموت المبكرة ( طوسي، روضة، النص، ص 61- 63، 101- 102، 110، 117- 119، 132- 133، 143، 145، 147، التر. ص 67- 69، 115- 116، 126، 136- 138، 154- 155، 173، وفي صفحات أخرى ؛ هدجسون، 1955، ص 225- 238، دفتري، 1990، ص 407- 412). إن تعاليم فترة ألموت المتأخرة قد قرّبت النزاريين من تقاليد باطنية ارتبطت بالصوفية عموماً.


انقلبت تقادير النزاريين بسرعة في فارس عندما وضعهم انهيار إمبراطورية الخوارزميين في مواجهة مباشرة مع المغول الغزاة. إذ ما إن قرر الخان الأكبر مونغكة إكمال الفتوحات المغولية في غربي آسية، حتى حدد الأولوية بتدمير الدولة الإسماعيلية النزارية، وهي مهمة اكتملت مع بعض الصعوبات في العام 654هـ/ 1256م على يدي هولاكو، الذي تولى قيادة الحملة الرئيسية في فارس. وقبل ذلك بفترة قصيرة، أي في العام 653هـ/ 1255م، تولى الإمام ركن الدين خورشاه، الابن الأكبر للإمام علاء الدين محمد، القيادة بعد والده، حيث كان سيحكم لمدة عام واحد فقط باعتباره سيد ألموت الأخير( جويني، 3، ص 259- 278،التر. بويل، 2، ص 712- 725؛ رشيد الدين، ص 185- 195؛ كاشاني، ص 224- 233؛ دفتري، 1990، ص 416 وما بعدها، 421- 430). وانخرط الإمام الشاب في سلسلة من المفاوضات المعقدة والعقيمة بالنتيجة مع هولاكو. وفي 29 شوال 654هـ/ 19تشرين الثاني 1256م، نزل الإمام خورشاه من قلعة ميمون دز في رودبار، بصحبة نصير الدين الطوسي وشخصيات نزارية، واستسلم للمغول. ومع سقوط ألموت، عقب ذلك بشهر واحد، اُختتم مصير الدولة النزارية. وتم هدم ألموت والعديد من القلاع الأخرى. وفي ربيع عام 655هـ/ 1257م، قـُتل الإمام خورشاه نفسه على أيدي حراسه المغول في منغولية، عندما ذهب إلى هناك لمقابلة الخان الأكبر. وكان المغول، بحلول ذلك الوقت، قد نظموا مجازر لأعداد كبيرة من النزاريين الموقوفين تحت حمايتهم. وبعد ذلك بفترة قصيرة، خضعت القلاع النزارية في سورية للمماليك، حيث كانت الكهف آخر ثغر نزاري يسقط هناك في العام 671هـ/ 1273م. غير أنه سُـمح للنزاريين السوريين بالبقاء في أماكن سكنهم التقليدية كرعايا موالين للمماليك ولخلفائهم. وبفقدانهم لشهرتهم السياسية، عاش النزاريون، منذ تلك الفترة، بصورة سرية في جماعات منتشرة كثيرة.



الإسماعيلية النزارية في فترة ما بعد ألموت




كان الإسماعيليون النزاريون الفرس قد تمكنوا من البقاء في أعقاب النكبة المغولية وسقوط دولتهم وقلاعهم. فهاجر كثيرون منهم إلى آسية الوسطى والسند، حيث سبق للجماعات الإسماعيلية أن تواجدت هناك. بينما تعرضت مجموعات معزولة أخرى في فارس للتفكك أو الذوبان بسرعة في الجماعات الدينية المسيطرة في مناطقهم. ولم يعد في الإمكان الوصول إلى تنظيم الدعوة المركزية ولا القيادة المباشرة للأئمة النزاريين. في ظل هذه الظروف، راحت الجماعات النزارية تتطور بصورة مستقلة في الوقت الذي لجأت فيه إلى التزام دقيق في ممارسة التقية وتبني أشكالٍ مختلفة من صور التخفي والاستتار. فأقدمت مجموعات نزارية عديدة في فارس على التخفي في ثوب الإسلام السني. وكانت مجموعة من الشخصيات النزارية قد تمكنت، في غضون ذلك، من إخفاء ابن أصغر لركن الدين خورشاه يدعى شمس الدين محمد، الذي أصبح في تلك الآونة خلفاً لوالده في الإمامة. وتم عقب ذلك نقل الإمام شمس الدين إلى أذربيجان، حيث عاش هو وعدد قليل من خلفائه التاليين في الإمامة بصورة سرية.


وتوفي الإمام شمس الدين، الذي خلطت بعض الروايات الخرافية بينه وبين المرشد الروحي لمولانا جلال الدين الرومي، شمس-ي تبريزي، حوالي سنة 710هـ/ 1310م. وأدّى نزاع غامض على خلافته إلى شق خط الأئمة النزاريين وتابعيتهم إلى فرعي قاسم شاه ومحمد شاه ( أو مؤمن شاه) ( ايفانوف، 1938، ص 57- 79؛ دفتري، 1990، ص 446 وما بعدها،451- 452). وقام أئمة فرع محمد شاه، الذين كان لهم في البداية العدد الأكبر من الأتباع في شمال فارس وآسية الوسطى، بتحويل مقر إقامتهم إلى الهند في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، وبحلول نهاية القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، توقف هذا الخط من الأئمة وانقطع. والنزاريون الوحيدون الباقون من فرع محمد شاه يصل عددهم حالياً إلى حوالي 15000 ويتواجدون في سورية حيث يعرفون محلياً بالجعفرية ( دفتري، 1990، ص 532- 534). أما أئمة فرع قاسم شاه فقد استمروا في البقاء حتى الوقت الحاضر. واشتهر آخر أربعة أئمة من فرع قاسم شاه بلقبهم الوراثي آغاخان. وكان في وقت مبكر من أزمنة ما بعد ألموت أيضاً أن أخفى النزاريون الفرس أنفسهم، كجزء من ممارستهم للتقية، في ثوب الصوفية، من غير إقامة ارتباطات رسمية مع أي من الطرق الصوفية. وسرعان ما حققت هذه الممارسة انتشاراً واسعاً بين نزاريي آسية الوسطى إضافة إلى السند. والظهور الأقدم لهذه الظاهرة نجده في كتابات الشاعر حكيم سعد الدين نزاري قوهستاني (ت 720هـ/ 1320م). فهو أقدم مؤلف نزاري معروف من فترة ما بعد ألموت يستخدم تعابير شعرية ومصطلحات صوفية لستر أفكاره الإسماعيلية، وهو نموذج تبناه فيما بعد العديد من المؤلفين النزاريين في فارس وأفغانستان وآسية الوسطى.


