Speech

الخطاب في اللقاء الاحتفالي في الذكرى المئوية: اتحاد الجامعات الأمريكية

سمو الآغا خان
واشنطن
الثاني والعشرون من نيسان عام 2001

خلق التغيير: تأملات في المشاكل المشتركة، والفرص المشتركة، والمسؤوليات المشتركة في التعليم العالي العالمي.

 

 
شكراً لكم أيها الرئيس فيست لكلماتكم النبيلة التي أوردتموها في التعريف عني، كما أشكركم جميعاً لترحيبكم الحار جداً. إنه لشرف لي أن أُدعى لأخاطب حشداً بارزاً كهذا من التربويين. إذا أمكن تحويل حاصل الذكاء إلى الكيلو واط، فلن يكون لدي أدنى شك بأن الكم المحتشد هنا الليلة سيواجه متطلبات الطاقة العالمية لعقد على الأقل.

أتيت إلى الولايات المتحدة للمرة الأولى في حياتي عام 1954، والتحقت بجامعة هارفارد كطالب في السنة الأولى. كانت تجربة لن أنساها أبداً. كان كل تعليمي الرسمي حتى ذلك الوقت باللغة الفرنسية، ومع أنني كنت قد درست اللغة الانكليزية فإن تمكني من اللغة لم يصل إلى متطلبات مناهج هارفارد. لحسن الحظ كان هناك كثيرٌ منا في الموقف نفسه فعمِلنا معاً لنجد قدر الإمكان النسخ الفرنسية للعديد من المواد المطلوبة للدراسة. كتبنا أبحاثنا باللغة الفرنسية وقمنا بترجمتها إلى الإنكليزية، وانتظرنا بقلق درجاتنا.

وفقاً لخاصة طبيعية، ومع أنني ولدت أستخدم اليد اليمنى، كان لدي الحظ الجيد أن آتي إلى هذا العالم أعسر القدم. كان لاعبو كرة القدم الذين يستطيعون أن يصوبوا بقدمهم اليسرى نادرين جداً في الولايات المتحدة تلك الأيام. ذلك يعني أنني كنت قادراً على أن أكون طالب السنة الأولى في فريق كرة القدم كلاعب جناح أيسر. كنا مجموعة مميزة، وقدمنا فصلاً لا بأس به، وحصلنا أيضاً على امتياز بوجودنا جميعاً بالنسبة لنا الموجودين على لائحة في مكتب العميد، حتى لا يختلط ترتيبنا مع قائمة العميد، مع أنه لم نكن مضطرين للتوضيح أن هذا الامتياز الرائع عائد لآبائنا. إنني مقتنع إلى يومنا هذا بأنني أدين بشهادة هارفارد إلى قدمي اليسرى.

أستطيع أن أخبركم أنني قضيت ليالي أرق كثيرة خلال السنة الأولى في هارفارد، وعندما كان يأتي النوم فإنه غالباً ما كان يترافق بحلمٍ (وربما كان الكابوس هو الأكثر دقةً). وفي الكابوس كنت أقف أمام شخص المسؤول الأعلى، فيؤنبني بكل معنى الكلمة عن أدائي، ويخبرني بأنني غير كفء لأكون عضواً في مجتمع الباحثين في هارفارد، بعد ذلك أُرسل إلى غرفتي لأحزم حقيبتي عائداً إلى وطني. ولكوني لا أعرف أي شيء عن بنية المؤسسات التعليمية أكثر مما كنت أعرفه عن مدرستي الداخلية في سويسرا، فقد كنت دائماً أظن بأن شخص المسؤول هو مدير المؤسسة، أو في حالة هارفارد رئيسها. لقد منحتني ذكريات الخوف التي شعرت بها عندما كان علي أن أواجه رئيس جامعة واحداً فقط آنذاك قليلاً من الراحة عندما تحضرت لمواجهة غرفة ممتلئة بكم هنا الليلة.

