Lifelong Learning Articles

الإسماعيلية

تنزيل المقال بصيغة PDF (٢٨٨ كيلوبايت)

قائمة المحتويات

الخلفية التاريخية

الإمامــــــــة

تشاركاً مع الاسلام الشيعي، تؤكد الاسماعيلية أنه بعد انتقال النبي محمد ( ص )، أصبح ابن عمه وصهره علي إماما بناء على نص محدد من النبي قبل موته. وكان يعتقد أن هذه القيادة (الامامة) ستتواصل بعدئذ بالوراثة عبر علي وزوجته فاطمة، ابنة النبي. وطبقا للعقيدة والتراث الشيعيين، فان تولي الامامة يكون بالنص من إمام العصر.

 
خلال مسار التاريخ الشيعي، برزت اختلافات حول تولي منصب الإمام، والأكثر أهمية في هذا المسار، ظهور الاسماعيلية الشيعية اثر موت الإمام جعفر الصادق سنة ١٤٨/ ٧٦٥، وتواصل الشيعة موالاة خط الأئمة المتحدرين من الإمام جعفر عبر ابنه اسماعيل، والذين عرفوا باسم " الاسماعيلية "، وآخرون اعترفوا بابنه الأصغر موسى الكاظم اماما، وعرفوا باسم " الاثني عشرية " (١)

الدعـــوة

بحسب المصادر الاسماعيلية ، فان الأئمة الأربعة، كانوا يعيشون في الخفاء اتقاء من الاضطهاد، ويعملون – في الآن نفسه- على تنظيم الحركة الاسماعيلية. وعندما انتقلت – أخيراً – إلى العلن في القرن الثالث/ التاسع، ظهرت ببنية عقائدية وسياسية متطورة، مكنت الاسماعيلية من اكتساب دعم واسع ونجاح سياسي. لقد تم خلق منظمة من قبل الأئمة لتباشر عملاً عرف باسم الدعوة. وهذا المصطلح مأخوذ من القرآن( ٥٦ /٧)، ويعني النداء أو الدعوة للاسلام. ورغم أن الدعوة لم تكن مقتصرة على الاسماعيليين، فان منظمة بارعة، وشبكة فعالة جداً في مجال الاتصالات، والانجازات الفكرية والدبلوماسية لممثليها الذين يدعى كل واحد منهم داع في هيكل الدعوة، أعطاها ميزة خاصة ضمن الاسماعيلية.

الحكم الفاطمي

خلال الفترة التي كانت فيها الاسماعيلية في طور النمو والانتشار، واجهت االدعوة - في الأغلب- مشكلات ضمن تنظيم الدعوة وفي مجال وحدتها، أدت الى ارتدادات من حين لآخر تتعلق بقضايا السياسة وحتى العقيدة. وبالرغم من هذه النكسات والظروف المعاكسة التي عملت الدعوة ضمنها، فقد حققت نجاحاً كبيراً في أجزاء من ايران واليمن وشمال أفريقيا، نتج عنها سنة ٢٩٧/ ٩١٠ إعلان إمام العصر في تلك الفترة كأمير للمؤمنين، ولقب بالمهدي. هذه المرحلة الافتتاحية سجلت محاولة اسماعيلية لاعطاء شكل ملموس لرؤيتهم للمجتمع الاسلامي. لقد أخذت سلالة الأئمة الذين حكموا من شمال أفريقيا ومن مصر بعدئذ، لقب " الفاطميين " نسبة الى فاطمة ابنة النبي وزوجة علي .(٢)

في هذه المرحلة من الحكم الفاطمي، امتد نفوذ الاسماعيلية واتسع حجمها بشكل معتبر. فالخلافة الفاطمية عندما وصلت الى الذروة، مدت نفوذها الى ما وراء حدود مصر لتشمل فلسطين وسورية والحجاز واليمن وايران والسند والبحر الأبيض المتوسط. وفي سنة ٤٥٠/١٠٥٨، احتل الفاطميون ايضا بغداد، عاصمة الأسرة العباسية المناوئة لهم، لفترة وجيزة .

لقد لعبت الدعوة الاسماعيلية دورا مهماً جداً في المحافظة على الولاء الديني ودعمه ضمن أراضي الخلافة المترامية الأطراف. كما أنها أوجدت عقيدة موحدة وهيكلاً تنظيمياً لتتوازن مع الاختلافات التي واجهت الحركة خلال مراحلها الأولى. وجهودها في نشر الاسلام مد نفوذها الى الهند والى أقاصي مناطق آسيا الوسطى البعيدة.

المنجزات الفاطمية في التعليم

تبدو المنجزات الاسماعيلية الفاطمية في مجالات الحياة الثقافية والعقلية بارزة ولامعة. فرعاية الفاطميين للتعليم، وتشجيعهم البحث العلمي والنشاط الثقافي جعل من القاهرة مركزاً مشهوراً يجذب اليه الرياضيون والفيزيائيون والفلكيون والمفكرون والاداريون البارزون من كل أنحاء العالم الاسلامي الى جامعتيه العظيمتين، الأزهر و دار الحكمة بشكل خاص. وأعطى هذان المركزان التعليميان أيضا الحافز لتطوير التفكير اللاهوتي والفلسفي والفقهي بين رجال العلم الاسماعيليين، وهيئا أساساً للتعبير الشامل عن الفكر والعقيدة الاسماعيلية. كما أن الأثر الاقتصادي والثقافي للحكم الفاطمي امتد أيضاً الى أوربا، وأعطى وسيلة في الغرب لتطور أوسع لانجازات المسلمين العلمية في ميادين البصريات والطب والفلك.

الحركة الدرزية

إن توسع النفوذ الفاطمي ومجهودات الدعوة جلب للفاطميين نزاعاً مع الحكام القائمين مثل العباسيين والسلاجقة لاحقاً.

و يضاف الى ذلك، أن دولة الخلافة الفاطمية تأثرت سلباً خلال هذه المرحلة اللاحقة بالمجاعات والنزاعات الداخلية بين مختلف قطعات الجيش. وأثر موت الامام الحاكم سنة ٤١١/ ١٠٢١، انفصلت مجموعة من الاسماعيليين عن الدعوة، مفضلين أن يحافظوا على ولائهم للإمام الحاكم. وبهذه الطريقة مهدوا الطريق لولادة ماعرف لاحقاً باسم الحركة الدرزية.

الفرع المستعلي

حدث انشقاق أكثر خطورة في جسم الدعوة بعد موت الامام المستنصر بالله سنة ٤٨٧/١٠٩٤. ففي ايران وأجزاء من سورية، دعم الاسماعيليون ابنه الأكبر والوريث المعين، نزار، وفي الوقت نفسه، كان يعتقد في مصر واليمن والسند أن الأخ الأصغر لنزار، المستعلي كان معيناً كإمام جديد من قبل الإمام المستنصر وهو على فراش الموت. ودعيت هاتان المجموعتان الاسماعيليتان بالاسماعيليين النزاريين و المستعليين على التوالي. وتشترك كلتا المجموعتين بالتراث الفاطمي العام، بيد أن تاريخهما وتطورهما اللاحق جرى في اتجاهات مختلفة. لقد أدى الانقسام بينهما الى انحلال للحكم الفاطمي في مصر، بيد أن النشاط المتواصل للفريقين كان عاملاً حيويا في إحياء وإعادة بروز النفوذ الاسماعيلي خارج مصر.