حقق النزاريون في وقت مبكر من أزمنة ما بعد ألموت، التي تمثل الطور الأكثر غموضاً في التاريخ الإسماعيلي، بعض النجاح في إعادة تجميع أنفسهم في الديلم، حيث واصلوا نشاطهم هناك طوال فترتي الإيلخانيين والتيموريين. بل إن شخصاً يقرب اسمه من خداوند محمد (ت 807هـ/ 1404م)، وهو إمام من فرع محمد شاه، احتل ألموت لبعض الوقت قبل أن يجليه عنها سيد علي، الحاكم الزيدي القوي للديلمان. ولم يتبق أحد من النزاريين في منطقة قزوين بعد القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي ( ظهير الدين مرعشي، تاريخ جيلان وديلمستان، تح. م. سُـتودا، طهران 1347س/1968م،ص 52- 68، 69- 70، 76 وما بعدها، 81 وما بعدها،89، 121، 123-130). وكان السلطان محمد بن جهانجير ( ت998هـ/1589م) وولده السلطان جهانجير( ت 1006هـ/ 1597م)، اللذان ينتميان إلى بني اسكندر حكام كوجور، قد اعتنقا الإسماعيلية النزارية ونشراها في الأراضي التابعة لهما؛ وهما يمثلان آخر الإشارات المعروفة في المصادر إلى الإسماعيلية في شمال فارس ( شيخ علي جيلاني، تاريخ مازندران، تح. م.سُـتودا، 1352 س/ 1973، ص 88- 89، 100). إن مجموعات نزارية معزولة قليلة فقط هي التي بقيت في الديلم لفترة أطول قليلاً خلال الفترة الصفوية عندما صارت ألموت تستخدم كسجن. أما في بدخشان والأجزاء الأخرى من آسية الوسطى، فمن الواضح أن الإسماعيليين لم يعترفوا بالإمامة النزارية إلا في الفترة المتأخرة من عصر ألموت كنتيجة لنشاطات الدعاة المرسلين من قوهستان. وقد أسس أولئك الدعاة سلالات محلية من الشيوخ والأمراء الذين حكموا شوغنان ومقاطعات أخرى من بدخشان. وتعرض النزاريون في بدخشان لاضطهاد شديد فيما بعد على أيدي حكام المنطقة من التيموريين والأوزبك.


وكانت العلاقات الإسماعيلية- الصوفية قد أصبحت، بحلول منتصف القرن التاسع هـ/ الخامس عشر م، راسخة في العالم الإيراني بشكل جيد. وبالفعل، فإن نوعاً من الاندماج كان قد ظهر بين الصوفية الفارسية والنزاريين الإسماعيليين، اللذين يمثلان تقليدين باطنيين مستقلين في الإسلام ويشتركان في قواعد عقائدية مشتركة وارتباطات وثيقة. وهذا يفسر سبب نظر النزاريين الناطقين بالفارسية إلى العديد من كبار شعراء الصوفية في فارس، كسنائي والعطار وجلال الدين الرومي، على أنهم أخوة لهم في الدين ( انظر على سبيل المثال، فدائي خراساني، ص 113- 116). كما واصل الإسماعيليون النزاريون في فارس وأفغانستان وآسية الوسطى استعمال بعض الأبيات الشعرية لشعراء متصوفة من العالم الإيراني في احتفالاتهم الدينية. وتبنى الإسماعيليون الفرس المستترون بعض الجوانب الظاهرة من طريقة الحياة الصوفية أيضاً. وهكذا، فقد ظهر الأئمة للغرباء كشيوخ متصوفة في حين تبنى أتباعهم ثوب المريد الصوفي المثالي ( انظر ف.دفتري،" العلاقات الإسماعيلية- الصوفية في فترة ما بعد ألموت المبكرة وفارس الصفوية،" في ل. لويسون ود. مورغان، مح.، تراث الصوفية، اكسفورد، 1999،3 ، ص 275- 289).


وبحلول منتصف القرن 9 هـ/ 15م، ظهر الأئمة النزاريون من فرع قاسم شاه في قرية أنجودان، في وسط فارس، في زي شيوخ متصوفة مبتدئين بذلك ما سمي بنهضة أنجودان في الإسماعيلية النزارية التي استمرت حوالي قرنين من الزمن. ومع عهد الإمام مستنصر بالله الثاني ( ت 885 هـ/ 1480م)، الذي تلقب بالاسم الصوفي شاه قلندر، أصبح أئمة فرع قاسم شاه قائمين بشكل مؤكد في المحلة التي لا تزال تحتفظ بقبورهم.


وبدأ الأئمة بإعادة تنظيم وتنشيط دعوتهم بنجاح من أجل كسب مستجيبين جدداً وإعادة تأكيد سلطتهم على مختلف الجماعات النزارية، مستفيدين من المناخ الديني- السياسي المتغير في فارس، بما في ذلك انتشار الولاء العلوي والميول الشيعية عبر الطرق الصوفية السنية. وكانت هذه الجماعات، ولا سيما تلك التي في أفغانستان وآسية الوسطى والهند، قد أمضت فترات طويلة وهي تحت حكم سلالات وراثية مستقلة من الشيوخ. وفي تلك الفترة، بدأ الأئمة تدريجياً بإحلال دعاتهم الخاصين الموالين ممن كانوا سيرسلون إليهم بالواجبات الدينية بصورة منتظمة، محل أولئك الأشخاص الأقوياء ذوي النزعة الاستقلالية.


