Speech

خطاب في الجلسة الافتتاحية لـ "كلمة الله، وفن الإنسان: القرآن وتعابيره الخلاقة"

سمو الأمير آغا خان
المركز الإسماعيلي، لندن
تشرين الأول ٢٠٠٣
 
بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السعادة
أصحاب السماحة والنيافة
الباحثون والضيوف الأجلاء
السيدات والسادة
 
إن تجمعاً من الحكماء والعلماء لهو مناسبة مميزة بشكل خاص. لذلك أنا سعيد جداً لأن أكون معكم هذا الصباح حيث تبدؤون مباحثاتكم حول موضوع هو بالرغم من أهميته الأزلية، ينطوي على دلالة خاصة في وقت يتطلب لقاءات متنورة ضمن العقائد والثقافات. فأياً كانت صيغ اللهجات المحلية، ولغة الفن وخصوصاً عندما تكون موحاة روحياً، يمكن أن تكون هذه اللغة وسيطاً يسمو فوق العوائق لبحثٍ إيجابي مُظهِراً عمق الروح الإنسانية.

إن مكان هذا المؤتمر العالمي مناسب بشكل خاص. فإن المركز الإسماعيلي فى لندن في تصميمه العمراني وتخصيصه لمهام واسعة، مثله مثل نظرائه في البلدان الأخرى، قد صُمِّم على شكل يجسد طبيعة الحوار والتواضع والصداقة والتناغم. إن هذه المراكز تعكس الالتزام بدعم جودة البحث في مجالات الفكر والروح.

أشكركم بحرارة لأنكم خصصتم الوقت الكافي من برامجكم الكثيفة لتساهموا في هذا المؤتمر العلمي، كما أهنئ معهد الدراسات الإسماعيلية لاحتفاله بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسه، الاحتفال الذي جاء متناسباً مع هذا الحدث. إن هذا جزءاً من برنامجه الطموح المستمر للدراسات القرآنية الذي يساهم فيه باحثون من مختلف أنحاء العالم، مسلمين وذوي عقائد أخرى. إنهم يستخدمون مختلف النظم الأكاديمية لمعرفة كيف أصبح الوحي الإسلامي، من خلال تحدّيه لموهبة الإنسان الفطرية في البحث والتفكر، باعثاً قوياً لإشادة حضارة إنسانية مزدهرة.

هذا البرنامج هو أيضاً فرصة لتحقيق رؤية عميقة في كيفية أن خطاب القرآن الشريف الغني بالأمثال والقصص الرمزية الأخلاقية والمجاز والرمز صار ينبوعاً لا ينضب من الإلهام، ويسمح بتفسيرات واسعة الطيف. هذه الحرية في التفسير هي كرم يمنحه القرآن لكل المؤمنين، ويجمعهم على القناعة بأن الله الرحيم سيسامحهم إذا أخطؤوا في مساعيهم المخلصة لفهم كلمته. ونتيجة لذلك، لحسن الحظ، فإن الكتاب المقدس (القرآن الكريم) يستمر يقود وينير فكر وسلوك المسلمين الذين ينتمون لجماعات ذات تفسيرات وتجمعات روحية مختلفة، من قرن إلى آخر وفي مناخات ثقافية متنوعة. ويتسع مبدأ القرآن الكريم في التعددية أيضاً لمعتنقي العقائد الأخرى. ويؤكد بأن لكل منهم منهجاً وطريقاً يسلكه ولذلك فإنهم جميعاً يسعون للأعمال الصالحة مؤمنين بأنهم مهما كانوا، فإن الله يشملهم جميعاً.

إن التراث الإسلامي يحترم جهد العلماء الباحثين الذين تجمعوا في هذا المؤتمر. فالقرآن الكريم نفسه يقر بأن الناس الذين منحوا الحكمة هم متلقو الخير العميم؛ وهم الأخيار ومن هنا ينبع إصرار الإسلام على تشجيع المسلمين رجالاً ونساءً لطلب المعرفة حيثما وجدت. ونحن جميعاً نعرف أن الكندي حتى في القرن التاسع الميلادي لم ير ما يخجل في طلب واستيعاب الحقيقة مهما كان مصدرها. وأكد الكندي أن الحقيقة لا تحقر طالبها بل تشرفه. وإن ناصر خسرو الفيلسوف - الشاعر الإيراني في القرن الحادي عشر الميلادي في نظمه تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعراً قد عظَّم فضيلة المعرفة أيضاً. وهو يرى أن الجهاد الحقيقي هو الحرب التي يجب أن تُشن على مرتكبي جريمة التعصب، وذلك عبر نشر المعرفة التي تبدد ظلام الجهل وتنمِّي بذور السلام التي تقوم بالفطرة في النفس الإنسانية.