عندما عدت بأفكاري إلى ما قد أقوله في هذه المناسبة اتخذ الخوف القديم شكلاً جديداً. كيف استطعت أن أتجرأ على تقديم شيء ما يتعلق بموضوع التعليم العالي الذي كان جديراً بالدراسة، والتجربة، و المسؤوليات في التعليم العالي المتمثلة في هذه القاعة؟ لست مُدرباً كأكاديمي، ولم أنشر كعالم، ولست خبيراً كإداري تربوي. وبما أنني لست متأكداً أن ملاحظاتي ستفي بتوقعات لجنة البرنامج؛ قررت أن أتحدث عن تجربتي في العمل في مجال التطوير الاقتصادي والاجتماعي في مناطق آسية وأفريقية طوال الأربعين سنة الأخيرة.

إن عدداً من القضايا التي سأتحدث عنها قد تم تناولها من قبل لجنة التعليم العالي التي دعاها منذ سنتين البنك العالمي واليونيسكو لعقد اجتماع شارك في ترؤسه البروفيسور هنري روسوفيسكي الذي تحدث إلينا ظهر هذا اليوم حديثاً مؤثراً. سأوضح وأتوسع في هذه القضايا من خلال تناول تجربة المؤسسات التي تشكل شبكة الآغا خان للتنمية والتي تعمل في مناطق التجمع الكبير لفقراء العالم، في آسية الوسطى وجنوب آسية، وجنوب الصحراء الكبرى الأفريقية. لم يكن الهدف أن "ننفخ في بوقنا" ولكن أن نركز على مشاكل وفرص محددة، وأن نقدم نماذج ودروساً يمكن أن يستفاد منها من خلال تجربتنا في العمل في ظروف غالباً ما تكون صعبة جداً نظراً لانهيار الاقتصاد، والاستقرار السياسي، والصراع المدني. آمل أيضاً أن أتمكن من إقناع المؤسسات في كلا العالمين النامي والصناعي أن تجتمع معاً للعمل على بعض المناطق ذات المشاكل، والفرص، والمسؤوليات المشتركة.

ولغير المطلعين على عملنا، سأشير إلى أنه في حين أصبحت نشاطات شبكة الآغا خان للتنمية متجذرة في المجتمع الإسلامي الإسماعيلي الشيعي على نطاق عالمي؛ فإن برامجها ونشاطاتها في كل موقع مفتوحة للجميع بغض النظر عن الانتماء الإثني، أو الأعراق، أو الجنس، أو الدين. وفيما يتعلق بسياسة الشبكة فلا تقدم أي من مؤسسات الشبكة التعليمية تدريساً دينياً ما لم يكن مطلوباً في المنهاج الوطني.

إن التعليم النوعي في جميع المراحل كان ولا يزال مهماً بشكل أساسي في كل المجتمعات وفي كل الأزمان. يمنح التعليم في العالم النامي الفقراء فرصاً لمستقبل جديد، ويمنح النساء وضعاً أفضل وأدواراً جديدة ضمن عائلاتهن ومجتمعاتهن، كما يمنح المهاجرين ذخراًً يحملونه، واللاجئين ذخراً يحملونه وآمناً في الوقت نفسه. لهذه الأسباب فإن مؤسسة الآغاخان للخدمات التعليمية قد أدارت لسنوات عديدة عدة مئات من المدارس في أفريقية الشرقية، وآسية الوسطى وجنوب آسية، وكثير منها في أماكن معزولة، مع اهتمام خاص بتعليم الفتيات. أقول هذا لأن بقية ملاحظاتي هذا المساء ستركز على التعليم العالي ولا أريد أن يُفهم مني ولو ضمنياً، أنني مؤمن بأن المدرسة الابتدائية والثانوية أقل أهمية. إنها أساسية لوجود مجموعة مطلعة من المواطنين في كل مكان. إن التعليم المدرسي المرحلي النوعي مهم خصوصاً في العالم النامي حيث تتمكن نسبة قليلة فقط من السكان من الالتحاق في أي وقت بالجامعة، وحيث النمو السكاني يتسارع بشكل كبير أكثر من اتساع قدرة جامعاته. أخيراً فإن النظام المدرسي له دور حيوي يقوم به في إعداد أولئك الذين يتابعون بالفعل دراسات متقدمة ليحققوا الفائدة الكاملة من تلك الفرصة. إنه النظام المزود للتعليم العالي ولذلك لا يمكن تجاهله.