وشهدت فترة أنجودان أيضاً إحياءً في الأنشطة الأدبية للنزاريين، ولا سيما في فارس حيث أنتج مؤلفون كأبي اسحق قوهستاني وخيرخواه هراتي أقدم الأعمال العقائدية في فترة ما بعد ألموت. وفي سياق العلاقات النزارية- الصوفية إبان أوائل فترة أنجودان، تتوفر لدينا تفاصيل قيّمة محفوظة في بنديات جوانمردي، الذي يتضمن وصايا دينية للإمام مستنصر بالله الثاني أو لأحد أحفاده. وقد جرت الإشارة إلى النزاريين في هذا الكتاب بتعابير صوفية كأهل الحقيقة بينما سُمي الإمام بالمرشد أو الشيخ. وتبتدئ وصايا الإمام بالتصنيف الصوفي للشريعة- الطريقة- الحقيقة، حيث يصف الحقيقة بأنها باطن الشريعة التي يمكن للمؤمنين تحصيلها من خلال إتباع الطريقة أو الدرب الروحاني. وتشرح البنديات ( النص ص 2- 3، 11، 13، 14، 34- 36، 54- 58، 65- 68 وفي أمكنة أخرى) أكثر، وبشكل منسجم مع تعاليم أزمنة القيامة النزارية الأقدم عهداً، بأن الحقيقة تتكون من معرفة الحقيقة الروحانية لإمام الزمان. وتمسك النزاريون في تلك الفترة بتعاليم فترة ألموت بصورة أساسية، ولا سيما بالشكل الذي تمت صياغتها فيه بعد إعلان القيامة. وحافظ الإمام الحاضر على أهميته المركزية في العقيدة النزارية، وبقيت معرفة حقيقته الروحانية الصحيحة موضع الاهتمام الأولي لأتباعه ( أبو اسحق قوهستاني، النص ص 19- 20، 37- 38، 53- 54، 58، 67- 68، التر.، ص 19- 20، 37- 38، 53- 54، 58، 67- 68؛ خيرخواه، كلام بير، النص ص 46، 72- 73، 86، 95- 96، 100، 114- 116؛ ــــ ــــ، تصنيفات، ص 18 وما بعدها).


وشكل مجيء الصفويين وإعلان الشيعية الاثني عشرية ديناً للدولة في العام 907هـ/ 1501م وعداً بالمزيد من الأجواء الإيجابية لأنشطة النزاريين والجماعات الشيعية الأخرى في فارس. وفي الحقيقة، قام النزاريون في البداية بتخفيف إجراءات ممارساتهم للتقية. غير أن هذا التفاؤل الجديد لم يعش طويلاً باعتبار أن الصفويين وعلماءهم المتعصبين للشريعة سرعان ما راحوا يضطهدون جميع الأشكال الشعبية من الصوفية وتلك الحركات الشيعية التي وقفت خارج حدود الشيعية الاثني عشرية. ونال النزاريون حصتهم من الاضطهاد أيضاً. وكان شاه طاهر حسيني ( ت حوالي 956هـ/1549م)، الذي كان عالماً دينياً متمكناً وأكثر أئمة فرع محمد شاه شهرة، قد تعرض للاضطهاد في عهد الشاه إسماعيل ( 907- 930هـ/ 1501- 1524). واضطر شاه طاهر، الذي لم ترق تابعيته الدينية وشعبيته لا للحاكم الصفوي ولا لعلمائه من الاثني عشريين، للفرار إلى الهند سنة 926هـ/ 1520م والإقامة في دكّـن بصورة دائمة، حيث قدم خدمات جليلة للنظام- شاهيين من أحمدنجر. وجدير بالذكر أن شاه طاهر راح يبشر، منذ وقت مبكر في الهند، بالشيعية الاثني عشرية التي من الواضح أنه تبناها كشكل من أشكال التخفي. وقد حقق أعظم نجاح له في دكّـن عندما أعلن برهان نظام شاه الشيعية الاثني عشرية ديناً رسمياً للدولة، وذلك في العام 944هـ/ 1537م. وكان خلفاء شاه طاهر من أئمة فرع محمد شاه قد واصلوا التزامهم بممارسة التقية في الهند في صورة الشيعية الاثني عشرية بشكل أساسي ( انظر فرشته، تاريخ فرشته، تح.، بريغز، بومباي، 1832، 2، ص 213- 231؛ علي بن عزيز طباطبا، برهان-ى مآثر، حيدر آباد، 1936، ص 251- 270، 274 وما بعدها، 281 وما بعدها، 291، 308، 324- 326، 338- 339، 448- 450، 452- 453، 584؛ دفتري، 1990، ص 487- 491).


في غضون ذلك، قام شاه طهماسب باضطهاد النزاريين في أنجودان من فرع قاسم شاه وأعدم إمامهم السادس والثلاثين، الإمام مراد ميرزا سنة 981هـ/ 1574م. وما لبث النزاريون الفرس أن تبنوا بنجاح، بحلول زمن شاه عباس الأول ( 995- 1038هـ/ 1587- 1629م) الشيعية الاثني عشرية غطاءً ثانياً لهم يستترون خلفه. وربما يكون شاه طاهر أول إمام نزاري يفكر بهذا الشكل الجديد من التقية، التي كانت بحلول ذلك الوقت مطبقة من قبل أئمة فرع قاسم شاه النزاريين وأتباعهم ( انظر دفتري، 1990، ص 471- 474). ومع تصرّم القرن الحادي عشرهـ/ السابع عشر الميلادي، تحول ولاء جلّ النزاريين إلى دعوة فرع قاسم شاه على حساب دعوة فرع محمد شاه. وبرز نجاح الدعوة بشكل خاص في أفغانستان وآسية الوسطى ومناطق أخرى في شبه القارة الهندية. وفي جنوب آسية، أصبح المتحولون الهندوس يعرفون باسم الخوجا، وهي تسمية مشتقة من الكلمة الفارسية خواجا ( نانجي، 1978، ص 50- 83). وطوّر النزاريون الخوجا تقليداً دينياً محلياً عُرف باسم الساتبانث أو "الطريق الصحيح" ( للنجاة)، إضافة إلى أدب تعبدي عُرف باسم الجنان. وبحلول فترة الإمام الأربعين من فرع قاسم شاه، الإمام شاه نزار ( ت 1134هـ/ 1722م)، انتقل مقر هذا الفرع من الدعوة النزارية، الذي مثـّل الفرع الوحيد في فارس، من أنجودان إلى قرية كهك المجاورة، قرب قم ومحلات، وهو حدث وضع حداً لفترة أنجودان في الإسماعيلية النزارية من عصر ما بعد ألموت.