الدعوة الطيبية المستعلية

كانت اليمن إحدى معاقل الدولة الفاطمية ومركزاً نشطاً للدعوة الاسماعيلية. ( ٣) بعد رحيل الإمام المستنصر ناصرت اليمن المستعلي وابنه خليفته من بعده ، الآمر. وبموت الأخير سنة ٥٢٤/١١٣٠، حدث انشقاق آخر ضمن الفرع الاسماعيلي المستعلي. ففي اليمن، ناصرت الدعوة حق ابن الأمير الطفل، الطيب بالامامة، رافضة ادعاءات عمه الوصي عليه، عبد المجيد الذي ادعى في وقت لاحق بأنه الإمام. ولم يستمر الخط الأخير طويلا لأن الأيوبيين استولوا على حكم مصر. اعتقد أتباع الطيب أنه في حالة الستر، وإن الأئمة الذين خلفوا الطيب سيعيشون من الآن فصاعدا في هذه الحالة الى وقت الظهور. وفي غياب هؤلاء الأئمة ستوكل أمور الدعوة إلى داع رئيسي يدعى الداعي المطلق.

بقي مركز هذه المجموعة في اليمن عدة قرون ، حيث أقاموا دولة نشطة لفترة من الزمن اضطروا بعدها بسبب الكراهية الى الانتقال آخر الأمر الى الهند، ليقيموا هناك مقرا لدعوتهم في ٩٤٧/١٥٦٧. ومع الزمن تضاءل حجم الطائفة في اليمن على الرغم من أن أتباع هذا الفرع من الاسماعيلية، وبخاصة الفرع اللاحق للدعوة الطيبية المعروف بالسليمانية، والذي يقيم داعيه الرئيسي في اليمن، ما زال له أتباع في مناطق معينة من أرض اليمن .

واصل الاسماعيليون الطيبيون في الهند تطورهم تحت زعامة الداعي الرئيسي، ونجحوا في وقت من الأوقات في ظل ظروف معاكسة، بالحفاظ بنجاح على حياتهم الدينية وهيكليتهم التنظيمية. والأغلبية هناك تدعى بالداوودية تمييزاً عن الخط السليماني، وكلا المجموعتين يسمون بالبهرة. وتشير هذه الكلمة الى مهنتهم كتجار. يقيم الداعي الرئيسي للمجموعة الداودية في بومباي، وتتركز هذا الطائفة في مقاطعات كوجرات ومهاراشترا وراجستان، وفي أغلب المدن الرئيسية في الهند وباكستان وأفريقيا الشرقية، ومؤخرا بأعداد أقل في أوروبا وأمريكا الشمالية.

الدعوة الاسماعيلية النزارية

يشير تاريخ الفرع النزاري للاسماعيلية على تمسكهم بالأهداف الموضوعة من قبل الفاطميين، وكذلك الى بروز أهداف وسياسات أجد ضمن سياق بيئة متغيرة ومعادية بشكل متزايد.(٤) ففي ايران - على وجه الخصوص – حيث النفوذ الاسماعيلي كان قد توطد في العهد الفاطمي، كان على الدعوة أن تعمل ضمن ظروف متغيرة بشكل ملحوظ، ليس بسبب انقطاع الروابط مع القاهرة فحسب، بل بسبب حضور سلالة السلاجقة الأتراك السنية على مستوى السلطة والعسكري. وفضلاً عن انتشار العداء في المحيط السياسي والعسكري، فإن الدعوة كسابقتها في العهد الفاطمي، أصبحت هدفاً لتهجمات فكرية ودينية قصد منها في أغلب الأحايين تشويه صورتها بشكل سلبي ومحرف عن عمد. لقد نتج عن هذا الأمر آراء متعصبة وأسطورية تتعلق بتاريخ الاسماعيليين وفكرهم. ولاتزال الى اليوم تستخدم مصطلحات تشويهية مثل "الحشاشون" في الكتابات الشعبية غير الأكاديمية، رغم أن العمل البحثي الرصين أدى الى مراجعة معتبرة لوجهة النظر المحرفة هذه، ولفهم أكبر لتاريخهم وتطلعاتهم .

كانت النقطة المحورية للحركة الاسماعيلية النزارية قلعة آلموت في جبال البورز شمال ايران. لقد استولى على هذا الحصن الداعي حسن بن الصباح سنة ٤٨٣/١٠٩٠ ليصبح مركزاً لعدد متزايد من الحصون التي تم انشاؤها بالوسائل الدبلوماسية والعسكرية. ومع الزمن أصبحت هذه المراكز أماكن لسكنى الاسماعيليين في ايران وسورية التي أقيم فيها نموذج عن هذه الحصون في الجبال الساحلية. عمل حسن بن الصباح – طبقا للتقليد الاسماعيلي - كممثل للإمام، ومنظم لأماكن سكناهم المختلفة. وعملية التدعيم هذه قدمت أساساً لما أصبح فيما بعد الدولة الاسماعيلية النزارية التي ضمت كلاً من قلاع الاسماعيليين الايرانيين والسوريين، والتي حكمت من آلموت من قبل الأئمة الاسماعيليين الذين تولوا الحكم بعد الفترة الأولى من اقامتها من قبل ممثلي الأئمة كحسن بن الصباح. ورغم الضغط المتواصل من السلاجقة، فقد حققت هذه الدولة وجود متنام لأكثر من مئة وخمسين سنة. مع ذلك فان المواجهة مع القوة المغولية المتمددة آلت الى سقوطها، وتخريب حصونها الرئيسية، والى مذبحة عامة وواسعة للاسماعيليين .

إن تاريخ الاسماعيليين النزاريين الذي أعقب تخريب دولتهم وتشتيت قادتهم في ايران ومناطق أخرى، غير معروف كثيراً. ففي سورية، كما في ايران، بقوا على قيد الحياة بالرغم من الاضطهاد الذي لحقهم. وعلى الأغلب، فان بنيتهم التنظيمية في ايران تماثلت مع نظام الطرق الصوفية التي وطدت نفسها آنذاك في كل العالم الاسلامي. وتتحدث المصادر الاسماعيلية عن تتابع متواصل للأئمة في أجزاء مختلفة من ايران. ففي القرن التاسع / الخامس عشر، ظهرت نشاطات جديدة في جزء من الدعوة نتج عنه نمو إضافي للاسماعيلية النزارية في أجزاء من الهند وآسيا الوسطى، ارتبط بالإمام في ايران عبر نشاطات الدعاة. وعلى العموم، فان الطوائف المختلفة للاسماعيليين النزاريين في ايران وسورية وآسيا الوسطى والهند ظلت معزولة نسبيا، وتتولى حماية نفسها بنفسها لقرون عديدة، كما ظلت متيقظة لكل تهديد دائم بالاضطهاد.