إلا أن التعليم العالي له أهمية خاصة بسبب التغيير الذي يمكن أن يحدثه من خلال تطوير نماذج ومعايير جديدة لمؤسسات أخرى في المجتمع، ومن خلال ترسيخ مهارات التفكير النقدي في أذهان طلبته ، وكذلك التحليل وحل المشاكل مدعماً بإدراك قوي لطريقة التفكير الأخلاقية، والمبادئ الأخلاقية، واحترام الآخر. وفي حين أن عالمنا قد يتغير إلى درجة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني فليس كل هذا التغيير إيجابياً. التغييرات السلبية كثيرة؛ مجتمعات ممزقة كما يظهر من خلال العنف الذي نراه في كثير من مناطق العالم اليوم. التغيير الإيجابي الدائم هنا يتطلب مؤسسات قوية على مستويات المجتمع كافة، والتطوير المؤسساتي يتطلب نماذج وقيادة مستنيرة وقادرة. يقدم تقرير لجنة التعليم العالي عدداً من الملاحظات والتوصيات الهامة في معاينتها للتعليم العالي في العالم النامي. ومن بين أهم الملاحظات من وجهة نظري تلك التي تتعلق بالتعليم العالي كمصلحة عامة، وإعادة تقويم العائدات العامة في الاستثمار في التعليم العالي. هذه النتائج تدعم توصية اللجنة من أجل استثمار أكبر في مجال التعليم العالي في العالم النامي من قبل الحكومات، ومنظمات التطوير العالمية، والمبادرات الخاصة.

الأسئلة التي تُسأل بكثرة عادة عندما يكتشف الناس أنني أؤسس جامعة جديدة: "كم طالباً ستضم" و"متى سيبدأ إنشاء المباني؟" من وجهة نظري يجب أن تكون الأسئلة كما يلي:

  • "إذا أخذنا بعين الاعتبار كل المشاكل السائدة في ذلك البلد، وكل الجامعات الموجودة هناك، فلماذا البدء بجامعة أخرى؟"
  • "ماذا ستدرس هذه الجامعة؟"
  • "ما هي توقعاتكم بالنسبة للتأثير الذي ستتركه هذه المؤسسة وماذا سيلقى الخريجون؟"
  •  أخيراً" إلى أي مدى يمكن ضمان مواردها المالية مع مرور الوقت؟"

أعتقد أن لدى مؤسسات التعليم العالي فرصاً أكبر لتحقيق النجاح لطلابها والازدهار لمجتمعاتها التي تعمل لأجلها وذلك عندما تركز على أربعة عوامل: النوعية، وملائمة الوضع، والتأثير، والموارد. إن قرار إنشاء جامعة الآغا خان (أوAKU كما يُشار إليها) كأول جامعة خاصة في باكستان منذ أكثر من عشرين سنة قد اتُخذ في ظروف متدهورة لنوعية التعليم العالي في العالم النامي. كان يجب على جامعة الآغا خان بوصفها جامعة خاصة أن تبقى صغيرة، ولكن لتبرير الاستثمار فيها كان عليها أن تصبح نموذجاً يُحتذى به لبلد يضم أكثر من 120 مليون نسمة. لاتخاذ هذه المكانة والاحتفاظ بها كان على جامعة الآغا خان أن تكون مؤسسة نوعية ليس فقط بالنسبة إلى عروضها الأكاديمية لكن أيضاً بالنسبة لسياساتها في المساعدات المالية، والقبول، والإدارة، والازدهار المالي. إن استقطاب أعضاء مجلس الجامعة ممن هم ذوو مكانة عالمية في مجالات التعليم والتنمية قد كان له دورٌ أساسيٌ في هذا المسعى.

تم تحقيق التميز الأكاديمي من خلال الاختيار الدقيق لهيئة التدريس، والإدارة، وتعزيز الشراكات مع المؤسسات الهامة في الغرب وكثير منها ممثلة في هذه الغرفة مثل هارفارد، وجونز هوب كنز، وماك ماستر، وتورنتو، وأوكسفورد، وأيضاً مع مؤسسات في آسية ممثلة بالجامعة الوطنية في سنغافورة.