وبحلول منتصف القرن 12هـ/ 18م، أي وسط الظروف المضطربة لفارس عقب انهيار الحكم الصفوي ووقوعها تحت الغزو الأفغاني، انتقل الأئمة النزاريون إلى شهر بابك في كرمان، وهي موضع أقرب إلى طريق الحج للخوجا الذين كانوا يرتحلون بصورة منتظمة من الهند لرؤية إمامهم وليقدموا إليه واجباتهم الدينية. وكان الإمام الرابع والأربعون، الإمام أبو الحسن، المعروف أيضاً باسم الإمام سيد أبي الحسن كهكي، قـد عُـيّـن حوالي سنة 1170هـ/ 1756م حاكماً على مقاطعة كرمان من قبل كريم خان زند، بعد أن كان حاكماً، أو بيكلربيكي، على مدينة كرمان ( وزيري، ص 543- 565). و في زمنه تم إحياء طريقة نعمة الله الصوفية في فارس. وكانت للإمام أبي الحسن علاقات وثيقة بنور علي شاه ومشتاق علي شاه من بين متصوفة آخرين من طريقة نعمة الله في كرمان ( دفتري، 1990، ص 498- 503). وبعد وفاة الإمام أبي الحسن سنة 1206هـ/ 1792م، خلفه في الإمامة النزارية ولده الإمام شاه خليل الله الذي استقر بالنتيجة في مدينة يزد. وقـد قـُتل سنة 1232هـ/ 1817م في هجوم للرعاع على منزله. وجاء بعد شاه خليل الله ولده الأكبر الإمام حسن علي شاه، الذي عيـّنه فتح علي شاه حاكماً على قم ومنحه أراضي في محلات. يضاف إلى ذلك أن الملك القاجاري زوّج إحدى بناته من الإمام الشاب وأنعم عليه باللقب التشريفي آغاخان، الذي يعني السيد أو المالك. وقد بقي هذا اللقب متوارثاً بين خلفاء الإمام حسن علي شاه.


وفي العام 1251هـ/ 1835م، عيّـن محمد شاه قاجار الإمام حسن علي شاه حاكماً على كرمان. غير أن آغاخان الأول، المعروف أيضاً بآغاخان محلاتي، غادر فارس، عقب ذلك، في العام 1257هـ/ 1841م بعد مجابهات استطالت زمنياً بين الإمام والمؤسسة القاجارية الحاكمة. وبعد أن أمضى بعض السنوات في أفغانستان والسند وكجرات وكلكتا، استقرّ في بومباي بصورة دائمة في العام 1265هـ/ 1848م، الأمر الذي آذن بدخول الإسماعيلية النزارية في الفترة الحديثة من تاريخها. وباعتباره زعيماً روحياً لجماعة مسلمة، فقد حظي آغاخان الأول بحماية البريطانيين في الهند. وانخرط الإمام النزاري في تلك الفترة في حملة واسعة تهدف إلى تحديد وتوصيف هوية دينية متميزة لأتباعه من الخوجا. إذ سبق للنزاريين الخوجا أن مارسوا التقية لفترات طويلة من الزمن تحت غطاء السنية والاثني عشرية ، في حين تأثر تراثهم الديني بعناصر هندوسية. وبمساعدة محاكم في الهند، جرى تحديد أتباع آغاخان الأول قانونياً كشيعة إماميين إسماعيليين ( انظر حسن علي شاه، آغاخان، عبرة- أفزا، بومباي، 1278/ 1862، ص 8- 49؛ وزيري، ص 60- 64، 608- 613؛ ألغر، ص 61- 81؛ دفتري، 1990، ص 504- 513).


توفي الآغاخان الأول سنة 1298هـ/ 1881م وخلفه ولده آغا علي شاه، الذي تولى قيادة النزاريين لمدة أربع سنوات فقط ( 1298- 1302هـ/ 1881- 1885م). أما خلف الأخير وولده الوحيد الباقي على قيد الحياة، السير سلطان محمد شاه، آغاخان الثالث، فقد قاد النزاريين لمدة اثنتين وسبعين سنة، وأصبح مشهوراً أيضاً كمصلح ورجل دولة مسلم. وبذل الآغاخان الثالث أيضاً جهوداً منتظمة لجعل هوية أتباعه مستقلة عن الجماعات الدينية الأخرى. وقد جرى تحديد الهوية النزارية في الدساتير الكثيرة التي أصدرها الإمام لأتباعه في مناطق مختلفة، ولا سيما في الهند وباكستان وإفريقية الشرقية. يضاف إلى ذلك، أن الإمام النزاري أصبح معنياً أكثر بسياسات إصلاحية كانت ستصبح ذات فائدة ليس لأتباعه فحسب ولكن لبقية المسلمين أيضاً. وعمل بهمة عالية لتوطيد وإعادة تنظيم النزاريين في جماعة مسلمة ذات مستويات عالية في التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي لكلا الجنسين، الذكور والإناث، إضافة إلى تطوير شبكة جديدة من المجالس لإدارة شؤون جماعته. واحتلت مشاركة المرأة في الشؤون الجماعاتية أولوية عالية في إصلاحات الإمام.


وكانت وفاة الآغاخان الثالث في العام 1376هـ/ 1957م، وجاء بعده حفيده مولانا الإمام الحاضر شاه كريم الحسيني، كما تجري مخاطبته من قبل أتباعه. وقد واصل الإمام الحاضر للنزاريين، التاسع والأربعون في السلسلة، توسيع سياسات التحديث التي لسلفه بدرجة هامة، حيث طوّر الكثير من البرامج والمؤسسات الخاصة به ذات الاهتمام الأوسع بالمسلمين وبلدان العالم الثالث ( دفتري، 1990، ص 518- 532، 537- 548). فقد أوجد شبكة معقدة من المؤسسات التي يُـشار إليها عموماً باسم شبكة الآغاخان للتنمية (AKDN)، والتي تهتم بتطبيق مشروعات في مجالات متنوعة اجتماعية واقتصادية وثقافية. وللأمير كريم آغاخان الرابع، كما يُـعرف عالمياً، مكاتبه الخاصة من السكرتاريا ومقرها قرب باريس. وينتشر الإسماعيليون النزاريون، الذين يعدون بعدة ملايين، كأقليات مسلمة في أكثر من خمس وعشرين دولة في آسية والشرق الأوسط وإفريقية وأوربة وشمال أمريكة.


Bibliography


Primary Sources


Abu Eshaq Quhistani, Haft babinfo-icon, ed. and tr. W. Ivanow, Bombay, 1959.


‘Arib b. Sa‘d Qurtobi, Selat ta’rikh al-Tabari, ed. M. J. de Goeje, Leiden, 1897.