في القرن التاسع عشر والعشرين ، هاجر الإمام حسن شاه الملقب بآغاخان إلى الهند من ايران. وفي القرن العشرين وتحت قيادة الإمامين الأخيرين، السير سلطان محمد شاه، آغاخان الثالث (١٢٩٤/١٨٧٧ - ١٣٧٧/١٩٥٧)، وشاه كريم الحسيني، الآغاخان الرابع (و. ١٩٣٦)، لعب كل منهما دوراً قيادياً بارزاً بين المسلمين، وكذلك في القضايا الدولية، وحقق الاسماعيليون النزاريون نقلة ناجحة إلى الفترة الحديثة في العديد من أصقاع العالم. لقد شمل إعادة تنظيم شؤون الاسماعيليين تطورات في مجالات مختلفة من الصحة والتعليم والحياة الثقافية والاقتصادية ارتبطت – حيثما أمكن - بالأهداف الوطنية، وحديثا، بمجال عالمي أوسع لخلق وعي ذاتي أكبر بين الاسماعيليين و المسلمين الآخرين بالدور الذي يمكن أن يلعبه التراث الاسلامي في الحياة الحديثة.

التراث وقضاياه

عرف الاسماعيليون تحت عدة أسماء في الماضي. فقد اتهمهم أولئك المعادون لهم بالهرطقة لرؤيتهم الخاصة للاسلام، وبالتطرف لكونهم باطنية، ولفقوا ضدهم وضد تعليمهم أساطير عدة. فالكتاب الذين كتبوا عن الفرق الدينية بحثوا عن المعنى في تتابع الأئمة بالدلالة السحرية المرافقة للأعداد، أطلقوا عليهم اسم "السبعية" لأن العدد سبعة كان له مغزى على امتداد التاريخ السري للاسماعيلية. وبما أن الدراسات الغربية المبكرة عن الاسماعيلية اعتمدت بصورة رئيسية على المصادر غير الاسماعيلية، فقد ورثت الانحياز المتضمن في تلك الروايات. فالكتاب الاسماعيليون - مثلاً - استخدموا مصطلحات مثل "الدعوة الهادية" إشارة الى حركتهم كي يتكلموا بدقة عن مصطلح الاسماعيلية واختلافاته المتولدة والموجودة بشكل أولي في عمل الجدليين والكتاب الذين كتبوا عن الفرق. فالدراسات الحديثة المبنية على تحليل أكثر رصانة لهذه المصادر وحول المواد الاسماعيلية التي أصبحت متوفرة جداً، قدمت صورة أكثر توازناً وتعديلاً الى حد بعيد عن الاسماعيلية.

لغات الأدب الاسماعيلي

كتبت أغلب الأعمال الاسماعيلية المبكرة باللغة العربية، وكان ناصر خسرو الكاتب الفاطمي الوحيد الذي كتب بالفارسية. وتقليد الكتابة بالعربية تواصل باليمن وفي الهند من قبل المستعلية، وفي سورية من قبل النزاريين. في ايران وفي آسيا الوسطى أصبحت كتابة الأدب بالنسبة للاسماعيليين النزاريين بالفارسية ذا أهمية بالغة. وفي الهند طور الدعاة أدباً تقليدياً دعوه الجنان ( المعرفة ) مستخدمين اللغات المحلية كالسندية والكجراتية. كما حافظ وتابع الاسماعيليون في المناطق الشمالية من باكستان في الهونزا وجلجت وشترال، تطوير أدب مبني على ماكان إلى الآن لغة محكية مثل بوروشاسكي والشانيا وخوار، رغم أن النصوص المكتوبة بالعربية والأوردية مستخدمة بشكل متزايد في الوقت الحاضر.(٥)

لهذا يوجد تنوع كثير في الفكر والتطور المتمثل في الأدب، وكثير منه مازال يحتاج إلى تدقيق ومراجعة، ودراسة متأنية لوحدها. ويمكن النظر إلى العرض التالي للعقيدة والروحانية الاسماعيلية كتراث يتشارك فيه بشكل عام كل الاسماعيليين في سياق جهودهم لربط قضايا السلطة والتنظيم في الأمة الاسلامية بفهم القلب الداخلي للرسالة الاسلامية والقيم المتضمنة في تلك الرسالة.

ملامح أساسية للفكر الاسماعيلي

الملمح الأكثر أهمية للفكر الاسماعيلي هو شمولية مجاله، وخصوصيته بالنظر إلى منهاجه. ويتشارك مع المذاهب الاسلامية الأخرى بفكرة فهم الاسلام وتطبيقه بكليته لكي تكون الأمة الاسلامية محكومة بالمشيئة الالهية أكثرمنها بالأهواء الانسانية. وبشكل عام، تحافظ الاسماعيلية مع الشيعة الآخرين على فكرة أن وساطة امام مهدي من الله ومتحدر من علي يمكن تحقيقها. لذلك فان عقيدة الإمام تشغل مكاناً مركزياً في التشيع، وتعتبر اطاعته والولاء له دلائل على قبول رسالة الاسلام الالهية. وقد قوبل هذا المبدأ بتأكيد مركزي ومحدد في الاسماعيلية لأنه من خلال الإمام يمكن الحصول على فهم حقيقي للاسلام، وباطاعته تتحقق واجبات المؤمن الحق. ولن تكبح هذه النظرة من استخدام الملكة العقلية والفكرية في جزء من تفكير المؤمن. وفي الواقع يأتي الفهم الصادق ليتحدد كانفتاح أقصى للعقل الانساني على كامل طاقته تحت هداية الامام. ان طرح هذه العملية يقدم مفتاحا لفهم قلب الروحانية الاسماعيلية كما تمثلت في أدب الاسماعيليين وفي مفهومهم للتعليم والمعرفة.

إن المنهاج التعليمي في مراكزهم التعليمية قاد الفرد عبر دراسة متقدمة ومنضبطة إلى علوم متنوعة وواسعة. بدأ الطالب الدراسة بهدف اتقان العبادة العملية والعلوم الضرورية لفهم وتحديد الشريعة التي تخص دعائم العقيدة، الشريعة التي يتشارك في مميزاتها مسلمون آخرون من المذاهب الاسلامية الأخرى. وبعد التمكن من هذه المواضيع يتابع الطالب دراسة العبادات العلمية (العقلية) والعلوم التي تشرح وتؤول مستويات من المعاني التي تشتمل عليها تلك الدعائم.

التأويل والتنزيل

عرضت منهجية التأويل و التنزيل جيداً في شرح نصير الدين الطوسي لطبيعة الوحي، ولطبيعة الدين استنتاجاً.

