أماكن العبادة والتقوى عند المسلمين


 

 كلمات رئيسية


المسجد، الرابط، الخانقه، الزاوية، التكية، الحسينية، جماعة خانه (المسجد)، المبرة الإمامية، المقبرة، الزيارة، المدرسة، الدرغه، الشيعة، السنة، الأمة، القصاص، الخطب، الذكر، الصوفية، الشيخ، البير (الحجة)، الطريقة، المرشد، الإسماعيلي المستعلي، الإسماعيلي النزاري، المركز الإسماعيلي، الآغاخان، التعددية، التنوع، النمط التعددي، الثقافة، مكان التجمع، التقوى، العبادة


جدول المحتويات




"في بيوتٍ أذِنَ اللهُ أنْ تُرفَعَ ويُذْكَرَ فيها اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فيها بالغُدُوِّ والآصالِ." القرآن الكريم (24: 36))

تنوع أماكن التجمع


يسمح الوحي القرآني المنزل على النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لطيفٍ واسعٍ من التفسيرات عبر الزمان والمكان والسياق الثقافي. إن هذا قد سمح بتعدد التفسيرات والصيغ العقائدية واللاهوتية والفقهية، إضافةً إلى أشكال وتعابير الولاء والتقوى والطقوس الدينية. ويتسع أيضاً هذا التنوع لأماكن التجمع والتفاعل والعبادة. إن ظهور الاعتقادات المختلفة والمدارس الفكرية في الإسلام قد قاد إلى تعايش نطاق واسع من أماكن العبادة. فإضافةً إلى المسجد فإن أماكن العبادة تشمل الرباط والخانقه والزاوية والتكية والحسينية وجماعة خانه. هذه المؤسسات قد أدت مجتمعةً ولا تزال تؤدي أدواراً دينيةً واجتماعيةً متنوعة ومتميزة في حياة أولئك المرتبطين بها وتشكل عنصراً هاماً في تاريخ وتطور تعابير التقوى في المجتمعات المسلمة.


المسجد


يشكل المسجد واحداً من أكثر الدلالات الجلية والواضحة على الحضور الإسلامي وتوجد في جميع أنحاء العالم تقريباً. المعنى الحرفي اللغوي للمسجد هو "مكان السجود"، كان المسجد المكان المؤسساتي الرسمي المؤسس بغرض التأدية الجماعية للطقوس والصلاة ومواجهة الحاجات الاجتماعية للأمة الناشطة.


الأصل


يتفق معظم المؤرخين أن المجتمع الأولي في الأيام الأولى للإسلام (أي في بداية القرن السابع في مكة) لم يكن له مكان خاص أو محدد للصلاة وبأن تنظيم العبادة المشتركة كان أمراً غير رسمي. وبالنسبة إلى الحديث المشهور للرسول "إن العالم بأسره مسجد"1 كان هذا فقط بعد الهجرة إلى المدينة، إذ ظهر وتطور مكان محدد للمسلمين حيث استطاعوا تأدية الصلوات الطقسية جماعةً إضافةً إلى إدارة شؤون الدولة. ومنذ ذلك الوقت، وأينما أصبح المجتمع الإسلامي الحديث النشأة مستقراً بصورةٍ دئمة بأعدادٍ كبيرةٍ (كالبصرة والكوفة ودمشق والفسطاط) أصبح الجامع نقطة محورية لحياتهم الاجتماعية والدينية. وقد ظهرت محاولات بشكل أولي في أراضي المسلمين الجديدة هذه لإعادة صورة المسجد الأول في المدينة شكلاً ووظيفةً. على كل حال فمع انتشار إمبراطورية الإسلام عبر الجغرافية صارت في تماس واتصال مع ثقافات وتقاليد مختلفة لها صيغها الخاصة من أماكن ومؤسسات. وبالإضافة إلى العوامل الداخلية كإمكانية تنامي الثروة والرعاية، وتدفق الداخلين الجدد في الإسلام، والتنوع في مفاهيم التقوى، والحاجات المعتمدة لجماعات المستخدمين، كل هذا ساهم مساهمة جماعية في تغيير وتطوير سريعين في الجامع على صعيدي الشكل والاستخدام.