Ash‘ari , Maqalat. Bagdadi, Farq, ed. Badr. Qutbinfo-icon al-Dininfo-icon Sulaymanji Borhanpuri, Montaza‘ al-akbar, ed. S. F. Traboulsi, Beirut, 1999.


Ebn al-Atir. Ebn al-Dawadari, Kanz al-dorar wa jame‘ al-gorar, VI, ed. I. al-Munajjed, Cairo, 1961.


Muhammad b. Hasan Daylami, Bayan madhab al-Bateniya, ed. R. Strothmann, Istanbul, 1939.


Ebn ‘Edari, al-Bayan al-mogreb, ed. G. S. Colin and E. Levi-Provencal, new ed., Leiden, 1948-51.


Ebn Hammad, Akhbar molok Bani ‘Obayd, ed. and tr. M. Vonderheyden, Algiers and Paris 1927.


Ebn Hawshab Mansur al-Yemen, Ketab al-roshd wa’l-hedaya, ed. M. Kamil Husayn, in W. Ivanow, ed., Collectanea I, Leiden, 1948, pp. 185-213; tr. W. Ivanow as ‘The Book of Righteousness and True Guidance” in Ivanow, 1955, pp. 29-59.


Ebn al-Haytham, Ketab al-monazarat, ed. and tr. W. Madelung and P. E. Walker as The Advent of the Fatimidsinfo-icon, London, 2000.


Ebn Moyassir, Akhbar Mesr, ed. A. F. Sayyidinfo-icon, Cairo, 1981.


Ebn al-Nadim, ed. Tajaddod.


Ebn al-Qalanesi, Dayl ta’rikh Demashq, ed. H. F. Amedroz, Leiden, 1908.


Ebn Zafir al-Azdi, Akhbar al-dowwal al-monqate‘a, ed. A. Ferre, Cairo, 1972.


Idris ‘Emad al-Din b. Hasan, ‘Oyun al-akhbar wa fonun al-athar, IV-VI, ed. M. Galib, Beirut, 1973-84.


— —, Rawzat al-akhbar, ed. M. al-‘Akwah, San‘a’, 1995.


— —, Zahr al-ma‘ani, ed. M. Galib, Beirut, 1991.


Muhammad b. Zayn al-‘Abedin Feda’i Khorasani, Ketab hedayat al-mo’minin al-talebin, ed. A. A. Semenov, Moscow, 1959.


Hafiz Abru, Majma‘ al-tawarikh al-sultaniya, qesmat-e kholafa’-i ‘Alawiya-e Maghrebinfo-icon va Mesr va Nezarian va rafiqan, ed. M. Mudarresi Zanjani, 1364 SH/1985.


Haft bab-e Baba Sayyidna, ed. W. Ivanow, in his Two Early Isma‘ili Treatises, Bombay, 1933, pp. 4-44.


H. F. al-Hamdani, ed., On the Genealogy of Fatimid Caliphs, Cairo, 1958.


Ebrahim b. Husayn Bamidi, Ketab kanz al-walad, ed. M. Galib, Wiesbaden, 1971.


Muhammad b. Malik Hammadi Yemeni, Kashf asrar al-bateneya wa akhbar al-Qarameta, ed. M. Zahid Kawtari, Cairo, 1357/1939.


Ja‘far b. Mansur al-Yemen, Ketab al-‘alem wa’l-ghulam, ed. and tr. J. W. Morris as The Master and the Disciple, London, 2001.


— —, Ketab al-Kashf, ed. R. Strothmann, London, etc., 1952.


— —, Sara‘er wa asrar al-notaqa’, ed. M. Galib, Beirut, 1984.


Abu ‘Ali Mansur al-‘Azizi al-Jawdari, Sirat al-ostad Jawdar, ed. M. Kamel Husayn and M. ‘Abd al-Hadi Sha‘ira, Cairo, 1954; French tr. M. Canard as Vie de l’ustadh Jaudhar, Algiers, 1958.


Juvayni, ed. Qazvini ,— — , tr. Boyle. Abu’l-Qasim ‘Abd-Allah Kashani, Zobdat al-tavarikh, bakhsh-i Fatemian wa Nezarian, ed. M. T. Daneshpazuh, 2nd ed., Tehran, 1366 Sh./1987.


H. C. Kay, ed., Yaman, its Early Mediaeval History, London, 1892.


Khayrkhah-i Harati, Fasl dar bayan-e shenakht-e imaminfo-icon, ed. W. Ivanow, 3rd ed., Tehran, 1960; tr. W. Ivanow as On the Recognition of the Imam, 2nd ed., Bombay, 1947.


— —, Kalaminfo-icon-e pirinfo-icon, ed. and tr. W. Ivanow, Bombay, 1935.


— —, Tasnifat, ed. W. Ivanow, Tehran, 1961.


Hamid-al-Din Kermani, Ketab al-riaz, ed. ‘A. Tamer, Beirut, 1960.


— —, Majmu‘at rasa’el, ed. M. Galib, Beirut, 1983.


— —, Rahat al-‘aqlinfo-icon, ed. M. Kamel Hosayn and M. Mustafa Helmi, Leiden and Cairo, 1953.


Isma‘il b. ‘Abd al-Rasulinfo-icon Majdu‘, Fehrest al-kutub wa’l-rasa’el, ed. ‘Ali N. Munzavi, Tehran, 1966.


‘Abd-al-Hakim Maliji, al-Majalisinfo-icon al-Mustansiriya, ed. M. Kamil Husayn, Cairo, 1947.


Taqi al-Din Ahmad b. ‘Ali Maqrizi, Ette‘az al-honafa’, ed. J. al-Sayyal and M. H. M. Ahmad, 3 vols. Cairo, 1967-73.


— —, Ketab al-mawa‘ez wa’l-e‘tebar be-dhekr al-khetat wa’l-athar, Bulaq, 1270/1853-54.


Mas‘udi, Muruj.


— —, Tanbih.


Al-Mo’ayyad fi ’l-Dininfo-icon Shirazi, al-Majalis al-Mo’ayyadiya, I, III, ed. M. Galib, Beirut, 1974-84; I and II, ed. Hamid-al-Din, Bombay, 1395-1407/1975-86.


— —, Sirat al-Mo’ayyad fi’l-Din da‘iinfo-icon al-do‘at, ed. M. Kamil Husayn, Cairo, 1949.


Muhammad ‘Ali b. Molla Jiwabha’i, Mawsem-e bahar fi akhbar al-taherin al-akhyar, 3 vols., Bombay, 1301-11/ 1884-93.