يوجد مظهران للوحي: التنزيل والتأويل يمثلان الشريعة و الحقيقة، والشريعة تمثل رمزا للحقيقة (٦). من هنا يحدد التنزيل رسالة الوحي المتجسدة فيما أنزل من قيم الشريعة، والتأويل هو تحليل هيرمنيوطيقي (يعتمد على مجموعة من القواعد والمعايير ينبغي أن تتبع لفهم النص) للرسالة توصل الى المعنى الأصلي لها. شرحت جين بيبن في تحليلها لكلمة هيرمنيوطيقا اليونانية الأصل، معناها كما يلي :

الكلمة كما استخدمت بشكل عام تعني "التأويل"، وأن الهيرمنيوطيقات اليوم لها على العموم معنى مرادف لتفسير نص. في أي حال، المعنى الأصلي لهيرمنيوطيقا والكلمات ذات العلاقة بها لم تكن معانيها الأصلية بأي حال تحمل ذات المعنى قطعا،كما لم تكن بعيدة عن كونها على العكس تماماً، اذا سمحنا لذلك التفسير أن ينفذ الى القصد من نص أو رسالة.(٧)

ضمن السياق السابق ، فان المعنى العربي لكلمة تأويل تحيل الى المعنى الأول أو الأصلي، ومن هنا يمكن القول بتحديد وظيفة تأويلية مشابهة. وهدف التأويل في الفكر الاسماعيلي تمكين المؤمن أن ينفذ الى ما وراء المعنى الحرفي والشكلي للنص وخلق شعور باليقين فيما يخص المعنى والصلة الأساسية للمقطع المعطى في القرآن. وكل تأويل في الفكر الاسماعيلي يفترض مثل هذه القاعدة التفسيرية المؤدية، من خلال مستويات للمعنى، إلى الحقائق الأساسية المعبر عنها بمفهوم الحقيقة. وهذا لايعني إنكار صحة الظاهر الحرفي، بل ينظر إليه فقط كمظهر واحد لمعنى كلي له أيضا بعد داخلي (باطن). عندما نطبق التأويل على دراسة القرآن والدين يؤدي ذلك إلى أن نبرز جنسين أدبيين مختلفين ولكنهما متكاملين مع بعضهما عند الاسماعيليين، أدب الحقائق الذي يتضمن التراث الباطني، والأشكال الأخرى من الكتابة التفسيرية التي تتعلق مواضيعها بالفقه والحكم والتاريخ .

إن الوسط الذي ازدهر فيه الفكر الاسماعيلي وتطور تميّز سابقاً بالتكامل الثابت للأدوات الفلسفية والتحليلية التي تم تمثلها عبر الترجمة من التراث اليوناني وتأثيرات أخرى انتقلت من فارس والهند. ويمثل الفكر الاسماعيلي محاولة وعي ذاتي لتنسيق عناصر من هذا التراث التي كانت منسجمة تماماً مع فهمه الخاص للحكمة القرآنية. لقد دعا ناصر خسرو أحد كتبه بجامع الحكمتين (٨)، وقصد منه أن يوالف بين الفهم الباطني للاسلام وحكمة القدماء. وبعمله هذا سار على منوال المفهوم القرآني الرئيسي بكونية الوحي والتأكيد الاسلامي أن الله تكرم بالحقيقة وأعطاها للآخرين في الماضي.

وفي أي حال لم يكن الجمع بين الحكمتين عملاً اعتباطياً، بل كان هناك اقتناع أنه بالإضافة إلى الأفلاطونية المحدثة، أشارت المصادر الاسماعيلية المبكرة إلى أنها عكست تأثيرات من عناصر غنوصية (عرفانية) من الوسط الذي عاش فيه الاسماعيليون.(٩)

الوحدة والكون

مبدأ السلب المزدوج

يعتبر التوحيد المفهوم الأساسي الأول عند الاسماعيليين، ويدل تأويله وتفسيره من قبل المفكرين الاسماعيليين على عمل علم التأويل الهيرمنيوطيقي الاسماعيلي. وإحدى نقاط الاختلاف بين علماء الكلام المسلمين الأوائل تتعلق بشرح الآيات القرآنية الخاصة بصفات الله، وعلى وجه الخصوص تلك الصفات التي لها ارتباطات بالانسان مثل الجلوس والسماع والكلام ...الخ. هذا الجدال بالنسبة الى المفكر الاسماعيلي أضاء إحدى المشكلات التي كان معنياً بفهمها وتفسيرها من خلال التأويل لازالة التناقض الظاهري في هذه الآيات. فأبو يعقوب السجستاني (ت ٣٦٠/٩٧١) وحميد الدين الكرماني (حوالي٤١١/١٠٢١)، وهما مفكران مشهوران من العهد الفاطمي، وضعا كهدف لهما تأويلاً خال من الأخطاء التي نسبوها الى متكلمين آخرين. (١٠) الخطأ الأول هو التشبيه، أي محاولة فهم الله بالمقارنة والتشبيه، والثاني هو التعطيل، ويعني انكار التشبيه، ومن خلاله التخلي عن وصف الله بكل الصفات. لم يكن من اهتمامهما اثبات وجود الله بالوسائل العقلية، لأن البرهان العقلي عما هو خارج نطاق الفهم العقلي يمثل عملية عديمة الجدوى بحد ذاتها، ومن الأحرى – حسب رأي السجستاني- أن نفهم الله كما يستحق أن يفهم كي تكون العبادة الحقة مستحقة له لوحده. جاء تفسير الكرماني في عمله الكلاسيكي راحة العقل، وعنوان كتابه هذا بحد ذاته يدل على الهدف الروحي الرئيسي للعملية العقلية، أي الشعور بالرضا والاطمئنان يحس بهما العقل الانساني من خلال تفاعله مع النص الموحى به أكثر منه من مجرد اثبات لمقدرة ملكة عقلية فيما يخص الوحي. إنه الموقف الذي دفع الكتاب الاسماعيليين لمعارضة آراء أبي بكر محمد زكريا الرازي، وبخاصة لأنه أثار قضايا تتعلق بصحة رسالة الأنبياء، وبصحة النظرة الدينية للعالم استنتاجاً.