لكن النوعية ليست كافية لتبرير دعم المانحين، والمجتمع، والسلطات في دولة نامية؛ فعروض الجامعة يجب أن تكون مناسبة أيضاً. وتبعاً لدراسة تمت بمساعدة جامعة هارفارد قرر مجلس جامعة الآغا خان تركيز جهوده الأولية على معالجة النوعية المتواضعة جداً من الخدمات الاجتماعية في باكستان والكثير من العالم النامي. واليوم لدى كلية العلوم الصحية بما فيها التمريض و معهد التطوير التربوي تأثير أوسع من تدريب الطلاب في المراحل المتقدمة في ميادينها الخاصة. لقد منحت وضعاً جديداً وتقديراً للنساء المحترفات اللواتي يشكلن الغالبية الساحقة من المعلمين والممرضين في المنطقة. لقد طور قسم العلوم الصحية التابع للكلية الطبية نموذجاً رائداً للتعامل مع المجتمع كمريض أكثر من كونه مجموعة من الأشخاص تعرض نفسها للرعاية الطبية. إن خمس المدة الزمنية لمنهاج طلاب الطب يصرف على العلوم الصحية الاجتماعية. ويشارك طلاب التمريض بجزء من هذا النشاط ويحصلون على خبراتهم التعليمية في مناطق البلد الريفية.

يمكن أن يُقاس تأثير ونوعية الجامعة أيضاً من حقيقة أنه طوال الخمسة عشر سنة الماضية أقرت هيئة منح الترخيص المهني الباكستانية بأن جميع الكليات الطبية في باكستان عليها أن تتخذ نموذج جامعة الآغا خان للتعليم الطبي المرتكز على أساس المجتمع. كما تبنت جمعية التمريض الباكستانية منهاج جامعة الآغا خان للتمريض أيضاً. كما تركز البحث على تلك الموضوعات ذات الصلة المباشرة بالموضوع والتي لها نتائج تؤثر على المجتمع. وبخصوص معهد التطوير التربوي التابع للجامعة، فإن أكثر من نصف الدارسين يأتون من مؤسسات حكومية. ومن هنا فإن تأثير المعهد ليس واضحاً فقط في التحسينات في القاعات الصفية، وإدارة المدارس الحكومية، لكن أيضاً في تطوير السياسات الحكومية الرئيسية حيث يُدعى المعهد للمشاركة فيها بشكل دوري.

هذا هو نوع الدور الذي يمكن أن تؤديه جامعة خاصة صغيرة ذات علاقات دولية قوية إذا ركزت على النوعية، والملاءمة، والقدرة على التأثير واختارت الفرص لتشارك بخبرتها ومواردها البشرية المؤسسات الأخرى والمجتمع ككل. الأمثلة والنماذج والخريجون المدربون بشكل جيد يمكنهم أن يساهموا بعمل مفيد لعدد ضخم من المدارس، والجامعات، والعيادات الطبية، والمشافي التي توجد في بلدان مثل باكستان لكنها غالباً ما تعمل في مستويات أدنى بكثير من إمكانياتها، وتلك الضرورية لمواجهة متطلبات البلد.

أود الآن أن أنتقل إلى مجال آخر ذي أهمية كبرى بالنسبة للتعليم العالي في العالم النامي. وأشير هنا إلى التقدم السريع في عالم الاتصالات وتقنية المعلومات للسنوات العشر إلى الخمسة عشرة الأخيرة التي قد فتحت مشهد التوسع المثير للارتباطات الدولية ووصول البرامج التربوية مكانياً و زمانياً. هذا الموضوع هو على جدول أعمال الغد، وهو أكثر ملاءمة لتجمع دولي كهذا لقادة تربويين. إن حقيقة كون الدلائل على تأثير الاتصالات وتقنيات المعلومات على دور وبنية وعمل الجامعة، كما عرفناها، لاتزال في بداية الظهور. لكن تطورها مهم بالنسبة للجامعات في كل مكان في العالم حتى مع أن التطبيق قد يختلف في وقت ما في المستقبل القادم.