Muhammad b. ‘Obayd Allah Mosabbehi, Akhbar Mesr, ed. A. F. Sayyid et al., Cairo, 1978-84.


Abu Tamim Ma‘add al-Mustansir be’llah, al-Sejellat al-Mustansiriya, ed. ‘A. Majid, Cairo, 1954.


Naser-e Khosraw, Goshayesh wa rahayesh, ed. and tr. F. M. Hunzai as Knowledge and Liberation, London, 1998.


— —, Jame‘ al-hikmatayn, ed. H. Corbin and M. Mo‘in, Tehran and Paris, 1953; tr. I. de Gastines as Le Livre reunissant les deux sagesses, Paris, 1990.


— —, Shesh fasl, ed. and tr. W. Ivanow, Leiden, 1949.


— —,Vajh-e din, ed. G. R. A‘vani, Tehran, 1977.


— —, Zad al-musaferin, ed. Badl-al-Rahman, Berlin, 1341/1923.


S. H. Nasr and M. Aminrazavi, ed., An Anthology of Philosophy in Persia, II, Oxford, 2001.


Nizam-al-Molk, Siar al-moluk (Siasat-nama), ed. H. Darke, 2nd ed., Tehran 1347 SH/1968; tr. H. Darke as The Book of Government or Rules for Kings, 2nd ed., London, 1978.


Ahmad b. Ibrahim Nishaburi, Estetar al-emam, ed. W. Ivanow in Bulletin of the Faculty of Arts, University of Egypt IV, part 2, 1936, pp. 93-107; English tr. in Ivanow, 1942, pp. 157-83.


Ahmad b. ‘Abd al-Wahhab Nowayri, Nehayat al-arab, XXV, ed. M. J. ‘Abd al-A1 al-Hini, Cairo, 1984. Pandiat-e javanmardi, ed. and tr. W. Ivanow, Leiden, 1953.


Shehab al-Din Ahmad Qalqashandi, Sobh al-a‘sha, Cairo, 1331-38/ 1913-20.


Qadiinfo-icon No‘man b. Muhammad, Asasinfo-icon al-ta’wilinfo-icon, ed. ‘A. Tamer, Beirut, 1960.


— —, Da‘a’im al-Islam, ed. A. A. A. Fyzee, Cairo, 1951-61; Eng. tr. A. A. A. Fyzee, revised by I. K. Poonawala, as The Pillars of Islam I, Oxford, 2002.


— —, Iftitah al-da‘wainfo-icon, ed. W. al-Qadi, Beirut 1970.


— —, Kitab al-majalis wa’l-musayarat, ed. al-Habib al-Faqi et al., Beirut, 1978.


— —, Ta’wil al-da‘a’im, ed. M. H. al-A‘zami, 3 vols., Cairo, 1967-72.


Sa‘d b. ‘Abd-Allah Qumi, Kitab al-maqalat wa’l-firaq, ed. M. J. Mashkur, Tehran, 1963.


Rashid al-Din Fazl-Allah, Jame‘ al-tavarikh, qismat-i Isma‘ilian, ed. M. T. Daneshpazuh and M. Mudarresi Zanjani, Tehran, 1338 SH/1959.


Abu Hatim Razi, ‘Alam al-nubuwwainfo-icon, ed. S. al-Sawi and G. R. A‘vani, Tehran, 1977.


— —, Kitab al-islah, ed. H.Minuchehr and M. Muhaghigh, Tehran, 1998.


Shahristani. — —, tr. Gimaret and Monnot. Shihab al-Din Shah-Husayni, Kitabat-i ‘alia, ed. H. Ujaqi, Bombay, 1963.


Abu Yaqub Ishaq b. Ahmad Sijistani, Ethbat al-nubuwwat, ed. ‘A. Tamer, Beirut, 1966.


— —, Kashf al-mahjub, ed. H. Corbin, Tehran and Paris, 1949; French tr. H. Corbin as Le Devoilement des choses cachees, Lagrasse, 1988; Eng. tr. H. Landolt as Unveiling of the Hidden, in S. H. Nasr and M. Aminrazavi, ed., An Anthology of Philosophy in Persia, II, Oxford, 2001, pp. 71-137.


— —, Kitab al-iftikhar, ed. I. K. Poonawala, Beirut, 2000.


— —, Kitab al-yanabi‘, ed. and French tr. H. Corbin, in his Trilogie Ismaelienne, Tehran and Paris, 1961, text pp. 1-97, tr. pp. 1-127; Eng. tr. P. E. Walker as The Book of Well springs, in his The Well springs of Wisdom, Salt Lake City, 1994, pp. 37-111. R. Strothmann, ed., Gnosis Texte der Isma‘iliten, Gottingen, 1943.


Tabari.


— —, tr. Nasir al-Din Muhammad Tusi, Rawzat al-taslim, ed. and tr. W. Ivanow, Leiden, 1950; French tr. C. Jambit as La Convocation d’Alamutinfo-icon, Lagrasse, 1996.


— —, Sayr va soluk, ed. and tr. S. J. Badakhshani as Contemplation and Action, London, 1998.


Ahmad ‘Ali Khan Vaziri, Tarikh-e Kerman, ed. M. E. Bastane-Parizi, 2nd ed., Tehran 1352 SH /1973. ‘Ali b. Muhammad al-Walid, Taj al-‘aqa’ed, ed. ‘A. Tamer, Beirut, 1967.


Muhammad b. Muhammad Yamani, Sirat al-Hajeb Ja‘far b. ‘Ali, ed. W. Ivanow, in Bulletin of the Faculty of Arts, University of Egypt, IV, part 2, 1936, pp. 107-33; English tr. in Ivanow, 1942, pp. 184-223. S. Zakkar, ed., Akhbar al-Qaramita, 2nd ed., Damascus, 1982.


Studies


H. Algar, “The Revolt of Agha Khan Mahallati and the Transference of the Ismaili Imamateinfo-icon to India,” Stud. Isl. 29, 1969, pp. 55-81.


H. M. Amiji, “The Asian Communities,” in J. Kritzeck and W. H. Lewis, ed., Islam in Africa, New York, 1969, pp. 141­81.


— —, “The Buhras of East Africa,” Journal of Religion in Africa 7, 1975, pp. 27-61.


