الجماعة الإسماعيلية: الفترة المعاصرة

اهتم الآغا خان دائماً، كما اهتم جده، بتحسين أحوال المسلمين وبخاصة تأثير تحديات التطور السريع للعالم عليهم. تحدث الآغا خان مخاطباً المؤتمر الدولي عن سـيرة النبي محمد والذي انعقد في كراتشي عام ١٩٧٦ قائلاً إن حكمة خاتم أنبياء الله عليه السلام في السعي لإيجاد حلول جديدة لمشاكل لم يمكن حلها بإستخدام الوسائل التقليدية، تـُشكـِّل مصدر إلهام للمسلمين لتصور مجتمع عصري وحيوي حقاً، دون التأثير على المفاهيم الأساسية للإسلام.
 
منذ تولي الآغا خان الحالي الإمامة عام 1957 حصلت تغيرات سياسية واقتصادية كبيرة جداً في معظم الدول التي يقطنها الإسماعيليون. عدّل سموه نظام إدارة شؤون الجماعات الإسماعيلية المعقد الذي أنشأه جدُّه خلال الفترة الإستعمارية ليناسب عالماً جديداً من الدول المستقلة. في سياق هذا التغير كان السير سلطان محمد شاه آغا خان، والذي كان قد انُتخب رئيساً لعصبة الأمم مرتين، قد قدم تعبيراً عصرياً لدور الإمامة العام العالمي. تتابع الإمامة تحت قيادة الآغا خان الحالي تراث الحياد السياسي الصارم.
 
قال السير سلطان محمد شاه آغا خان في وصيته عندما عينه للإمامة في عام 1957:
 
"بالنظر للتغيرات الجوهرية في ظروف العالم..... وبسب التغيرات الكبيرة التي حصلت..... فإنني مقتنع بأن مصلحة الجماعة المسلمة الشيعية الإسماعيلية أن يخلفني رجل شاب أُنشئ وترعرع في العصر الحديث، يجلب معه لمكتب الإمام نظرة جديدة للحياة".
 
كان الإهتمام المباشر للآغا خان، لدى استلامه قيادة المسلمين الإسماعيلين، تحضير أبناء جماعته أينما عاشوا للتغيرات القادمة. لقد تَطلّب تغير الظروف وتطورها السريع مبادرات أكثر جرأة وبرامج جديدة تعكس تطلعات الأمم المتطورة.
 
كانت الغاية الرئيسية للرفاه الإجتماعي والبرامج الإقتصادية، حتى منتصف الخمسينات في أفريقية وآسيا والشرق الأوسط، هي تشكيل أرضية واسعة من رجال الأعمال والفلاحين وذوي الكفاءات. عملت المؤسسات التعليمية للجماعات على التأكيد على المستوى الثانوي من التعليم. لدى الإستقلال، غدا لكل أمة طموحات إقتصادية ذات أبعاد جديدة تركز على الصناعة وتحديث الزراعة. لقد توجب إعادة تقييم حاجة الجماعات التعليمية في سياق الأهداف الوطنية الجديدة.
 
تأثر الإسماعيليون عبر معظم أنحاء العالم المتحضر بالتغيرات الجذرية التي حصلت بالدول التي يعيشون يها. حصلت تغيرات سياسية كبيرة جداً في شبه القارة الهندية وجنوب شرق آسيا بعد حصول الدول على استقلالها الأمر الذي أدى لنشوء دول وطنية جديدة غالباً ما تبعه تنقل للجماعات السكانية.
 
لقد تأثرت الجماعات الإسماعيلية في بعض الدول الإفريقية بشكل مماثل. ففي عام 1972 وتحت حكم الرئيس عيدي أمين آنذاك، تعرض الإسماعيليون وغيرهم من الآسيويين للطرد رغم كونهم مواطنين يحملون جنسية البلد ويعيشون فيه منذ أجيال. كان على الآغا خان أن يتخذ خطوات مستعجلة ليسهل استقرارهم في مناطق أخرى، وبفضل جهوده الشخصية فقد وجد معظم المطرودين وطناً جديداً، ليس في آسيا وحسب وإنما في أوربا وأمريكا الشمالية أيضاً.
 
لقد تم تخطي معظم المشاكل المتعلقة بالإستقرار في البلدان الجديدة بسرعة مذهلة. يعود ذلك لقدرة الإسماعيلين أنفسهم على التأقلم وخاصة بأرضياتهم الثقافية وقدراتهم اللغوية بالإضافة لجهود الدول المضيفة والدعم المادي والمعنوي من قبل برامج الجماعات. تابعت برامج الجماعات عملها ولقد أُسند إليها في الحقيقة دور جديد لمساعدة الجماعات على المساهمة بشكل كلي بتطوير وتقدم الدول التي احتضنتهم.
 