إن المقدرة على تخطيط البرامج والنشاطات على امتداد مسافات كبيرة تستطيع أن تجلب فرصاً وموارد تعليمية إلى المواقع التي تُطوَّر على نحو هزيل في الوقت الحاضر، بسبب القيود المالية، أو العزلة الكاملة. وفي الأماكن التي يكون لدى الأشخاص منفذ إلى الحواسيب في بيوتهم، أو كما سيكون الحال في المناطق الريفية في البلدان النامية في وقت ما في المستقبل القادم، في المراكز الاجتماعية، فيمكن للتكنولوجيا أن تقدم الفرصة الحقيقية الأولى للتعليم المستمر مدى الحياة على نطاق واسع. يوجد درس واضح. إن البراعة في استخدام المبادئ الأساسية في الاتصالات وتقنية المعلومات ستكون جزءاً من تجربة كل طالب جامعي عاجلاً أكثر منه آجلاً. يجب أن يحتل استخدام التقنية موقعاً في العملية التربوية بحد ذاتها، ومعرفتها الكاملة يجب أن تكون على لائحة الكفاءات التي يجب على كل خريج أن يمتلكها.

لكن هذه هي الخطوة الأولى فقط. فحتى في الولايات المتحدة، المؤسسة والقائدة لعملية تطوير واستعمال تقنية المعلومات والاتصالات، فإن إدراكها لإمكانياتها بالنسبة للتعليم ما يزال في مرحلة مبكرة جداً. منذ بضعة أسابيع أثار هذه النقطة كل من لورانس كروسمان الرئيس السابق لوكالة أنباء NBC وقسم الإذاعة العامة، ونيوتن مينو الرئيس السابق لوكالة الاتصالات الفدرالية وPBS في صفحة تعبر عن وجهة نظرهما الشخصية بعنوان "على الولايات المتحدة أن تستثمر في مكتبة رقمية" صدرت في صحيفة هيرلاد تريبيون الدولية. وفيها يقدمان توصية في عنوان المقالة بالإشارة إلى أن "...الإنترنيت والاتصالات الرقمية مفقودة بشكل كبير في أمريكة كمورد لنوع التعليم الواسع الذي يتطلبه المستقبل" حيث "التسلية ذات النوعية المبتذلة تسيطر على المحاولات التجارية في الإنترنيت للوصول إلى جمهور واسع" بينما في الوقت نفسه "تُقفل الكنوز في الولايات المتحدة، والمكتبات، والمدارس، والمتاحف طلباً للمال لتجعلها متاحة للجمهور الأمريكي بكامله."

لقد اقتبست هذه المقالة بشكل مطول نسبياً ليس لأدافع عن الحل الذي قدمه كل من مينو وكروسمان_ مع أنني أعتقد أنه يخلق فهماً كبيراً بالنسبة للولايات المتحدة، وسيكون أيضاً هدية لا تقدر بثمن إلى باقي العالم، وسبباً للسلام العالمي. أقوم بذلك لأنه يفسح المجال بشكل واضح جداً ومرجعي أمام خطوات خلاقة وواقعية ربما تؤدي إلى استخدام أكبر للإنترنيت لأهداف تربوية. إنها ليست مسألة حل كوني فردي، وإنما هي بالأحرى سلسلة واسعة من المبادرات. اُبتكرت الإنترنيت في مؤسسة دولية للأبحاث في سويسرا كوسيلة لجعل المعلومات ونتائج الأبحاث متاحة بسرعة وبدون تكلفة للعلماء حول العالم. إن على مؤسسات التعليم العالي مسؤولية بالمشاركة في عملية تطوير وتوجيه استخدام الإنترنيت للأهداف التربوية في مجتمعاتها وحول العالم.

في ندوة بعنوان "تعليم فن العمارة اليوم" أقيمت في سويسرا منذ أسبوعين، قدم ويليام ميتشل، عميد كلية التخطيط والعمارة في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا والخبير في استخدام الإنترنيت لمجموعة كبيرة من الأهداف، قدم خلاصة رائعة عن بعض فوائد وأضرار استخدام الإنترنيت في التعليم عن بعد. صرح أن الجدل الذي يركز على التعليم التقليدي ضد التعليم عن بعد يُصاغ بشكل خاطئ. المسألة هي الفوائد والأضرار النسبية - بما فيها التأثير، والكلفة – واستخدامها التكميلي.

