الإمامة الإسماعيلية منذ زمن الإنقسام الشيعي: لمحة عامة

إن تأسيس الخلافة الفاطمية الإسماعيلية في إفريقيا (تونس) في عام ۹۰۹ كان ذروة للتطور الطويل الذي قاده الأئمة من ذرية الإمام اسماعيل مدعوماً بالإلتزام يتعزيز المفهوم الإسلامي في العدالة والمساواة.
 
لقد كُتب الكثير عن الخلافة الفاطمية، التي استطاعت بنجاح أن تتغلب على خطر تفشي الإستبداد والفوضى واشتهرت بالتسامح الديني. كتب العالم الجغرافي المقدسي عن التناغم بين الفرق الدينية المختلفة ضمن الدولة الفاطمية والتي تركزت حين كانت الخلافة في أوجها في مصر وامتدت غرباً إلى شمال إفريقيا وصقلية وجزر أخرى في البحر الأبيض المتوسط وامتدت شرقاً إلى شواطئ البحر الأحمر الإفريقية وفلسطين وسوريا واليمن والحجاز.
 
قدمت النظرة الإسماعيلية للتاريخ، والتي حافظت على احترام عميق للديانات التوحيدية من التراث الإبراهيمي، الإطارالفكري لمشاركة أتباع الديانات المختلفة في شؤون الدولة الفاطمية. كانت التعيينات في الجهاز القضائي الفاطمي وأجهزة الدولة الأخرى تقوم على أساس الكفاءة. وعندما رقّى الخليفة الإمام الحاكم فقيهاً سنياً لمنصب قاضي قضاة امتُدحَ عدالته ومكانته الفريدة كعوامل حددت قرار ترقيته. كان تسامح الفاطميين تجاه غير المسلمين أمراً مشهوداً له أيضاً فقد تمكن المسيحيون واليهود وكذلك المسلمين من المذاهب المختلفة من الترقي في المناصب الوظيفية إلى أعلى الدرجات بناءً على كفاءتهم.
 
وفر نشوء الخلافة الفاطمية، وهي أول دولة شيعية كبيرة، الفرصة لإعلان مدرسة للفقه الإسماعيلي. تم بناء هذه المدرسة و إطلاقها للعمل وفقا للمبادئ الشيعية مع احترام فلسفة التسامح الديني الشاملة لدى الفاطميين. في نفس السياق كان الفاطميون رواداً في تشجيع مبادرات الرعاية الخاصة للمساجد ودورالعبادة للمذاهب المسلمة الأخرى. لقد عكست سياستهم الحقيقة التاريخية لتعددية طرق العبادة بدلاً من فهم وتفسير أحادي للدين.
 
شجع الفاطميون التحصيل الفكري بسخاء حيث ازدهر البحث في مجالات العلوم الفلسفية والطبيعية وتمتع بحرية كبيرة. جذبت ثقافة الفكرالعلمي الحر أفضل العقول من كل المعتقدات الدينية في ذلك الزمن إلى البلاط الفاطمي بما في ذلك علماء الرياضيات والمهندسين مثل ابن الهيثم وعلماء الفلك مثل علي بن يونس والأطباء مثل التميمي والإسرائيلي وابن رضوان. لم تنحصر الثقافة العلمية على العلماء والأدباء حيث كانت الجهود تهدف لنشر وتعميم التعليم. فكان الجامع الأزهر الذي بناه الخليفة الإمام المعز عام ۹۷۲ مركزاً عريقاً للتعليم أغدقه الخلفاء الأئمة الفاطميون بكرمهم. كانت دار العلم التي أسسها الخليفة الإمام الحاكم عام ١٠٠٥ أول مؤسسة تعليم في العصر الوسيط لتكّون بذلك نموذجاً سابقاً للجامعات الحديثة، حيث تضمنت برامجها التعليمية كل المجالات الأكاديمية الرئيسية التي تراوحت بين الدراسات القرآنية والتراث النبوي مروراً بدراسة الفقه والفلسفة وعلم النحو والطب والمنطق والرياضيات و الفلك وكانت مؤسسة مفتوحة لأتباع الديانات المختلفة.
 