ويقود التأويل المستخدم من قبل الكاتبين للآيات القرآنية بما هو متعلق بالله، الى عملية فصل كل الصفات المتعلقة بالانسان عن الله. وتعتبر هذه العملية الخطوة الأولى، فكل منهما اعترف أن مثل هذه العملية يمكن في الواقع أن تقود الى اتهامهما انهما اقترفا أيضا عملية تعطيل، ويفتح المجال الى اتهامهما بالتشبيه الخفي. والخطوة التالية التي يجب أن تتخذ هي انكار أن يكون الله موصوفا، متمكناً في مكان، معرفاً، محدودا ...الخ. فالمرء عليه أن ينفي النفي السابق، وتعالي الله المطلق يتحقق باستخدام النفي المزدوج، حيث يتم بموجبه النفي ونفي الشئ المنفي بوقت واحد. فالنفي الأول ينفي عن الله كل ارتباط مع ما هو مادي، والنفي الثاني يزيل عنه أي ارتباط مع ماهو غير مادي. وعلى هذا النحو فالله ليس ضمن العالم المادي، وليس ضمن العالم فوق المادي. وتبدأ عملية التأويل هنا بالتأكيد أن الله ليس أيسا (موجوداً)، ومن ثم نفي ذاك التأكيد، وبموجبه إزالة كلا التأكيد والنفي. مثل هذه العملية من النفي المزدوج تقدم الوسيلة الوحيدة التي يمكن للمرء بموجبها استخدام اللغة المتوفرة دون قبول توابعها كلية. في الخطاب الآنف، وبموجب مصادر اللغة، فان رسالة الوحي أسست نقطة البدء، والتأويل يكشف كيف أن اللغة نفسها غير قادرة على التعبير تماماً عن الحقيقة الملازمة للمفهوم. مثل هذه الصيغة في تحديد تعالي الله بنظر الاسماعيليين هي فعل معرفة بالله بالفعل، وفعل عبادة بحد ذاته.

الأمر الالهي

يعكس مبدأ الوحدة أيضاً مبادئ اسماعيلية كونية اسماعيلية أخرى. وفي تفصيل هذا العلم الكوني، تبنى الكتاب الاسماعيليون عناصر من نظرية الفيض الأفلاطونية الحديثة، ولكن هذا التبني تم ضمن سياق إسلامي. في قلب الكوسمولوجية يقع مبدأ الأمر الذي هو كل منسجم، والعناصر المختلفة للبنية الكونية تشكل بنية تراتبية. فالكواكب والمبادئ المجردة المتحكمة بها ترتبت كل واحدة فوق الأخرى، تماماً كترتيب النبوة والامامة والدعاة وأعضاء الطائفة، وقد شكلوا جميعاً تراتبية لها شكل محدد وواضح .

الله يتعالى فوق الأمر، وبما لا يشبه الأفلاطونية الحديثة حيث الواحد يصدر العقل الكوني من خلال عملية فيض، فالله في الكوسمولوجية الاسماعيلية يخلق بواسطة الأمر المتعالى والأبدي. أعطوا لعملية الخلق هذه اسم الخلق بالابداع، والابداع فعل خلقي كلي الشمول لا زمني، ومن هنا تكون كل الخليقة مرتبطة بالله مباشرة في أصولها ولكنها ظهرت عبر عملية انبعاث لاحقة من العقل الكوني الذي هو العقل المتكون الأول. فالله هو المبدع كما وصف في الآية القرآنية "بديع السموات والأرض"(٢/١١٧). والمصطلحات القرآنية: القلم ، العرش، القضاء، متساوية مع العقل الكوني كاستهلال لاطار لما دعي بالعالم العلوي في سلسلة تراتبية. هذا المستوى من الخلق تمت مقابلته بعالم الدين لكي يقدم إطارا ضمن الحياة الدينية بتراتبية العقيدة التي تتمثل بحدود الدين، والذين بدورهم يماثلون المبادئ الكونية المختلفة والأعلى في هذا الترتيب التراتبي، يتشكل من العقول الثلاثة الأول المتماثلة مع النبي ووصيه علي والأئمة المتتابعين على التوالي. هذا النظام تم شرحه في أنظمة مفصلة لأول مرة من قبل النسفي( ت ٣٣١/٩٤٣)، وشذب لاحقاً في أعمال السجستاني والكرماني وناصر خسرو. والتراتبية الدقيقة لمختلف العقول والمصطلحات المستخدمة تميل الى الاختلاف في أعمال المؤلفين المختلفة، بيد أن المبدأ الأساسي لتعالي الله المطلق، والنظام العام للمبادئ الكونية والآراء التراتبية الرئيسية تمت المحافظة عليها.

بينما يتم التأكيد على وعي قوي بالوحدة، فان البناء الكوني الاسماعيلي هو قبة مقدسة تطرح تحتها المفاهيم الدينية الاسماعيلية. وهكذا، فان قضايا الكوسمولوجيا, وماوراء الطبيعة والدين مرتبطة ببعضها البعض بشكل قوي. بحيث كل عنصر في الكون المتراتب يقابل الآخر، ويقيم سلسلة من الوجود مشكلة كونا واضحا ذا دلالة، وفي الوقت نفسه تربط الحياة الدينية على الأرض بكون فعال يأتمر بأمر الهي.

التاريخ المقدس و المصير الانساني

طبقا للرؤية الكونية المعروضة آنفا، يمتد التاريخ كسلسلة مقدسة من الحوادث تخدم هدفا الهيا. وينظر الى هذا الامتداد كفترات دورية مبنية على تأويل عملية الخلق في الآية القرآنية التالية:" الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام " ( 7/54)، والمؤيد في الدين الشيرازي (ت 470/1077) في شرحه للآية بدأه بأن الأيام المشار اليها في الآية ليس له أية علاقة مع مفهوم اليوم الذي يقاس بشروق الشمس وغروبها. (11) ويثبت أنه من السخف الافتراض أن قياس الوقت هذا يتم بقوة الله الخلاقة، لأنه لم تكن ثمة شمس قبل الخلق. ثم يحيل بعدئذ إلى مراجع قرآنية حيث قال الله أنه يخلق بأسرع من طرف العين ، واختتم برهانه أن الاحالة إلى السموات والأرض لايعني شيئا إذا تم تصور السموات والأرض والأيام بمفهوم قياس الانسان للمكان والزمان. والتأويل الحقيقي للآية يكشف عن التاريخ المقدس الذي يكشف عن أدوار النبوة الستة حيث كل حدث ذي دلالة كونية . فالأنبياء والأدوار الزمنية التي يمثلونها هم: آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى والنبي محمد. وكل رسالة نبوية تدشن شريعة جديدة ، نموذج موحى به للحياة لضمان انسجام المجتمع مع المشيئة الالهية. وكل نبي – في كل حال – يخلفه وصي يحافظ على الشريعة ويقويها، وفي الوقت نفسه له دوره في تأويل ونشر المعنى الداخلي للوحي والمفاهيم الشرعية. تمام الدور السادس يسجل بداية الدور السابع، وفيه يتولى الإمام دوره لاكمال العملية المشار إليها في الآية القرآنية:

" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " ( 5/4)

وهذا الانجاز للاهداف المتجسد في رسالات الأنبياء السبعة التي تشبه أيام " الأيام الستة " لا يأتي ليعارض الواحد الآخر، بل بالأحرى ليتابع الواحد الآخر. هذا التأويل للخلق يحمل معه شعور بالقداسة للتاريخ حيث تفتح الأحداث ذات الشأن بعثات نبوية وانجازات لهم تؤدي بالنهاية الى تحرير الجنس البشري. والزمان ضمن هذا الاطار المقدس يعود الى مصدره، والحركة الكلية تصل في النهاية الى ذروتها في القيامة القرآنية الكبرى، في بعث كل الأنفس ودخولها الى الجنة الباطنية، جنة ماقبل الزمان الأزلي.