يعالج هذا المؤتمر مجموعة من التعابير الإسلامية في الفنون، عبر الزمان والمكان. وقد رأى بعض الباحثين البارزين الحاضرين هنا اليوم، أنه في حين لم يعرض القرآن الكريم مذهباً في الفن الإسلامي أو الثقافة المادية، فإنه بالفعل يعرض مجالاً محرضاً للخيال في هذا الاتجاه. فمنذ البداية ألهمت آياته أعمالاًَ في الفن والعمارة، وشكّلت مواقف ومعايير قادت تطور التقاليد الفنية الإسلامية.

وفي هذا السياق، وفوق كل شيء، أليس التفكر العميق أيضاً ذا صلةٍ في كيف أن المفهوم القرآني عن الكون بصفته تعبيراً عن خلق وإرادة الله هو الذي ألهم أجيالاً من الفنانين والعلماء والفلاسفة من الجماعات الإسلامية المتنوعة؟ يُنظر إلى المتابعات العلمية والبحث الفلسفي والمحاولات الفنية كلها باعتبارها استجابة المؤمن لدعوة القرآن المتكررة لتأمل الخليقة باعتباره طريقة لفهم الروعة الإلهية الكريمة. وقد بينت ذلك سورة البقرة بقولها: (فأينما تولّوا فثم وجه الله) البقرة 115

ألا يتحدى القرآن الفنان، بقدر ما يتحدى الصوفيَّ، لكي يذهب إلى أبعد من المادي- المظهر الخارجي- ساعياً حتى يكشف عما هو في الصميم ويمنح الحياة للمحيط الخارجي؟ أليس عملاً فنياً عظيماً، ذلك الوجد الصوفي واللمحة الروحية، واهتياج النفس الذي ينبعث من محاولة اقتباس ومضة من ذلك الذي يجل عن الوصف والذي هو فوق الكينونة ومحاولة التقرب منه؟

فالآية المشهورة في القرآن الكريم - آية النور والتي سطرها الأول معروض هنا على الجدار خلفي تلهم التفكر ملياً في المقدس والسامي في أوساط المسلمين. إنها تشير إلى كون مليء بالإشارات والرموز التي تثير مشاعر الإحساس بكمال الرحمة والخلق الإلهيين. كثير من آيات القرآن الأخرى وعلى ذات المنوال ألهمت الكتابة اليدوية الجميلة بمختلف أشكالها، وتذكّرنا بغنى وحيوية تقاليد المسلمين في الفن.

إنه لأملي المخلص أن يكشف هذا المؤتمر عن رؤية عميقة إضافية لفهم القرآن الكريم بصفته رسالةَ تحيط بكامل كينونة الإنسان ومسعاه. إنه يهتم بخلاص النفس، ولكن على المستوى نفسه يهتم بالقيم الأخلاقية التي تحفظ نظام العدالة الاجتماعية. فالقرآن رؤية شاملة للمجتمع تعطي الأولوية للسلوك النبيل. إنه يتحدث عن اختلاف في اللغة واللون بصفتهما علامة للرحمة الإلهية وحثاً لأهل المعرفة كي يتأملوهما.

إن عصرنا هو عصر توسع المعرفة والمعلومات المتزايدة، بخطاً متلاحقة وربما مضطربة. لذلك، ثمة قدرة غير مسبوقة لتحسين الوضع الإنساني. ومع ذلك فثمة شرور كالفقر المدقع والجهل، و الصراعات المتفجرة تجلب للعالم معاناة مستمرة. والقرآن يتحدث عن هذا التحدي ببراعة. وتنعكس قوة خطابه في فسحه المجال أمام مختلف التأويلات، واحترامه للأديان والمجتمعات الأخرى؛ وتأكيده أولوية العقل؛ وإصراره على أن المعرفة لها قيمة كبيرة عندما تُستخدم لخدمة خلق الله؛ وفوق كل شيء تأكيدها لإنسانيتنا المشتركة .

حالما يبدأ هذا المؤتمر تأملاته، أتمنى لكم النجاح في كل ما تقدمونه.
 
شكراً.