إن التعليم عن بعد له مضرة كونه لا يقدم القيمة المضافة التي تأتي من القرب من المدرس، وتبادل المفاهيم البناءة مع الطلبة الآخرين في غرفة الصف أو في المؤسسة التعليمية. ولأن المستخدمين يحتاجون إلى تسهيلات وتدريب ليستفيدوا منه، ويكيفوه مع احتياجاتهم، فإنه يتطلب نفقات عالية وخصوصاً في البداية. وعلى الصعيد الإيجابي، فإن التعليم عن بعد له فوائد من ناحية المستوى. إنه يرفع بشكل مثير إمكانية الوصول إلى المجتمعات القروية المنتشرة والتي ماتزال تمثل الغالبية العظمى من التعداد السكاني في العالم النامي، كما يزيد من إمكانية استقدام خبرة مستوردة إلى بيئات معزولة ونائية، ويخلق فرصاً للخبرات المتعددة الثقافات، ويجعل التعاون اللامحدود ممكناً للمتخصصين في مواقع متناثرة. يؤكد دين ميتشل بأن جهوداً كهذه يمكن أن تحصد فوائد لما يسميه" العولمة القائمة تربوياً" والتي تحترم وتجسد التنوع الفكري والتعددية الثقافية.

الأمثلة أكثر دلالة من هذه التعميمات. سأقدم أيضاً حالتين مختلفتين عن الجهود التي تبذلها مؤسسات شبكة الآغا خان للتنمية لجعل استخدام الإنترنيت للأهداف التعليمية أكثر فاعلية.

أولاها هي مشروع لتطوير المورد الأساسي للشبكة العالمية الواسعة لإغناء المعلومات المتاحة لطلاب العمارة، والمدرسين، والباحثين، والخبراء المهتمين بفن العمارة في العالم الإسلامي. يعتمد هذا المشروع على25 سنة من البحث الثقافي، والتعليم، والإحياء من قبل برنامج الآغا خان للعمارة الإسلامية في هارفارد، ومعهد ماساشوستس للتكنولوجيا MIT، وبرامج ما يسمى الآن مؤسسة الآغا خان للثقافة في جنيف.

أُطلقت تلك المبادرات بعد سلسلة من الاستشارات مع باحثين في فن العمارة، وحرفيين من كل الأديان، ومن أجزاء مختلفة من العالم جُمعوا معاً لمعالجة الفجوة الكبيرة في المجتمعات الإسلامية بخصوص واحد من أكثر العناصر أهمية بالنسبة لهوية المجتمعات وتراثها، إنها بيئتها المبنية. في ذلك الوقت، كان هناك فراغ حقيقي، وقليل من المعرفة، ولم يكن توجد مراكز للدراسة والتدريب المهني، ولا مجموعات من الموارد البصرية والنصية لإحدى أعرق الحضارات في التاريخ بالنسبة لفن العمارة. كانت وجهة النظر المسيطرة هي أن التحسينات في نوعية الحياة تطلبت تبني رمزية وأسلوب الدول والمجتمعات التي اُعتبرت "متقدمة". وبعد 25 عاماً تم إنجاز تغيير كامل. ليس فقط بجعل الداعمين الرعاة والخبراء يدركون ويتقبلون هذا الشكل الهام من التعبير الثقافي؛ بل إن عمليات تقييم المباني المشادة في بلدان مختلفة أظهرت وشرّعت تنوع التعبير التي لم يكن حتى العالم الإسلامي نفسه مدركاً لها.

إن نشوء الشبكة العالمية الواسعة (WWW) كوسيلة تسمح لهذه الجهود في التعليم العام والمهني في السنوات الخمسة والعشرين الأخيرة باكتساب مستوى جديد كلياً. إن المشروع، المسمى ArchNet، هو في دور التطوير في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا MIT والموعد المحدد لانطلاقه هو أيلول. سيجمع ويوفرالمعلومات المرئية والنصية المتاحة معاً، والمجموعة في مجموعات في كامبردج وجنيف. وبغض النظر عن الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة في المقارنات، فإنه فقط مثال لنوع من تخزين المعلومات رقمياً للمادة المتعذر الحصول عليها وهو الموضوع الذي ناقشه كل من كروسمان ومينو.