تطور الشكل والوظيفة


خدم المسجد الأول في المدينة كمكان للصلاة الجماعية وكمركز ثقافي اجتماعي معاً. وقد تضمنت وظائفه: الصلوات الجماعية والفردية والتلاوات القرآنية والعظات الدينية وخطب الجمعة وتلاوة الذكر ومكان للاعتكاف والتهجد – وبخاصةٍ خلال شهر رمضان والاحتفال بالأعياد. وأدت الجوامع كذلك دور مراكز التجمع والمساهمة بالزكاة حيث كان يجد الفقراء والمسافرون (أبناء السبيل) والمشردون غالباً ملجأ وسنداً لهم. ويتم أيضاً عقد الزواج واتفاقيات العمل هناك2. وبالنظر إلى الشكل والوظيفة المتطورين للجوامع فإن تطوراً مهماً أخذ يبرز حول ممارسات مترافقة مع بناء جوامع المزارات (التي تدعى مقبرة، أو مشهد، أو مقام) فوق أضرحة أهل البيت بمن فيهم الإمام علي وفاطمة عليهما السلام وأصحابهما الأوائل. لاحقاً ومع نشوء الصوفية ونفوذها فإن بناء المقامات الجوامع المكرسة لشيوخ الصوفية أو الحجج (البير) أو الحكماء، وزيارة هذه المقامات من أجل البركة والشفاعة قد أصبحت معلماً نظامياً للتقوى والولاء والمشهد الديني لدى المسلمين3.


من المهم هنا أن نشير إلى أنه حتى خلال المرحلة التأسيسية لتاريخ الإسلام وبالتماشي مع "الجوامع الرئيسية" (في مركز البلدة مع سكن القائد الرئيسي) بدأت نماذج أخرى للجوامع تتطور. كان هنالك ميل لدى الجماعات التي تنتمي إلى مدارس فكرية مختلفة ولديها تفسيرات مختلفة بتأسيس جوامعها الخاصة بها. وهكذا ظهرت جوامع متعددة على نطاق واسع من قبل الجماعات الشيعية والسنية مصحوبة بمدارس فقهية معينة كالشافعي والمالكي ...إلخ.


وبالإضافة إلى الوظائف والأدوار السابقة للمسجد في المجال الديني. ظهرت أيضاً توسعات هامة فيما يختص باستخدام المساجد لأغراض فكرية وتعليمية. إن الجوامع باعتبارها أمكنة للتعليم الديني والأخلاقي مارست دوراً تعليمياً أكثر رسميةً من خلال حلقات الباحثين الدينين والطلاب المجتمعين لدراسة القرآن والحديث والفقه ...إلخ. فمثلاً، أسس الأئمة الخلفاء الفاطميون الأزهر ليكون جامعاً ومكاناً للتعليم في الوقت ذاته. وأصبحت بعض الجوامع كتلك التي في بغداد وأصفهان ومشهد وقم ودمشق والقاهرة مراكز أساسية لتعليم الطلاب من كل أنحاء العالم الإسلامي.


لا داعي للقول بأن الوظائف المتطورة والمتوسعة المذكورة سابقاً للجامع أثرت على الشكل والتصميم المعماري له. وسرعان ما تطورت مبانٍ ملحقة كالمدارس والمكتبات وأماكن الإقامة والحمامات ...إلخ التي غالباً ما شكلت نوعاً من جامع مركَّب. إن تعدد وظيفة الجامع (الذي كان واضحاً منذ الجامع الأول في عهد النبي) قد بلغ الذروة في البناء المركب العثماني المعروف باسم (الكلية). فعلى سبيل المثال حوت الكلية السليمانية الفخمة المشادة في القرن السادس عشر في اسطنبول على يد المعماري المشهور سنان مسجداً جامعاً كبيراً وخمس مدارس ومدرستين حديثتين ومشفى ومدرسة طبية ومأوى صوفياً ونزلاً وخاناً وحماماً عمومياً ونافورةً ومطبخاً عمومياً ومكان إقامة للأساتذة والقيمين وحلبات للمصارعة ومقاهي وحوانيت ومقابر ملكية فخمة ومقبرة عامة4.