العقول العشرة

المفهوم الدوري للتاريخ مرتبط بدوره بفكرة المصير الانساني، وقد تم توضيحه جيدا في تفسير قصة سقوط آدم في القرآن. هذه الدراما السماوية، كما أوضحها في كتاباته الحامدي (ت 595/1199) وآخرون(12) تنظر إلى قصة آدم في الجنة واغواء الشيطان له وسقوطه اللاحق منها، كما لو كانت قد حدثت في طائرة كونبة في عالم الابداع غير الحسي. آدم، الكائن الانساني، يدعى آدم الروحاني. وباستخدام نظام العقول العشرة السماوية ، كما شرحها سابقا الكرماني، يمثل آدم في المرتبة العقل الثالث الذي شغله في الأصل. والمظهر الخير للشجرة التي كان من المحرم عليه الافتراب منها، تمثل مرتبة العقل الكوني الأول. وإبليس هو الشيطان ، ويمثل رغبة آدم الخاصة بعدم قبول المرتبة الممنوحة له. وهذا ما سبب له اقتراف إثم لطموح خاطئ، والرغبة بالوصول إلى مرتبة العقول التي فوقه. إن العقاب اللاحق الذي استحقه والطرد من الجنة سجل حرمانه من مرتبته وتميزه السابق على العقول الأخرى التي تأتي بالترتيب دونه. لقد أصبح عقلا عاشرا ، بيد أنه التمس من خلال توبته استعادة مرتبته الأصلية. انه بعودته من خلال العقول التي هي فوقه ، وهو الآن يرمز إلى الجنس البشري، يستعيد مرتبته الأصلية . ولهذا السبب أيضاً، فإن عالم العقول لها ما يقابلها على الأرض في هيكلية العقيدة وتراتبها. في الإجمال ، تمثل هذه الهيكلية الدعوة وهي تحول السقوط إلى طريق حقيقي يمثل خطوة في عملية الصعود. ليس الهبوط مقدمة الى فكرة" الخطيئة الأصلية" ، ولكنه بالأحرى تمييز لعملية كونية تستعيد من خلالها أدوار النبوة والاتمام اللاحق نظام الأشياء الحقيقي. إن دور التراتبية بالنسبة لآدم ولعامة الجنس البشري، تحديد الطريق الذي عليهم أن يعبروه، والخطوات التي عليهم أن يصعدوها كي يصلوا الى العقل الكوني. هذه العودة تمثل هدفاً ممكناً لكل كائن انساني يستطيع أن يبلغه، ويتحقق عبر اعتراف مناسب بوحدانية الله وحكمة عملية الخلق. هذه العودة تعني أن المكانة التي منحت لآدم بالمعرفة وأسست معرفة لما دعاها القرآن " وعلم آدم الأسماء كلها " (2/31) ، والتي لا تقل عن الحقائق الكونية في الفكر الاسماعيلي.

الطقس الديني، المعنى الكوني

حفظ كتاب دعائم الاسلام للقاضي النعمان تعريف الإمام جعفر الصادق للايمان جواباً على سؤال حول قضية ذات شأن بين علماء الكلام الأول، عندما سئل : "أخبرني عن الايمان ؟ هل هو اقرار وعمل ، أم اقرار بلا عمل؟"، وأجاب الإمام:

"الايمان بأكمله عمل، والاقرار جزء من العمل. العمل مفروض من الله ، وهو واضح في كتابه... الإيمان يشمل الظروف والمراحل والدرجات والمحطات. والإيمان يمكن أن يكون تاماً ويمكن أن يكون ناقصاً ..." (13)

هذا المفهوم للإيمان يؤسس عملا كجزء من تطور وكمال روحيين، وهو الأساس لتأويل هيرمنيوطيقي للطقوس الدينية في الاسماعيلية ولتفاعل بين فكرتي الظاهر والباطن اللتين في هذا السياق تشيران الى عمل الطقوس ومعناها الكلي الباطني. كما أنهما يكملان القدرة الانسانية على المعرفة والعمل، العمل على المدى الكوني. كتاب دعائم الاسلام عمل يحدد مجال الأعمال الطقسية، أي الشريعة، وفي الآن نفسه، تابع القاضي النعمان عمله فكتب تأويل الدعائم الذي يحدد مجال المعنى الباطني للطقوس الدينية. والخطاب الذي يضم المجالين السابقين موضح تماماً في تأويل الصلاة اليومية في الاسلام .(14)

تأويل الصلاة

بتحديد تأويل الصلاة، يبين القاضي النعمان أنها ترمز الى الدعوة ولكن ليس بالمعنى المحدد من المؤسسة الفاطمية التي تابعت مهام دراسة العقيدة الاسماعيلية والدعوة اليها، بل بالمعنى الأوسع، أو الدعوة الى رسالة النبي ودعمها المتواصل من إمام كل عصر. فالصلاة إذاً تعني الاسلام الذي يدعو النبي والأئمة من بعده البشرية جمعاء إليه .

وبشكل محدد ، بدأ النعمان بتأويل أوقات الصلاة بناء على نص قرآني ( 2/238، 78-79/17)، وتعني الصلاة المقامة كل يوم عصور الشريعة الكبرى المبدوءة بالأنبياء الخمسة، أصحاب الشرائع الذين أتوا بعد آدم ، وهم : نوح وابراهيم وموسى وعيسى ومحمد .

وقد حاول ناصر خسرو أن يفصل التأويل على مراحل ثلاث من الوقت حددها ضمن طقس الصلاة ذاته: البداية والوسط والنهاية. وترمز مرحلة البداية الى الناطق، ويعبر هذا المصطلح الاسماعيلي عن النبي كمبلغ للوحي، والمرحلة الوسطى تمثل الأساس، مؤول المعنى الباطني للوحي، والمرحلة الأخيرة ترمز الى قائم القيامة التي يندمج فيها الظاهر بالباطن . تعتبرهذه النظرة الدورية للتاريخ مظهر هام للفكر الاسماعيلي يوضح البعد الثنائي للزمن الذي رآه المفكرون الاسماعيليون متضمناً في القرآن. يقدم البعد الأول هيكلية الطقوس والعقائد لجماعة تاريخية، وينقل البعد الثاني الطقوس والعقائد الى مستوى معنى يتجاوز تحديدات الزمن، حيث يتحول التنزيل الى تأويل يقدم الفرصة للمسلم كي يمسك بالمعنى الكوني الأصلي للشريعة الموحاة.