شهد العقد الأخير من القرن الحادي عشر انقساماً ضمن الجماعات الإسماعيلية على خلافة الخليفة الإمام المستنصر بالله (توفي عام ١٠٩٤). حيث اتبع أحد القسمين ابنه الأصغر المستعلي. بينما والى القسم الآخر ابنه الأكبر نزار والذي ينحدر منه الآغا خان، الإمام الحالي للإسماعيلين. انتقل بعد ذلك مركز الإمامة النزاري إلى ايران حيث نجح الإسماعيليون في انشاء دولة تتألف من شبكة منيعة من القلاع. كان مركز هذه الدولة آلموت في شمال ايران وامتدت دولة القلاع إلى أجزاء من سوريا. وعلى الرغم من أن هذه الفترة من تاريخ المسلمين كانت مشغولة بالحروب والنزاعات على قضايا السلطة والنفوذ إلا أنها لا تشير ببساطة لعدواة فريق للآخر. فقد كانت المعادلة العسكرية معقدة بشكل أكثر بوجود الصليبيين حيث كان تغير التحالفات بين كل هذه المجموعات المختلفة طابعاً تقليدياً في هذه الفترة.
 
لم يتخلى اسماعيليو آلموت عن تقاليدهم الفكرية والأدبية رغم نضالهم المستمر لثني أعدائهم الأقوياء. لقد احتوت حصونهم على مكتبات مميزة تضمنت محتوياتها مختلف أنواع كتب التراث الديني والأعمال الفلسفية والعلمية والمعدات العلمية. لم تجبرهم البيئة العدائية على التخلي عن سياستهم الحرة في رعاية رجال العلم والتي عادت بالنفع ليس على المسلمين وحسب بل وأيضاً على العلماء من الأديان الأخرى. كانت أماكن تجمعاتهم السكنية ملجأً لموجات اللاجئين من الغزو المغولي، بغض النظر عن مذاهبهم. وقد كانت هذه الغزوات من القبائل المغولية السبب في تدمير دولة القلاع الإسماعيلية في عام ١٢٥٦.
 
سقطت بغداد عاصمة العباسيين فريسةً سهلةَ المنال بين أيدي المغول الذين واجه حكام المماليك تقدمهم غرباً في سوريا و مصر. وهكذا سَلِم الإسماعيليون في سوريا من بطش المغول. وجد العديد من الإسماعيلين الإيرانيين ملجأً لهم في أفغانستان وحوض نهر جيحون (الأكسوس) في أواسط آسيا وفي الصين وفي شبه القارة الهندية حيث تتواجد تجمعات اسماعيلية كبيرة تعود للقرن التاسع.
 
لقد كان على عاتق الإسماعيليين الذين بقوا في ايران حماية أنفسهم من الحكومات المعادية. ونظراً للطبيعة الباطنية لتراثهم والتي يشتركون بها مع جماعات من بين المسلمين السنة والشيعة فقد استضافت الطرق الصوفية الإسماعيلين بحفاوة. رغم أن أغلبية الطرق الصوفية السائدة في ايران في ذاك الوقت كانت من المذهب السني إلا أنهم جميعاً كانوا يكنون احتراماً فائقاً لعائلة النبي. احتفظت الدعوة الإسماعيلية أثناء هذه المرحلة بمرونتها. حيث أطلقت مراكز جديدة للعمل تحت توجيهات كل إمام في كل من شبه القارة الهندية وأفغانستان والمناطق الجبلية من هندوكوش وأواسط آسيا وأجزاء من الصين.
 
أعطى مجيء الحكم الشيعي في ايران في القرن الخامس عشر الإسماعيليين والشيعة الآخرين عدداً من الفرص. حافظ حكام الشيعة الصفويون في تلك الأثناء على علاقات صداقة مع الأئمة الإسماعيلين، حيث تزوج أحدهم من أميرة صفوية. فيما بعد وتحت الحكم الزندي لعب الأئمة الإسماعيليون دوراً هاماً في حكم اقليم كرمان.
 