من الجدير ذكره هنا أن نشير في سياق التطور الشكلي أن العديد من المعالم المعمارية للجامع كالمنبر والقباب والمآذن وغيرها من الأمور التي أصبحت مألوفة وتعد تجهيزات جوهرية غير قابلة للتغيير في الجامع، إن تلك المعالم المعمارية هي نتاج للتطور التاريخي ولم تكن موجودة في الجامع النموذجي الأصلي في المدينة. وهكذا ومنذ البداية لم يكن هناك أية أشكال محددة بتوصيات دينية، بخلاف دلالة جهة الصلاة ( القبلة). والأشكال المعمارية ربما عُرّفت بتأثير عوامل دينية إضافية كتأثير الثقافات والتقاليد والبيئات والداعمين والمواد والتكنولوجية المختلفة ...إلخ5.


إن التحولات الناتجة عن الاستعمار والاستقلال والمعاصرة في المجتمعات الإسلامية سببت بعض التحركات والتغيرات في استخدام الجامع اليوم. وكما في الماضي يبقى الجامع هو الرمز والمحور للنشاط الثقافي والاجتماعي الكثيف سواءٌ أكان المسلمون أقلية أم أغلبية في المنطقة6.


في المجتمعات الإسلامية بقي الجامع وبخاصة الجامع العام أو الرسمي معلماً بارزاً يعلن هويتها الإسلامية. أما في الأراضي غير المسلمة حيث يعمل ويعيش ملايين المسلمين الآن فيمثل الجامع الحضور الإسلامي أمام غير المسلمين ويمثل الوطن للمؤمنين7.


إن البحث أعلاه فيما يخص تطور الوظائف والأشكال للمسجد وعلاقته مع الحاجات المتغيرة للمجتمع ربما ينطبق أيضاً في جزء منها على أماكن التقوى الأخرى للمسلمين (كالزوايا والخانقات ومساجد الإسماعيلية) ...إلخ




الرباط والخانقه والزاوية والتكية


ترتبط أماكن التجمع هذه عادةً مع النشوء والتطور المؤسساتي للصوفية، وهي عناصر مهمة في تاريخ وتطور المجتمعات الإسلامية. أدت هذه المنشآت والمؤسسات على مر السنين أدوراً متنوعة دينية واجتماعية هامة في حياة المسلمين. وبمرور عدة قرون تضاعفت وانتشرت الطرق الصوفية في كل أنحاء العالم الإسلامي من الشمال الإفريقي إلى شبه القارة الهندية. وترافق انتشار هذه الطرق مع إقامة أمكنة محددة للتجمع بأشكالها وتعابيرها الشعائرية الخاصة. وقد تنوع اسم هذه المراكز والتجمعات بحسب مواقعها إذ استخدمت كلمة الزاوية والرباط بشكل واسع وإن لم يكن حصرياً في المغرب؛ والخانقه في مصر؛ والخانكه كذلك تمتد من إيران إلى الهند (كما يستعمل اسم درغة)؛ والتكية في المناطق التي تتحدث بالتركية. ويتوسع دعم النخب الحاكمة للمؤسسات المذكورة أعلاه بشكل تدريجي ويؤدي إلى رعاية مهمة في بناءها وفي منح المرتبات للصوفيين الذين يعيشون هناك. وكنتيجة لما سبق أصبحت هذه المؤسسات الموازية للمسجد واسعة الانتشار، وتوجد اليوم في العديد من البلدان الإسلامية في كل المدن الأساسية وحتى في القرى النائية8.


يجتمع الصوفيون في مراكز التعليم المتنوعة هذه ذات السكن الداخلي لتأدية ممارسات التقوى والعبادة والتأمل. وكانت الممارسة الأساسية هي تأدية الذكر والسماح (وهو إنشاد الشعر المترافق مع الموسيقى). وأيضاً من خلال المعلمين (الذين يدعى أحدهم بالشيخ أو الحجة "البير" أو المرشد) والمريدون كان الأشخاص يربون على تعليم القرآن ومعناه الروحي وعلى تهذيب الحياة الباطنية وقراءة كتابات الشعراء والكتاب العظام في التقليد الصوفي9. وتطورت طقوس انتساب مُحكمة حيث أن على المريد أن يتلو البيعة (قسم الولاء) إلى المرشد وأن يتقيد برموز الدخول إلى الطريقة (كالعباءة والقبعة مثلاً ...إلخ). ولما كان من المعروف أن شيوخ الصوفية يُدفنون في أماكن إقامتهم فقد صارت هذه الأماكن مواقع حجٍ شعبي (زيارات) لطلب البركة والشفاعة.