قبل مناقشة أداء الصلاة ذاتها بالتفصيل، يقدم القاضي النعمان إحالة مهمة الى القبلة، مكان التوجه أثناء الصلاة ، حيث يأخذها كمرجعية له في هذه الآية:" فأقم وجهك للدين حنيفا " (30/30) . فعلى المستوى الأول، أشار إلى أن هذه القبلة التي وجهت الحنفاء في صلواتهم ، أمثال ابراهيم وآدم، هي الكعبة (أو لربما القدس)، وفي معناها الباطني تشير الآية الى الوصي ، خليفة النبي، والذي من خلاله توجه النبي إلى المسلمين، ومن خلاله أيضا تم التأكيد على باطن الدين خلال حياة النبي الخاصة، كما أقيم الظاهر ليخدم كنقطة استمرار بعد موته .

تتواصل المناقشة بعدئذ الى الخطوات التي تتضمنها الصلاة نفسها، وهي سبع، طبقاً لرأي ناصر خسرو.

1- التكبير، ويرمز الى إعطاء العهد من قبل المؤمن، حيث يطلب من المؤمنين من خلاله أن يكونوا صامتين، وأن يركزوا انتباههم كلية على أداء الصلاة. وبنفس الطريقة، على المؤمن المعاهد، أن لا يتكلم في قضايا الباطن لئلا يتشتت انتباهه، وتفهم كلماته خطأ.

2 – الوقوف، ويرمز إلى تأكيد المؤمن الراسخ في عهده أن يحافظ عليه ولا يتزحزح عنه.

3 - تلاوة الفاتحة وسورة أخرى، وترمز التلاوة الى الاتصال مع بقية المؤمنين، ونقل معنى العقيدة اليهم وشرحها لهم.

4 – الركوع، ويرمز إلى الاعتراف بالاساس ، وبالحجة في حال غيابه، والذي يعتبر برهانا على وجود الامام.

5 – السجود ويرمز إلى الاعتراف بالناطق كمنذر بالدور الكبير، وبإمام ذلك الدور.

6 - التشهد، ويرمز إلى الاعتراف بالداعي.

7 - التسليم، ويعني إعطاء الإذن باظهار الكلام والعمل والعقيدة، فقط بعد عملية التسليم في الصلاة ، وأن يكون مسموحاً للمؤمن أن يتحدث مع الآخرين.

عندما يكمل المصلي أداء الصلاة في الظاهر، عليه أن يبجث بمقابلها عن معناها الباطني من خلال الاعتراف بالمعنى الباطني للخطوات التي أداها. فمن حيث الجوهر – اذن – أن تأويل الخطوات الخاصة بالصلاة تعتبر مراحل في رحلة النفس الانسانية في بحثها عن حقائق العقيدة الداخلية.

وجوهر هذا التأويل للصلاة يلخصه ناصر خسرو كما يلي :

يتألف ظاهر الصلاة من عبادة الله مع سجود الجسد والتوجه نحو القبلة التي هي الكعبة، معبد الله العلي والموجودة في مكة. وفهم باطن الصلاة ( تأويل الباطن ) يعني عبادة الله بالنفس المفكرة ، والاتجاه نحو البحث عن المعرفة الاشراقية للكتاب المقدس، ومعرفة الدين الإيجابي والتوجه نحو قبلة الروح ، معبد الله، ذلك المعبد التي تتعلق به المعرفة الاشراقية الالهية ، وأعني به الإمام في الحقيقة، عليه السلام" (15)

والنتيجة الوحيدة التي نتوصل اليها من خلال دراسة هذه الأمثلة من التأويل هي الاعتراف بالجدل الذي يؤكد على التأويل الهيرمنيوطيقي. عندما ينفتح التأويل ، ينتقل دائماً من مستوى المحدد والوقتي إلى مستوى الكوني والأبدي. إن التأويل متجذر – تاريخياً – ضمن الطائفة وتراثها، يبني ويشكل نفسه إلى أن يختبره المؤمن كجزء من تطوره العقلي والروحي. وطبقاً لكتابات أولئك المفكرين ، فإن أداء الصلاة في الاسلام ، ينبغي أن يدفع كل مسلم إلى بحث دائم عن معنى الحياة والكون. تلك الفكرة التي تستقر في قلب العقيدة الاسماعيلية. وهناك نتيجة أخرى لهذه الدراسة هي الاعتراف بأن باطن الصلاة الذي يدعوه ناصر خسرو" العبادة بنفس مفكرة " ، يتمم الظاهر، وبذلك فان الأداء الظاهري للصلاة ينبغي بالآن نفسه أن يترافق بفعالية الملكات العقلية والروحية بهذا الأداء.

مواضيع البحث والتحول

بين الروايات التي نقلت عن نشاط الدعاة، هناك نوع من القصص توصف تقريباً بالأسطورية من حيث الشكل، والتي تصف لحظات رئيسة من ولادة الشعور الداخلي وتطوره، وتسفر عن مستوى من الحياة الشخصية والروحية يتعلق بمواضيع البحث والتحول الفكري والروحي. وفكرة البحث هي من ضمن مفهوم التأويل، ومن أجل هذه الوسيلة من الفهم ، يبدأ المرء بالبحث عن المعنى الباطني. وبتزامن مع هذا الأمر، وكبرهان في تحليل الصلاة ، يصبح البحث مقدمة لتحول يجعل من الممكن الحصول على هذه المعرفة للمعنى الداخلي عندما يترقى المؤمن في الهيكلية التراتبية للعقيدة. إلى جانب قصيدة لناصر خسرو كسيرة ذاتية له، توجد أعمال في الأدب الاسماعيلي مثل كتاب العالم والغلام(16), وقصص محفوظة في تراث الجنان عند الاسماعيليين النزاريين في شبه القارة الهندية(17) تشمل مثل هذه القصص الرمزية للموضوعين.يقع فن الروايات ضمن النهج الذي بموجبه تستدعى وتحبك معاً البواعث للبحث الروحي والاستجابة له والتحول اليه كي يخرج القماش المطرز بها في كل حالة ممثلاً لتصميم ونموذج عام، ورغم ذلك فان عمل الرواية موضوع في سياقات مختلفة.

رواية السيرة الذاتية لتحول ناصر خسرو الى الاسماعيلية تشير الى حلم أفاقه مما كان يمثل حياة كسل وخمول الى تلك اللحظة، بعدها قام بالحج الى مكة. في الطريق واجه أموراً جعلته يتحول الى الاسماعيلية كعضو رئيسي في الدعوة الفاطمية. في أي حال ،وفي قصيدة نظمها احتفالاً بهذا التحول ، نجد أن نموذج التأويل المحبوك بالرواية ظاهر. أن نومه يساوي حالة الجهل، والشخصية التي رآها في الحلم هي المحرك الذي سبب فعل اليقظة الذي قاده الى البحث. ورمز عن قرارة اللاحق في الوصول الى البلد الأمين( 95/31)، القاهرة في الرواية، ولكنه في الحقيقة هو البلد الأمين المعبر عن الفهم الحقيقي الذي هو هدف البحث. والتحول هو التكامل عبر الالتزام، وأداء قسم الولاء للامام، هو المرموز له في القرآن(48/18). (18)

