Speech

المهمة التي تقع على عاتق عصبة الأمم

كلمة فض الجلسة أمام عصبة الأمم
السير سلطان محمد شاه آغا خان
السادس من تشرين الأول، جنيف 1937، سويسرا




أيها السيدات أيها السادة؛

لقد أوشك عملكم على الانتهاء، ولكن مازال لدي واجب لأنجزه.

كرئيسٍ لعصبة الأمم فقد أُلقيتْ على عاتقي مسؤولية التعبير عن الامتنان العميق للوفود الممثلة المجتمعة هنا ولكنني لن أعتبرها وكذلك أنتم إجراءً رسمياً بحتاً. كما وأعبر عن امتناني الشخصي للأمين العام المحترم السيد فينول وطاقمه لجهودهم الكبيرة بالإضافة إلى شعوري بأنني مدينٌ شخصياً للموظفين الذين التحقوا بالمكتب الرئاسي لمساعدتهم التي لا تقدر بثمن، وإنني لأنتهز هذه الفرصة لأشكرهم جزيل الشكر. الشكر لهم كما الشكر لكم أيها السيدات والسادة فقد كانت مهمتي غير قاسية ودمثة بالفعل.


والآن دعوني أنتقل لعرض أكثر المهام جسامة والتي قد كانت من نصيبكم.


لقد كانت مهمتكم هذه السنة من ثلاث أوجه؛ فعلى الصعيد الإنساني، سعت الجمعية لتحفيز عمل منظمات العصبة الذي تواصل بتنوع غير محدود رغم الظروف غير المُبْشِّرة. إن ذلك العمل مستمر وهو ذو تنوع غير محدود. إن كل ما يصب في خدمة خير الإنسان بالإضافة إلى جوانب أخرى هو تقريباً من صلب عملنا فقد كان الاهتمام بالمشاكل الكبيرة التي تتعلق بالصحة، والنقل، و التعاون الفكري، والإصلاح الجنائي وإصلاح نظام العقوبات، والتجارة بالعقاقير الخطيرة؛ ورغم تنوع هذه النشاطات فقد اعتمدت جميعها على مبدأ واحد ألا وهو خدمة الإنسانية.


تقدم العصبة و في كل مكان تتواجد فيه برهاناً على توقها لتقديم العون فهي توظف مواردها في التخطيط والتنفيذ والخبرة الكبيرة التي قد كسبتها خلال سبعة عشر عاماً من العمل والبحث الجادين لخدمة أي حكومة بغض النظر عن كونها عضواً في عصبة الأمم أم لا، وبالتالي في خدمة العالم أجمع.


بالنسبة للعديد من الأشخاص، تبدو المشكلات الحرجة والكبيرة في وقتنا هذا وكأنها تفرض حلاً ما أو في الواقع تقدم مُسْكناً ما للقلق العالمي والذي يعتبر خارج نطاق سيطرتنا الحالية. لقد قمت شخصياً بالوقوف وبثبات ضد مواقف اليأس والتشاؤم هذه. كما قامت عصبة الأمم بخدماتٍ حقيقية للإنسانية من خلال الانغماس في البحث الإنساني المنطقي والمعقد للمشاكل العالمية في كل من عالمي الاقتصاد والمال. قد يجادل البعض بالقول أن تبادل الآراء هذا لا يمكن تسميته إنجازاً وهو ما أختلف معهم فيه. عندما يتم تقاذف كرة المسؤوليات إلى الخلف والأمام بين السياسة والاقتصاد؛ فإن التعبير الصريح عن وجهات النظر من خلال ممثلي العديد من الشعوب هو ذو أهمية حقيقية. لقد انبثقت وبشكل تدريجي مبادئ عامة ودائمة، تعززت من خلال مناقشاتنا. وهنا تكمن الأسس الجوهرية والحقيقية لبدء مباحثات مستقبلية تعطي هذه المبادئ قالباً ملموساً.