عادةً ما يكون دخول تلك الأماكن مفتوحاً للجميع ولكن هذا الأمر ليس حقيقةً مطلقة. فعلى سبيل المثال معروف أن خانقات الطريقة السهروردية في الهند تقصر المشاركة على أولئك الذين أعطوا البيعة وعهد الولاء لشيخ أو حجة الطريقة الصوفية10. وفيما يتعلق بقضية خصوصية تلك الأماكن ينظر فقهاء السنة إلى ذلك على أنه أمر يتعلق بالعرف.


وكما الأمر بالنسبة للمسجد وأماكن التجمع المشابهة الأخرى لم تؤد هذه المؤسسات الصوفية الواسعة الانتشار أدواراً دينية فحسب، بل شملت أيضاً وظائف اقتصادية واجتماعية, فعلى سبيل المثال، باعتبار أن الزوايا والخانقات هي أماكن يقدم فيها الناس القرابين فهي تسهم في إعادة توزيع الثروة الاجتماعية. إذ يزود المحتاجون والعاجزون بالطعام والمأوى. كما أن النشاطات والاحتفالات الدينية - الاجتماعية في هذه المؤسسات تنظم في أوقات محددة من السنة كالذكرى السنوية لميلاد النبي محمد (المولد) مثلاً.


وبينما تتشابه الأسماء والوظائف لهذه الأماكن المؤسساتية الصوفية إلا أنها تبدي تنوعاً فيما يتعلق بالموقع والبناء والحجم والتنظيم. فتبدو هذه الأبنية أحياناً منعزلةً ولكنها أكثر ارتباطاً بالجامع. كان الدراويش يعيشون الدراويش في بعض الخانقات في حُجَرٍ صغيرة بينما كانت أماكن أخرى تحتوي غرفة واحدة كبيرة حيث يعيش ويدرس ويعمل الدراويش جنباً إلى جنب. كذلك كان يتنوع العمران في الحجم والنموذج والمواد المستخدمة وانعكاس العناصر والتجلياتٍ الثقافيةً المحليةً. كذلك لم يكن تنظيم تلك المؤسسات واحداً في كل مكان. فقد عاشت بعض الطرق على الفتوح (تبرعات طوعية وهبات) بينما حظيت طرق أخرى برعاية كريمة من الحكام ورواتب منتظمة من المتبرعين الآخرين11.


الدور المعاصر


ربما تدور نقاشات بأن الزاوية والخانقه والرباط قد أصحبت أقل أهمية في الحياة الاجتماعية عما كانت عليه في القرن التاسع عشر. فإن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في البلدان الإسلامية المصحوبة بظهور الدول المركزية ومناطق التحضر الكبرى والتوسع في أنظمة الاتصال قد أدت إلى ظهور مؤسسات مجتمعية منافسة. كلُ ذلك قد أسهم في ظهور الدول القومية التي تنظم الوظائف المرتبطة تاريخياً بالمؤسسات الإسلامية الاجتماعية التقليدية (مثلاً: المسجد والزاوية والخانقة والرباط) في ضعف هذه المؤسسات الأخيرة. وإن ضغوطاً أخرى كمصادرة المنح الدينية (الأوقاف) العائدة لمثل هذه المؤسسات كالزوايا كما في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا خلال الحكم الفرنسي على سبيل المثال، هذه الضغوط أسهمت بعنف في محو الدور الاجتماعي لتلك المؤسسات.


أخيراً لقد وجدت قوى داخلية معينة أخذت تسهم في تخريب وانهيار هذه المؤسسات الصوفية. وقد شمل الضغط الأساسي حركات المصلحين المتشددين والتي ظهرت بين وقت وآخر وفسرت غنى وتنوع ممارسات وتعابير التقوى المتعلقة بهذه المؤسسات، لاسيما زيارة أضرحة الأولياء على أنها بدعة لا تنتمي للإسلام. وباشرت ببترها إن لم نقل بتدميرها كلياً دونما تحفظ - كل ذلك بقصد هدف إيديولوجي وهو فرض إسلام وهمي سلفي خالص. تعكس مثل هذه الاتهامات بوضوح محاولة مجموعة مهيمنة ومسموعة الصوت لفرض تفسيرها الخاص للإسلام على ما هو بحق تنوعٌ غنيٌ في الأشكال والتفسيرات.