أسس السير سلطان محمد شاه آغا خان مؤسسات تطور إجتماعية في شبه جزيرة الهند وباكستان بهدف "المساعدات الإنسانية". تضمنت مؤسسات مثل أمانة إستثمار اليوبيل الألماسي وشركة إستثمار اليوبيل البلاتيني والتي ساهمت بدورها في نمو عدة أنواع من الجمعيات التعاونية. تم إنشاء مدارس اليوبيل الألماسي للبنات في مناطق شمال الباكستان النائية. بالإضافة لذلك فقد تم تطوير وتوسيع برامج المنح الدراسية التي تم إنشاؤها في فترة اليوبيل الذهبي لمساعدة الطلاب المحتاجين. تم تشكيل مؤسسات رعاية إجتماعية ضخمة في شرق أفريقية بما في ذلك مشفى الآغا خان في نيروبي. تم تأسيس مؤسسات تطوير إقتصادية أيضاً في شرق أفريقية. لقد أصبحت شركات مثل أمانة إستثمار اليوبيل الألماسي (تعرف اليوم بمصرف أمانة الألماس في كينيا (Diamond Trust Bank of Kenya)) وشركة اليوبيل للتأمين والتي دخلت سوق البورصة في نيروبي، مؤسسات وطنية إقتصادية هامة.
 
تم إطلاق العديد من المشاريع التنموية الإجتماعية والإقتصادية الجديدة في بدايات الثمانينات من القرن العشرين. تراوحت بين تأسيس جامعة الآغا خان بكلية العلوم الصحية ومشفى تعليمي في كراتشي بتكلفة 300 مليون دولار أمريكي، بالإضافة لتشكيل مدرسة بنات ومركز طبي في منطقة الهونزا، وهي منطقة نائية من الباكستان تحدها الصين وأفغانستان، وحتى تشكيل برنامج الآغا خان للدعم الريفي في كجرات في الهند وتوسيع مشافي المناطق المدنية ومراكز الرعاية الصحية الأولية في تنزانيا وكينيا في شرق أفريقية.
 
شكلت هذه المبادرات جزءاً من شبكة عالمية من المؤسسات التي تشمل مجالات تتراوح بين التعليم والصحة والتطوير الريفي وفن العمارة ودعم منشآت القطاع الخاص. تُعرف بشبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) ولقد تم تأسيس هذه المؤسسات خلال الثلاثين عام المنصرمة وتشمل مؤسسة الآغا خان وجامعة الآغا خان وصندوق الآغا خان للتنمية الإقتصادية وأمانة الآغا خان للثقافة والتي تشمل برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية في جامعة هارفارد ومعهد ماساشوستس للعلوم التقنية وجائزة الآغا خان للعمارة وبرنامج دعم المدن التاريخية. تشمل الشبكة أيضاً خدمات الآغا خان الصحية وخدمات الآغا خان التعليمية والتي توفر الرعاية الصحية والتدريس وغيره من الخدمات التعليمية في جنوب آسيا وشرق أفريقية منذ بدايات القرن العشرين. يوجد وصف مفصل عن هذه المؤسسات والتي تمتاز بكونها مفتوحة للجميع بغض النظر عن الأصل أو العقيدة في كُتيّب شبكة الآغا خان.
 
بأخذ الأهمية التي يوليها الإسلام للتوازن بين الرفاه الروحي وبين نوعية حياة الفرد فإن توجيهات الإمام لمريديه تعالج كلا جانبي الحياة. شجع الآغا خان المسلمين الإسماعيليين على الإستقرار في العالم الصناعي ليساهموا بتطوير الجماعات في البلدان النامية من خلال العديد من برامج التنمية. لقد استقر المسلمون الإسماعيليون الذين ذهبوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، غالباً كلاجئين من آسيا وأفريقية، ضمن النسيج الإجتماعي والتعليمي والإقتصادي للمراكز الريفية والمدنية على إمتداد القارة. لقد تميز استقرار وتشكيل مؤسسات الجماعات لدى المسلمين الإسماعيليين في العالم النامي، كما في العالم المتحضر، بأخلاقيات الإعتماد على الذات والتأكيد على نشر فعل الخير.
 
يُلهم الإلتزام بكرامة الإنسان ومساعدة البشرية المؤسسات الخيرية للإمامة الإسماعيلية. إن مشاركة الآخرين ممن يعيش مع المسلمين الإسماعيليين بقدراتهم ووقتهم والإمكانات المادية والفكرية للمساعدة عند الضيق والألم والتجاهل، يشكل تقليداً راسخاً يقولب الضمير الإجتماعي عند الجماعات المسلمة الإسماعيلية.