لكن المثال لا يتوقف هنا. ليس كافياً ’إغراق‘ المجتمعات حول العالم بالمعلومات ببساطة حتى لو كانت، كما في مثل هذه الحالة، مجتمعات للخبراء المتدربين. وكجزء متمم لمشروع ArchNet زُوِّدَ المستخدمون بمساحة على الموقع ليعرضوا أعمالهم الخاصة، وليتواصلوا مع أعضاء مشروع ArchNet الآخرين، وليشاركوا في مناقشات غير رسمية لمواضيع من اختيارهم تناسب الهدف العام للمشروع، وليشتركوا في مناقشات منظمة تتضمن مواقع مصممة بتعاون الجميع. وبشكل متساو من حيث الأهمية، فيمكن للمدارس والدوائر المختصة بالعمارة التي تهتم بالعالم الإسلامي أن تقيم أقساماً على الموقع لعرض برامجها، ونشاطاتها، ومجموعاتها من المواد النصية والمرئية. خلال الفترة التطويرية لشبكة ArchNet دُعيت مؤسسات من ماليزيا، والهند، وباكستان، وتركيا، ولبنان، ومصر ، والأردن للمساعدة في تأسيس هذا الجانب من الموقع. وحالما يتم افتتاح الموقع رسمياً، قد تسارع مؤسسات أخرى إلى الانضمام إليه. وسيبذل جهد خاص لضم كليات متخصصة بالعمارة في آسية الوسطى وجنوب الصحراء الأفريقية.

ومثالي الثاني يرتبط بجامعة آسية الوسطى الجديدة. فقد وقعتُ في الصيف الماضي معاهدة دولية لتأسيس الجامعة بالنيابة عن الإمامة الاسماعيلية مع رؤساء كل من طاجكستان، وقرغيزستان، وكازاخستان. تُكرَسُ الجامعة لمواجهة مشاكل الفقر، والتخلف، والانحدار البيئي في منطقة الجبال الفسيحة والواسعة المنسية في آسية الداخلية. أعتقد أن تنفيذ ذلك سيشكل مساهمة هامة لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة من خلال مواجهة بعضٍ من أكثر المشاكل أهمية والتي تدمر المنطقة في الوقت الحاضر مثل: الفقر، والعزلة، والشعور العميق باليأس.

ستقدم جامعة آسية الوسطى التدريب والبحث في المشاكل والتوقعات بالنسبة لمناطق آسية الوسطى الجبلية، وبالنسبة إلى للعشرين إلى الثلاثين مليون نسمة الذين يقطنون هناك. المؤسسة الجديدة، التي ستبدأ بتقديم دورات تعليمية متواصلة هذه السنة ستكون خاصة وعلمانية، ستستقطب الطلاب وهيئة الكلية على أساس الجدارة والكفاءة، وستفتح المجال أمام الرجال والنساء على حد سواء. سيؤسس مبنى الجامعة الرئيسي في جنوب شرق طاجاكستان، في بلدة خورغ على نهر بانج الذي يعتبر كحدود دولية بين طاجاكستان وأفغانستان. وستفتتح الكليات التابعة للجامعة في مواقع جبلية في قيرغستان، وكزاخستان، وفي الدول الأخرى في المنطقة التي يقرر شعبها الانضمام إلى الجامعة في السنوات القادمة.

وبناءً على مواقع الجامعة ورسالتها، لم يكن هناك خيار غير العمل على استخدام سريع للتطورات الحديثة في تقنية المعلومات والاتصالات. هذا صحيح خصوصاً بالنسبة إلى برامج منح الدرجات العلمية والتي ستبدأ بمنح درجة الماجستير في الدراسات الجبلية المتكاملة في ثلاث سنوات، ودرجة البكلوريوس سريعاً بعد ذلك. ستدرّس هذه البرامج باللغة الإنكليزية، وسوف تستفيد بشكل كبير من قواعد البيانات في الحاسوب والموارد البشرية المتخصصة في الدراسات الجبلية لتكمل الطاقم التدريسي المدعم محلياً والمدرب تعليمياً. وما قد لا يعرفه معظمكم أنه توجد مجموعة صغيرة ومتفانية من المتخصصين حول العالم لكنها متبعثرة إلى حد بعيد وهذه المجموعة مختصة بدراسة الجبال وسكانها، تُحدد هويتهم باسم "المافيا الجبلية". ستمد خبرتهم ومعرفتهم نوعاً من الموارد البعيدة، التي يمكن أن استيرادها، وإن تفاعلهم مع الطلاب والهيئة التدريسية خلال الزيارات الصيفية وطوال السنة عن بعد سيضع الأساس من أجل نوع من "الحوار المتعدد الثقافات" الذي يتصوره دين ميتشل.