A. S. Asani, Ecstasy and Enlightenment: The Ismaili Devotional Literature of South Asia, London, 2002.


Barthold, Turkistan 3. A. E. Berthels, Nasir-i Khusraw i ismailism, Moscow, 1959; Persian tr. Y. Arianpur as Nasir-e Khusraw wa Esmailian, Tehran, 1346 SH./1967.


T. Bianquis, “La prise du pouvoir par les Fatimides en Egypte (357­-363/968-974),”Annales Islamologiques 11, 1972, pp. 49-108.


M. Boivin, Les Ismaeliens, Paris, 1998.


M. Brett, The Rise of the Fatimids, Leiden, 2001.


D. R. W. Bryer, “The Origins of the Druzeinfo-icon Religion,” Der Islam 52, 1975, pp. 47-84, 239-62; 53, 1976, pp. 5-27.


M. Canard, “L’Autobiographie d’un chambellan du Mahdiinfo-icon ‘Ubeidallah le Fatimide,” Hesperis 39, 1952, pp. 279-324; repr. in — — , Miscellanea Orientalia, London, 1973, article V.


— —, “Fatimids,” in EI2, II, pp. 850-62.


P. Casanova, “Les Derniers Fatimides,” Memoires de la Mission Archeologique Francaise du Caire 6, 1897, pp. 415-45.


H. Corbin, “Nasir-i Khusraw and Iranian Ismailism,” in Camb. Hist. Iran IV, pp. 520-42.


— — “L’Initiation Ismaelienne ou l’esoterisme et le Verbe,” Eranos Jahrbuch 39, 1970, pp. 41-142; repr. in — — , L’Homme et son ange, Paris, 1983, pp. 81-205.


— —, Cyclical Time and Ismaili Gnosis, tr. R. Manheim and J. W. Morris, London, 1983.


D. Cortese, Ismaili and other Arabic Manuscripts: A Descriptive Catalogue of Manuscripts in the Library of The Institute of Ismaili Studies, London, 2000.


F. Dachraoui, Le Califat Fatimide au Maghribinfo-icon, 296-365 H.l909-975 Jc., Tunis, 1981.


F. Daftary, The Ismailis: Their History and Doctrines, Cambridge, 1990 (with full references); Persian tr. F. Badra’i, Tarikh wa ‘aqa’ed-e Esmailiya, Tehran, 1375 SH./1996.


— —, “The Earliest Ismailis,” Arabica 38, 1991, pp. 214-45.


— —, “Persian Historiography of the Early Nizari Ismailis,” Iran 30, 1992, pp. 91-97.


— —, “A Major Schism in the Early Ismaili Movement,” Stud. Isl. 77, 1993, pp. 123-39.


— —, The Assassin Legends: Myths of the Ismailis, London, 1994; Persian tr. F. Badra’i, Afsanahaye hashashin, Tehran, 1376 SH./1997.


— —, ed., Mediaeval Ismaili History and Thought, Cambridge, 1996.


— —, “The Ismaili Da‘wa outside the Fatimid Dawlainfo-icon,” in M. Barrucand, ed., L’Egypte Fatimide, son art et son histoire, Paris, 1999, pp. 29-43.


— —, “Intellectual Life among the Ismailis: An Overview,” in F. Daftary, ed., Intellectual Traditions in Islam, London, 2000, pp. 87-111.


— —, “The Medieval Ismailis of the Iranian Lands,” in C. Hillenbrand, ed., Studies in Honor of Clifford Edmund Bosworth, II, Leiden, 2000, pp. 43-81.


— —, “Esmailiya,” in DMBE VIII, pp. 681-702.


A. Fo’ad Sayyid, al-Dawla al-Fatimiya fi Mesr, 2nd ed., Cairo, 2000.


W. Frischauer, The Aga Khans, London, 1970.


S. Guyard, “Un Grand maitre des Assassins au temps de Saladin,” JA 7 serie, 9, 1877, pp. 324-489.


H. Halm, Kosmologie und Heilslehre der fruhen Ismailiya, Wiesbaden, 1978.


— —, “Die Sohne Zikrawaihs und das erste fatimidische Khalifat (290/903),” Die Welt des Orients 10, 1979, pp. 30-53.


— —, “Les Fatimides a Salamya,” REI 54, 1986, pp. 133-49.


— —, Shi‘isminfo-icon, tr. J. Watson, Edinburgh, 1991, pp. 162-205.


— —, The Empire of the Mahdi: The Rise of the Fatimids, tr. M. Bonner, Leiden, 1996.


— —, “The Ismaili Oath of Allegiance (ahdinfo-icon) and the ‘Sessions of Wisdom’ (majalis al-hikmainfo-icon) in Fatimid Times,” in Daftary, ed., 1996, pp. 91-115.


— —, The Fatimids and their Traditions of Learning, London, 1997.


A. Hamdani, The Beginnings of the Ismaili Da‘wa in Northern India, Cairo, 1956.


— —, “The Da‘i Hatem Ibn Ibrahim al-Hamidi (d. 596H./1199A.D.) and his Tuhfat al-Qulub,” Oriens 23-24, 1970-71, pp. 258-300.


— —, “Evolution of the Organisational Structure of the Fatimi Dawah,” Arabian Studies 3, 1976, pp. 85-114.


A. Hamdani and F. de Blois, “A Re-Examination of al-Mahdi’s Letter to the Yemenites on the Genealogy of the Fatimid Caliphs,” JRAS, 1983, pp. 173-207.


H. F. al-Hamdani, al-Solayheyyun wa’l-haraka al-Fatemiya fe’l-Yaman, Cairo, 1955.


C. Hillenbrand, “The Power Struggle between the Saljuqs and the Ismailis of Alamut, 487-518/1094-1124: The Saljuqinfo-icon Perspective,” in Daftary, ed., 1996, pp. 205-20.


M.G. S. Hodgson, The Order of Assassins, The Hague, 1955; Persian tr. F. Badra‘i, Ferqa-ye Esma‘iliya, 2nd ed., Tehran, 1369 SH./1990.


— —, “The Ismaili State,” in Camb. Hist. Iran, V, pp. 422-82. J. N. Hollister, The Shi‘ainfo-icon of India, London, 1953.


A. C. Hunsberger, Nasir Khusraw, The Ruby of Badakhshan, London, 2000.


Hasan ‘Ali Ismailji, Akhbar al-do‘at al-akramin, Rajkot, 1937.