الفترة الحديثة:
 
استقر الإسماعيليون في مجال واسع من الدول عبر العالم كنتيجة لحركات الهجرة وأنشطة الدعوة في تاريخ الجماعة الإسماعيلية. وكما تُمثل الأمة الإسلامية تنوعاً غنياً من الثقافات واللغات والوطنيات فالجماعات الإسماعيلية أيضاً تمتلك تنوعاً مماثلاً. يمكن تصنيف التقاليد الإسماعيلية في أربع مناطق جغرافية ومجموعات عرقية: سكان أواسط آسيا والفارسيون والعرب وسكان جنوب آسيا يوحدهم جميعاً ولائهم لإمامهم الحالي، الإمام التاسع والأربعين بالوراثة، الأمير كريم آغا خان. تضم أماكن تجمع السكان الإسماعيليين في إفريقيا اسماعيليين من شبه القارة الهندية بشكل رئيسي في حين أن الجماعات التي استقرت في الغرب حديثاً تشتمل على اسماعيليين من مختلف التقاليد المذكوره أعلاه.
 
بدأت الفترة الحديثة من التاريخ الإسماعيلي عندما هاجر الإمام السادس والأربعون، آغا حسن علي شاه، للهند في أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر. وكان أول إمام يحمل لقب آغا خان حيث منحه هذا اللقب الإمبراطور الفارسي فاتح علي شاه. في عام ١٨٤٨استقر الإمام في بومبي حيث أقام مقره الرئيسي. كان هذا الحدث ذو أثر كبير على الجماعات في الهند وعلى الحياة الدينية والإجتماعية لكل الإسماعيلين في العالم. ساعد الإمام الجماعات في الهند على اكتساب ثقة أكبر بنفسها وهويتها كجماعة مسلمة شيعية، ومكنها ذلك من ترسيخ الأسس لتقدمها الإجتماعي. شكل ذلك أيضاً بداية فترة من التواصل المنتظم بين الإمام وجماعاته المنتشرة بشكل واسع في العالم. حيث أتى ممثلو الجماعات إلى بومباي لتلقي توجيهات الإمام من أماكن بعيدة جداً مثل كاشغار في الصين وبخارى في أواسط آسيا وكل أجزاء ايران والشرق الأوسط والساحل الإفريقي ومناطقه النائية التي التي كانت محدودة السكان.
 
توفي الآغاخان الأول في عام ۱۸۸۱. خلفه في الإمامة ابنه الأكبر آغا علي شاه. حمل الإمام آغا علي شاه لقب الآغا خان الثاني وشُرِّف بلقب صاحب السمو الذي منحته الحكومة البريطانية أولا لوالده. ومتابعةً لما بدأه والده فقد شرع الآغا خان الثاني بمهمة التطوير الإجتماعي طويل الأمد للجماعات مع التركيز على التعليم. أسس عدداً من المدارس في بومباي ومراكز اسماعيلية أخرى. وعلى جبهة أوسع، خدم في المجلس التشريعي لبومباي وانتًُخب رئيساً لجمعية المسلمين الوطنية كتقدير لجهوده في التعليم وفي الأمور الخيرية الأخرى في سبيل فائدة مسلمي الهند عموماً، سنة وشيعة على حد سواء.
 
توفي الآغا خان الثاني في عام ۱۸۸۵حيث شغل منصب الإمام لأربعة أعوام فقط. وانتقلت مؤسسة الإمامة بعد ذلك إلى سلطان محمد شاه ابنه من شمس المُلك وهي حفيدة الملك الفارسي فاتح علي شاه. كان الإمام سلطان محمد شاه، الآغاخان الثالث في الثامنة من العمر عندما استلم مقاليد الإمامة. وفي التاسعة من العمر تلقى لقب الشرف سمو الآغاخان من الملكة فكتوريا.