إن توزيع المسؤولية بين السياسة والاقتصاد هي من أكثر المعضلات التي نواجهها صعوبة. فرجل السياسة يقول: "أعطني دوراً اقتصادياً كاملاً وسوف أمارس سياسة سلمية"، بينما يقول رجل الاقتصاد: "كيف يمكن أن أتبع سياسة ثابتة إذا لم تمنحني دوراً سياسياً كاملا"ً. لقد تدهور عمل الجمعية لتضع نفسها في حيرة بين خيارين غير مرغوب بهما لهذه الأزمة التشاؤمية. لقد تم إنجاز ما يمكن إنجازه على نحو ملائم ضمن الظروف الحالية المتاحة للجمعية في المجال الاقتصادي، وهذا ما حدث بالنسبة للمجال السياسي. إن استغلال الجمعية للفرص المتاحة، وتحمل مسؤولياتها جعلها تبدأ العمل بعزم لمواجهة تلك المشاكل الخطيرة التي تحاصر المجتمع الدولي برمته في يومنا هذا. ومن هذا المنطلق فإن مناقشاتنا حول المشكلة الاسبانية، وقضية الانتداب، والوضع الحرج في الصين هي برهان بليغ عما نقوم به.


كان ذلك الجانب الثاني لعملكم في هذه الجلسة، ودعوني أتحول إلى الجانب الثالث. إن استعلامكم حول تطبيق مبادئ الميثاق يُظهر إدراك الجمعية لحاجة عصبة الأمم للتكيف مع المتغيرات التي ترتبط بتطورها الذاتي. ينكركل من خصوم عصبة الأمم، الذين يجدون في كل مشكلة جديدة سبباً إضافياً للشك فيها، بالإضافة إلى أصدقائها غير الصبورين الذين يتخذون من هذه الصعوبات ذريعة لرفع سقف التوقعات، الدلالة التي تكمن في كل حقيقة واقعة ألا وهي وجود وكينونة عصبة الأمم.


تذكروا كيف تشكلت عصبة الأمم بعد الحرب مباشرة عندما كان العالم يعم بالفوضى، وكيف مرت بسلسلة أزمات متعاقبة الواحدة تلو الأخرى منها السياسي والاقتصادي وأزمات أخرى ليست من صنع العصبة نفسها بل نتيجة الأوضاع السائدة قبل الحرب - وبالتالي فترة ما قبل عصبة الأمم - والتي لم يكن هناك مفر منها. تذكروا ما تم إنجازه خلال سبعة عشر عاماً لإعادة بناءعالم مدمربشكل تدريجي، وكيف لم ننسَ أهداف عصبة الأمم، والمرونة الكافية التي أظهرتها حتى الآن لتحافظ على غايتها دون أن تُمس بأذى من خلال كل أشكال المقاومة. فكروا بكل ما سبق ومن بعدها قولوا فيما إذا كنا غير محقين وبلا أدنى شك بمنح عصبة الأمم الولاء والطاعة.


عندما أُسأل عن تصوري لمهمة العصبة في العالم، لا أجد مفراً من الاستعانة بكلمات السعدي العظيم:" إن أبناء آدم والذين خُلقوا من الطين ذاته هم أعضاء جسد واحد. عندما يتداعى عضو، تتداعى الأعضاء الأخرى بالمثل. أنتم الذين لا تبالون بمعاناة أبناء جنسكم، لا تستحقون لقب إنسان." كما يمكنني أيضاً أن أستعير كلمات شاعر وفيلسوف هندوسي حكيم عندما قال: "جميع الشعوب في هذا العالم هم بالنسبة لي كأقرب أنسابي." أوما يُقال في الصلاة الأخيرة في الطقس الديني الهندوسي "فليعم السلام، وليعم الرخاء." لقد علّمت تجربة الهند طويلة الأمد أبناءها استحالة تحقيق الرخاء بدون سلام، وأن الحرب تعني العوز والسلام يعني الوفرة حتى ولو أتت بدعم عصبة الأمم.


وبالفعل فإن جميع المشكلات التي تواجه عصبة الأمم يمكن أن تتقلص أخيراً إلى مشكلة واحدة تلك التي تتعلق بالإنسان وكرامة الإنسان. ومن هنا يستمد عمل عصبة الأمم أهميته الحقيقية ويكتسب قيمته الدائمة. إن المحن التي يمر بها شعب ما هي محن للجميع، والمحن التي تُضعف شعباً ما تُضعف الجميع، والذي يُعتبر مكسباً لشعب ما هو مكسب للجميع. إن هذا ليس هدفاً فارغاً بل هو بوصلة دقيقة توجه وعلى نحو دقيق جهود رجال السياسة في كل بلد وكل الرجال ذوي الجهود الخيرة الذين يتمنون الأفضل لشعوبهم كما يتمنونه للعالم أجمع.


إن مهمتي انتهت الآن بشكل مؤقت، وفي ظروف الفراق هذه لن أقول وداعاً بل أتمنى لكم من كل قلبي التوفيق من الله، وأعلن فض الجلسة.