على أية حال بقيت الطرق والمؤسسات الصوفية على قيد الحياة بالرغم من القيود المفروضة من بعض الحكومات المعاصرة ومعارضة الجماعات المتشددة. إنها تعمل كأقنية مزدوجة لحفظ نفوذ الأولياء الأقدمين وتشجيع النظام الروحي. وأكثر من ذلك ففي بعض المدن الأوربية والأمريكية حيث تنمو وتنشأ طرق صوفية يستطيع المرء أن يجد مؤسسات مشابهة (كالزاوية والخانقه). بصورة سرية غالباً حيث يلتقي المريدون بشكل منتظم ليؤدوا طقوس العبادة التي تشابه إلى حد كبير الممارسات الدينية للطريقة.


الحسينية والمبرة الإمامية


تشير الحسينية والمبرة الإمامية إلى أماكن التجمع التي تقام فيها الاحتفالات الطقسية لإحياء ذكرى حياة واستشهاد الإمام الحسين عليه السلام12. وقد تكون الحسينية على شكل خيمة مؤقتة تُنصب خصيصاً للاحتفال بحداد محرم وربما تكون أيضاً بناءً يستخدم للمناسبات الدينية على طول السنة.


توجد الحسينيات في كل مجتمعات الشيعة الاثني عشرية في كل أنحاء العالم وهي معروفة تماماً في إيران والعراق ولبنان, ففي إيران تستخدم كلٌ من عبارتي الحسينية والتكية بمعنىً واحد حسب العادات المحلية التي تقرر الاستخدام المناسب. تسمى هذه الأماكن في المجتمعات الشيعية في عُمان والبحرين بالمآتم بينما تسمى في المجتمعات الإثني عشرية بالهند باسم (إمام باره) "مبرة الإمام" (أي مكان حصار الأئمة) وقد يستعمل مصطلح بيت عاشوراء.


وفي المدن والقرى والبلدات ذات الحضور المجتمعي الشيعي الإثني عشري من الشائع أن تعتبر الحسينيات كالجوامع مكاناً للممارسة الدينية الشعبية. إنها مواقع للإنشاد العاطفي العميق المذكر بالظروف التراجيدية المحيطة باستشهاد الإمام الحسين (روضة خوان) إضافةً إلى التعزية (تمثيل الآلام) وتستخدم الحسينية أيضاً كنقطة للانطلاق والتصعيد إلى الدرجة القصوى في احتفال عاشوراء. .


اكتسبت المبره الإمامية في شبه القارة الهندية معاني وأشكالاً معقدة في القرن الثامن عشر خلال حكم نواب العود (حكام العود). فبالإضافة إلى ما ترمزه لمقام الإمام الحسين عليه السلام وضريحه باعتباره عنصرها المركزي، فهي مبنية أيضاً كمقبرةٍ (للحاكم). ويوجد مئات من هذه المبرات في لاكناو وهي أحد مراكز الشيعة الاثني عشرية في الهند. وقد يكون لكل عائلة مبرتها الخاصة بها والتي تكون عادةً عبارة عن جزء من غرفة, بينما لدى العائلات الأغنى غرف منفصلة تؤسس كمبرة وهي وافرة التزيين. بالإضافة لذلك فإن لكل حي المبرة الخاصة به13.


والمبرات الإمامية كما الأماكن الإسلامية الأخرى متعددة الوظائف. فبالإضافة إلى ما ذكر من دورها في الممارسات والطقوس التعبدية فهي أيضاً مواقع للثقافة الاجتماعية والشعائر الخاصة بطقوس الانتقال المتنوعة (كالزواج والوفاة). وتتنوع أشكال العمران بحسب جغرافية وثقافة الموقع وحجم المجتمع بالإضافة إلى الأهداف الرمزية للمباني.



جماعة خانه (المسجد)


يعني التعبير (جماعة خانة) حرفياً مكان الاجتماع. لقد غدا يشكل بالتحديد مكان تجمع لنشاطات الجماعة وممارسة الصلاة ضمن تنوع من الجماعات المسلمة كالإسماعيلية النزارية والإسماعيلية المستعلية في أنحاء معينة من العالم. ففي الطريقة التشستية السائدة في جنوب آسية كانت مؤسسة النشاط الصوفي تدعى باسم جماعة خانة وكانت تتمركز في مقر إقامة الشيخ14 . وقد عرفت أيضاً أماكن التجمع الخاصة بجماعات الشيعة البهرة والسنة الميمونية في الهند باسم جماعة خانة.