هناك موضوع أخير أود الحديث عنه ببضع كلمات. إن بناء القدرة على التفكير الأخلاقي، والحكم الأخلاقي هو الهدف الذي يظهر في وثائق المؤسسة في العديد من الجامعات الأكثر قدماً وشأناً في العالم. وإني لعدد من الأسباب أشعر بالقلق لأن اهتماماً غير كاف يوظف لتطوير هذه المقدرات الهامة وأن الوضع ربما يتفاقم في السنوات القادمة.

التقدم الذي قد حدث مؤخراً في العلوم- مثل علوم الأحياء والهندسة التي تشكل الأساس لتقنيات المعلومات والحاسوب- مهم للتنمية الاقتصادية وجذاب بالنسبة للطلاب والباحثين. أنا أرحب بهذه التطورات لكنني قلق لأنها ستحتل مساحات المنهاج المكرسة لدراسة التراث الإنساني العظيم الذي تطور في كل الحضارات طوال التاريخ الإنساني. يساهم الكشف عن هذا التراث في تكوين القيم بالإضافة إلى فهم غنى وتنوع التجربة الإنسانية. إن تعقيدات المشكلات العالمية والمجتمعات اليوم تقتضي وجود أشخاص دارسين للتراث الإنساني الواسع بالإضافة إلى الإرشاد والتوجيه اللذين تقدمهما تعاليم دينهم. إن تاريخ القرن العشرين متخم بالأمثلة عن خطر الانتشار المنظم والقبول اللاواعي للعقائد، والإيديولوجيات، وحتى الأنظمة اللاهوتية. أعتقد أن الجامعات تتحمل المسؤولية أكثر من أي وقت آخر في المساهمة في عملية بناء المقدرة على الحكم الأخلاقي في المواقف المعقدة. وهذا مجال أخر حيث الجامعات القائدة في العالم تستطيع الاستجابة كل بمفردها وجماعياً للفرصة المشتركة والمسؤولية المشتركة.

سأختم بالعودة باختصار إلى بعض المواضيع الأساسية. يعمل التعليم العالي في العالم النامي تحت ضغوط هائلة لا توجد حلول سهلة لأجلها. تستطيع المؤسسات الخاصة أن تساهم من خلال التجريب ومن حيث تنجح كنماذج. إن الروابط بين المؤسسات أساسية لهذه العملية وخصوصاً العلاقات الدولية.

يجب أن يكون لتحديد المصادر الجديدة لتمويل التعليم العالي أولوية حاسمة. تجد الحكومات الوطنية في العالم النامي صعوبة كبيرة في مواجهة وجود ميزانيات التعليم، هذا عدا عن الاعتماد المالي الإضافي المطلوب للتوسع من أجل احتواء العدد المتنامي للسكان ، ولمعالجة المشاكل المتراكمة، ولتقديم برامج جديدة. إن المؤسسات العالمية، العامة منها والخاصة ستساعد، لكن ضمن حدود. إن تحديد ميزانية القطاع الخاص أمر أساسي، كما أن خلق مناخ من التشريعات والخدمات التي تشجع الشركات الخاصة لدعم مؤسسات التعليم العالي أساسي أيضاً.

لقد ذُكر بأن الإنترنت تشكل التطور الأكثر أهمية بالنسبة للتعليم منذ اختراع الآلة الطابعة. لكن بالنسبة للوقت الحاضر فإن استخدامه يقل بشكل عام لأهداف تربوية. يجب على الجامعات حول العالم أن تتولى مهمة تطوير المواد التعليمية، والموارد، والبرامج بالنسبة للشبكة العالمية الواسعة الإنترنت WWW. يجب أن تضم أصواتها إلى منتقدي القوانين والسياسات التي تعترض على استخدام الشبكة العالمية الواسعة للأهداف التعليمية لصالح المصالح التجارية.

دعونا نتذكر الدور التاريخي "للجامعة" في دراسة تراث العالم الإنساني العظيم وتفسيره ونقله. إن بحثنا عن السلام العالمي في عالم مزدحم ومترابط، مع توقعات لازدياد وتزاحم، يحتاج إلى الفهم والإدراك العميق والأخذ بهذه الدروس الكثيرة أكثر من أي وقت آخر في الماضي.

وشكراً.