W. Ivanow, “A Forgotten Branch of the Ismailis,” Journal of Royal Asiatic Society, 1938, pp. 57-79.


— —, Ismaili Tradition concerning the Rise of the Fatimids, London, etc., 1942.


— —, The Alleged Founder of Ismailism, Bombay, 1946.


— —, Nasir-i Khusraw and Ismailism, Bombay, 1948.


— —, Studies in Early Persian Ismailism, 2nd ed., Bombay, 1955.


— —, Ismaili Literature: A Bibliographical Survey, Tehran, 1963.


N. Eboo Jamal, Surviving the Mongols: Nizari Quhistani and the Continuity of Ismaili Tradition in Persia, London, 2002.


C. Jambet, La Grande resurrection d’Alamut, Lagrasse, 1990.


V. Klemm, Die Mission des fatimidischen Agenten al-Mu’ayyad fi d-din in Shiraz. Frankfurt, etc., 1989.


Y. Lev, State and Society in Fatimid Egypt, Leiden, 1991.


B. Lewis, The Origins of Ismailism, Cambridge, 1940.


B. Lewis, The Assassins, London, 1967; Persian tr. F. Badra‘i, Feda’ian-e Esmaili, Tehran, 1348 SH./1969.


S. T. Lokhandwalla, “The Bohras, a Muslim Community of Gujarat,” Stud. Isl .3,1955, pp. 117-35.


W. Madelung, “Fatimiden und Bahrain qarmaten,” Der Islam 34, 1959, pp. 34-88; English version, “The Fatimids and the Qarmatisinfo-icon of Bahrayn,” in Daftary, ed., 1996, pp. 21-73.


— —, “Das Imamatinfo-icon in der fruhen isma‘ilitischen Lehre,” Der Islam 37, 1961, pp. 43-135.


— —, “Aspects of Ismaili Theology: The Prophetic Chain and the God Beyond Being,” in Nasr, ed., 1977, pp. 51-65; repr. in, Religious Schools and Sects in Medieval Islam, London, 1985, article XVII.


— —, Religious Trends in Early Islamic Iran, Albany, NY, 1988, pp. 93-105.


— —, “The Religious Policy of the Fatimids toward their Sunni Subjects in the Maghrib,” in M. Barrucand, ed., L’Egypte Fatimide, son art et son histoire, Paris, 1999, pp. 97-104.


— —, “Ismailiyya,” in EI2, IV, 1973, pp. 198-206.


G. C. Miles, “Coins of the Assassins of Alamut,” Orientalia Lovaniensia Periodica 3, 1972, pp. 155-62.


N. A. Mirza, Syrian Ismailism, Richmond, Surrey, 1997.


S. C. Misra, Muslim Communities in Gujarat, Bombay, 1964.


F. Mitha, Al-Ghazali and the Ismailis, London, 2001.


A. Nanji, “Modernization and Change in the Nizari Ismaili Community in East Africa-A Perspective,” Journal of Religion in Africa 6, 1974, pp. 123-39.


— —, The Nizari Ismaili Tradition in the Indo-Pakistan Subcontinent, Delmar, NY, 1978.


— —, “Ismailism,” in S. H. Nasr, ed., Islamic Spirituality: Foundations, London, 1987, pp. 179-98.


— —, “Ismaili Philosophy,” in S. H. Nasr and O. Leaman, ed., History of Islamic Philosophy, London, 1996, I, pp. 144-54.


S. H. Nasr, ed., Ismaili Contributions to Islamic Culture, Tehran, 1977.


I. K. Poonawala, Bibliography of Ismaili Literature, Malibu, Calif, 1977.


N. Pourjavady and P. L. Wilson, “Ismailis and Ni‘matullahis,” Stud. Isl. 41, 1975, pp. 113-35.


D. de Smet, La Quietude de l’intellect: Neoplatonisme et gnose Ismaelienne dans l’oeuvre de Hamid ad-Din al-Kirmani (Xe/XIes.), Louvain, 1995.


S. M. Stern, “Ismaili Propaganda and Fatimid Rule in Sindinfo-icon,” Islamic Culture 23, 1949, pp. 298-307.


— —, “The Succession to the Fatimid Imam al-Amirinfo-icon, the Claims of the Later Fatimids to the Imamate, and the Rise of Tayyibi Ismailism,” Oriens 4,1951, pp. 193-255; repr. in — —, History and Culture in the Medieval Muslim World, London, 1984, article XI.


— —, “Heterodox Ismailism at the Time of al-Mu‘izz,” BSOAS 17, 1955, pp. 10-33.


— —, “The Early Ismaili Missionaries in North-West Persia and in Khurasaninfo-icon and Transoxaniainfo-icon,” Bulletin of the School of Oriental and African Studies 23, 1960, pp. 56-90.


— —, “Ismailis and Qarmatians,” in L’ Elaboration de l’Islam, Paris, 1961, pp. 99-108.


— —, “Cairo as the Centre of the Ismaili Movement,” in Colloque international sur l’histoire du Caire, 1972, pp. 437-50.


— —, Studies in Early Ismailism, Jerusalem and Leiden, 1983.


L. V. Stroeva, Gosudarstvo isma‘ilitov v Irane v XI-Xlllvv., Moscow, 1978; Persian tr. P. Monzavi, Tarikh-e Esma‘ilian dar Iran, Tehran, 1371 SH. /1992.


P. E. Walker, “Eternal Cosmos and the Womb of History: Time in Early Ismaili Thought,” Internal Journal of Middle Eastern Studies 9, 1978, pp. 355-66.


— —, Early Philosophical Shi‘ism: The Ismaili Neoplatonism of Abu Ya‘qub al-Sijistani, Cambridge, 1993.


— —, Abu Ya‘qub al-Sijistani: Intellectual Missionary, London, 1996.


— —, “Fatimid Institutions of Learning,” Journal of the American Research Center in Egypt 34, 1997, pp. 179-200.


— —, “The Ismaili Da‘wa and the Fatimid Caliphateinfo-icon,” in M. W. Daly, ed., The Cambridge History of Egypt: Volume 1, Islamic Egypt, 640-1517, ed. C. F. Petry, Cambridge, 1998, pp. 120-50.


— —, Hamid al-Din al-Kirmani: Ismaili Thought in the Age of al-Hakim, London, 1999.


— —, Exploring an Islamic Empire: Fatimid History and Its Sources, London, 2002.


Zahid ‘Ali, Hamari Ismaili madhab, Hyderabad, 1373/1954.