لقد أصبحت عادة الالتقاء في جلسات مغلقة في أماكن مصممة بشكل خاص بغرض التعلم وممارسة التفسيرات الخاصة للعقيدة جزءاً من التقليد الإسماعيلي منذ ما قبل العهد الفاطمي. وخلال العهد الفاطمي اعتاد الإسماعيليون على المشاركة في مجالس الحكمة التي كانت مخصصة حصراً لأولئك الذين أعطوا عهد الولاء لإمام الزمان.


يشير تقليد الجماعة المستند إلى مقاطع من الجنان الإسماعيلي إلى أن الجماعة خانة الإسماعيلية (المسجد الإسماعيلي) الأقدم قد أسست في شبه القارة الهندية - الباكستانية خلال القرن الرابع عشر والخامس عشر.


لقد دلل صاحب السمو الآغاخان على أهمية الجماعة خانة في تقليد التقوى الإسلامي وذلك بمناسبة احتفالية وضع حجر الأساس للمركز الإسماعيلي في دبي قائلاً:


"خلال قرون عديدة كان المعلَم البارز في المشهد الديني المسلم هو التنوع في أماكن التجمع المتعايشة بانسجام مع المسجد الذي يشكل بحد ذاته مجموعة من الأماكن المؤسساتية المتنوعة التي تستخدم لأغراض ثقافية واجتماعية وتأملية. إن هذه الأماكن، ابتداءً بالرباط والزاوية وانتهاءً بالخانقه والمسجد الإسماعيلي، بينما هي تخدم الجماعات ذات التفسيرات والانتماءات الروحية المختلفة، فقد احتفظت تاريخياً بمصطلحاتها وخصائصها الثقافية. إن المكان التجمعي المندمج بالمركز الإسماعيلي يعود إلى التصنيف التاريخي للمسجد على أنه قطاع مؤسساتي يقدمُ الخدمات أيضاً للجماعات السنية والشيعية الشقيقة، في مجالاتها الخاصة في عدة أنحاء من العالم. وهنا سيكون مكانٌ مخصصٌ للممارسات والتقاليد الخاصة بالطريقة الإسماعيلية الشيعية في الإسلام."15


الدور المعاصر


يمثل المسجد في المجتمع الشيعي الإسماعيلي اليوم المكان المادي الذي تجتمع فيه الجماعة في سياق تشاركي لتأدية العبادة وتعابير التقوى جماعياً, ويُعرف الدستور الإسماعيلي المسجد بأنه مكان صممه إمام الزمان لممارسات الطريقة الإسماعيلية.


وفقاً وتماشياً مع المعايير الإسلامية التي توفق بين المادي والروحي تُعد المساجد الإسماعيلية (كغيرها من أماكن العبادة والتقوى الخاصة بالمسلمين) أمكنةً متعددة الوظائف إذ تؤدي دور المراكز الدينية والثقافية والاجتماعية للجماعة الإسماعيلية, وقد تطورت هذه الأشكال والوظائف كما هي الحال في المؤسسات وأماكن العبادة الأخرى للمسلمين عاكسة بذلك السياقات التاريخية والثقافية المتغيرة لهذه المؤسسات بالإضافة إلى الحاجات المتطورة لمستخدميها. وفي معرض الحديث بمناسبة وضع الحجر الأساسي للمركز الإسماعيلي في لشبونة أشار صاحب السمو الآغاخان بأن ضمن الأبعاد المبرمجة للمركز الإسماعيلي "ستكون محاضرات، وعروض، ومؤتمرات، وأناشيد دينية، معارض للفن والعمران."16


يشكل المسجد الفخم والمراكز الإسماعيلية الفخمة المبنية حديثاً مباني نموذجية. وكما قال صاحب السمو الآغاخان لدى احتفال وضع حجر الأساسي للمركز الإسماعيلي في دوشانبي:


"تفيد هذه المراكز في أن تعكس وتوضح وتمثل فهم الجماعة الروحي والفكري للإسلام، وضميرها الاجتماعي وتنظيمها وتطلعها إلى الأمام وموقفها الإيجابي تجاه المجتمعات التي تعيش الجماعة بينها ... يمثل المركز الإسماعيلي في دوشانبي كأمثاله في أماكن أُخرى القيم التي تدعم كرامة الإنسان بصفته أكرم الخلق. فهو سيهدم الجداران التي تفرق ويبني الجسور التي توحد. إنني أصلي ليكون المركز الإسماعيلي في دوشانبي حالما ينتهي بناؤه مكاناً للنظام والسلام والأمل والتواضع والأخوّة لتتألق هذه المواقف والأفكار التي توحدنا في البحث عن حياة أفضل."17


وفيما يتعلق بشكل وعمران المساجد الإسماعيلية تماماً، كما هي الحال بالنسبة لأماكن التجمع الإسلامية الأخرى فلا يوجد نموذج وحيد (أحادي الرؤية) أو شكل ملزم. فإن الأشكال تتنوع معتمدةً على السياق الثقافي والجغرافية وتوافر المواد المتاحة والتقانة و- بالطبع – على تنوع الوظائف المطلوبة. وبالتأمل في هذا المعيار الأخير، "التنوع الوظيفي" فإن المساجد الكبرى الإسماعيلية لا تحتوي فقط على قاعات للصلاة بل تحتوي أيضاً على أماكن للاجتماع, وصفوف, ومكتبات، ووسائل تنشيط وأماكن للمناسبات الاجتماعية وغيرها.


في الختام، بدأً بما يوحي القرآن الكريم والتجارب التاريخية للمسلمين لأكثر من 1400 عام (وهو تراث تراكمي)، فقط تكونت حياة القنوط والعبادة للمسلمين من تنوع وغني في التعابير والأشكال والتفسيرات والأماكن. ونتيجة لذلك فإن النمط التعددي الثقافي لا النمط الأحادي هو الذي ميز واقع المجتمعات المسلمة عبر التاريخ. وفوق ذلك فإن هذه التعددية الثقافية تبقى مصدراً للقوة والإلهام لملايين المسلمين حول العالم لا مصدراً للضعف. 


الملاحظات



1. صحيح مسلم، ترجمة أ. صديقي (لاهور،1976، ج1)، مجلد 1 فقرة عن "المساجد"


2. ج. بيدرسن، المسجد في مختصر موسوعة الإسلام (ليدن، 1974) ص337- 8


3. "المسجد" في موسوعة اكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، تحقيق. جون إيسبوسيتو، المجلد 3، 1995، ص134.


4. رهيلينبراند، العمارة الإسلامية الشكل والدور والمعنى (إدنبرة، 1994).


5. دوغان كوبان، العمارة الدينية الإسلامية ج1(ليدن 1974) ص 2-10.


6. محمد أركون، "تحول المقدس"، في المسجد: تاريخ، التطور المعماري والتنوع الإقليمي، تحقيقات م. فريشمان وهـ. خان (لندن، 1994) ص 271.


7. أوليغ غابر، "المسجد في المجتمع الإسلامي اليوم"، في المسجد، ص 244.


8. موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي اليوم، ص 371.


9. عظيم نانجي، تحقيق التقويم الإسلامي (ديترويت، 1996) ص.413.


10. خالق أحمد نظامي( عليكره) ، بعض جوانب حياة الخانقاه في الهند في العصور الوسطى، الدراسات الإسلامية، 1952.


11. آن ماري شيمل، الأبعاد الباطنية للإسلامي (كارولينا الشمالية، 1975) ص 232.


12. غوستاف تيس، "الحسينية" في موسوعة أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، المجلد 2، ص 153.


13. موسوعة الإسلام. المجلد 3: (ليدن، 1979) ص 1163.


14. التقويم الإسلامي، ص 498.


15. اقتباس من خطاب سمو الآغاخان في الاحتفال لوضع حجر الأساس للمركز الإسماعيلي في دبي الإمارات العربية المتحدة 13 كانون أول عام 2003.


16. اقتباس من خطاب سمو الآغاخان في الاحتفال لوضع حجر الأساس للمركز الإسماعيلي في ليشبونة ، البرتغال، 18 كانون أول 1996.


17. اقتباس من خطاب سمو الآغاخان في الاحتفال لوضع حجر الأساس للمركز الإسماعيلي في دوشنبي ، طاجكستان ، 30 آب، 2003.

هذه المقالة نشرت أصلاً في مجلة الإسماعيلي، المملكة المتحدة، آذار 2006.