في كتاب العالم والغلام ، بطل الرواية أبو مالك الذي هو نموذج للمنفي الروحي، والذي كان جزء من مهمته مغادرة وطنه، دخل بلدة متخفيا حيث اختلط بأهلها قبل أن يصادف تلميذا اصبح لاحقا تلميذا له . تكشف الرواية بعدئذ عن سلسلة من الحوارات لكي تصبح العملية التربوية واضحة. هذه العملية عملية ثلاثية ، في البدء تمت اثارة احساس التلميذ للبحث ، من خلال اثارة معاني الرموز ، واستخدام التأويل الذي ينقل من النص الحرفي الى روحه. هنا تمت اثارة رغبته للمعرفة، وأصبح متشوقا ليعرف المزيد عن الشخصية التي تضع بين يديها المفاتيح الموصلة للمعنى الداخلي وللسماء الروحية أي الامام . في مرحلة لاحقة، اكتسب التلميذ اسماً جديداً يرمز الى دخوله الى أنموذج جديد من الفهم والاستيعاب، والى طريق للحياة ، وفي المرحلة الأخيرة ، الى عملية تحول توجت باحتفال بهذه المناسبة، ولكن لم يدون أي شئ عما تم في الاحتفال. لم يكشف النص عن السر، وتم فقط نقله الى التلميذ شخصياً.

وفي الروايات المحفوظة في أدب الجنان، فان وصف نشاطات الدعاة الاسماعيليين، ويدعون أيضا بيرز، تعكس تعاقب عمل مع ملامح تفاعلية معينة، كما يلي: 1) وصول مجهول إلى مركز نشاط ديني معروف جيداً. 2) إتيان معاجز واكتساب تلميذ أو تلاميذ. 3) فترة من المواجهة وحتى رفض. 4 ) نصر تال وتحول جماهيري إلى العقيدة.

والشاهد الحرفي لهذه الروايات، كما في الحالتين الأخيرتين ، يعكس أنموذجاً أصلياً ، يمر - بحسبه – التلاميذ عبر عملية تلقين بدئية لمبادئ العقيدة. والمجموعة الرئيسية من التشبيهات هنا، هي " النئ ، و " المطبوخ " ، والتلميذ في هذه الحالة أميرة آلت على نفسها أن تأكل اللحم المطبوخ يومياً حتى ينكشف لها سر من ستكون له عروساً. وصدف أن كان الداعي يوما في الجوار، ولم يجد حارس الطرائد غزالا يصطاده لها، ولكنه صادف حيوانات الغابة حول الداعي مسحورة بعزف لأغنيته. ومن خلال معجزة ، أعطى الداعي قطعة من لحم غزال الى الحارس، وعندما طبخته الأميرة وذاقته ، كما لو كان الأمر في اليقظة، شعرت بقرب حضور عريسها، فخرجت تبحث عنه. وفي الوقت المناسب تم زواجهما. استعارات العريس والعروس وزواجهما، آذنت بانتقال من البحث الى التحول الى الاتحاد .

وبالرغم من أن كل الروايات تختلف في السياق وفي إطار أحداثها، فانها تبرز مواضيع متشابهة، بحيث أن أحداثها تقود الى البحث عن التحول الروحي، وفي قلبها تقع معرفة القضايا الكلية . والصورة التي تمثل أفضل تمثيل عمل التعرف والتنوير هي الرمز القرآني للنور الالهي المشع( 24/35). وقد حاول هنري كوربان أن يوضح صورة الإمام كنور في الأعمال الفاطمية وفترة مابعد الفاطميين لتفسير العناصر الرئيسية لما يدعوه" بالغنوص(الاشراق) الإسماعيلي الشيعي المعروف قليلا ، والشكل المدروس نادراً" (19) ، حيث المرجع يحيل إلى الصورة المعقدة للهيكل النوراني الذي بقوته يرتفع أعضاء الهيكلية التراتبية للعقيدة عالياً حتى يتجمعوا معا في القيامة. وتعكس الفترة الأخيرة من الاسماعيلية ملامح تتشابه في بعض الوجوه مع الحكمة الصوفية، وهذا لكونه نتيجة لسياق مشترك وتأثير متبادل. لغة العبادة هي مظهر واحد حيث يبدو التأثيربسببها واضحاً، وعلى الخصوص، عندما يلتمس عنصر الخبرة الدينية توضيح الادراك بالعقل وبالنفس للحقيقة. ويلتقط الشعر بصورة أفضل من النثر هذه اللحظات من التأمل وأفعال اليقظة. هذا الشكل من التعبير عُرض سابقا في قصيدة ناصر خسرو، وظهر أيضا في الجنان، كما هو مبين في الأمثلة اللاحقة في قصيدة لناصر خسرو تصف بداية تلقينه وتحوله الديني ، والتأثيرات الأخرى للحظات الوجد والاستنارة في الجنان ، والتي لا يمكن أن توصف إلا بمصطلح " التناغم الروحي " فقط .

ذلك الحكيم وضع يده على قلبه

( مئة بركة على تلك اليد والصدر )

وقال:" أقدم لك الوسيلة للاثبات والبرهان

ولكن اذا قبلت، سأضع ختما على شفتيك

وينبغي أ لا تفتحهما أبدا."

منحته موافقتي، ومن ثم وضع الختم.

ونقطة بعد نقطة ، ويوما بعد يوم

أعطاني الجرعة الشافية، حتى سقمي اختفى

ولساني تشرب بكلام بليغ

ووجهي الذي كان شاحبا كالزعفران تورد الآن فرحا

انا الذي كان كالحجر ، أنا الآن ياقوتة

كنت ترابا، وأنا الآن عنبر

لقد وضع يدي بيد النبي، وتكلمت عن العهد تحت الشجرة السامية

فلذلك هي مثقلة بالأثمار، وجذابة بالظل المنعش

هل سمعت أبدا ببحر يجري من النار ؟

هل رأيت أبدا ثعلبا أصبح أسدا؟

يمكن للشمس أن تتحول الى حصاة

وحتى يد الطبيعة لايمكن أبدا أن تتبدل الى حجر كريم .

أنا تلك الحجر النفيسة، وشمسي هو

وبأشعتها هذا العالم الحالك مملوء بالضياء

ومن الغيرة، لا أستطيع أن أنطق باسمه في هذه القصيدة

ولكني أقولها من أجله

أفلاطون نفسه يود لو يصبح عبدا

هو المعلم، شافي النفوس، المفضل عند الله

مثال الحكمة ، ينبوع المعرفة والحقيقة

مباركة السفينة التي به ترسو

مباركة المدينة التي يحرس بابها المقدس دائما

يا سيماء المعرفة، وصورة الفضيلة وقلب الحكمة وهدف البشرية

يازهو الكبرياء، أقف أمامك واهنا كهيكل عظمي متلفعا بعباءة صوفية

قبلت يدك كما لو كانت قبر النبي، أو حجر الكعبة الأسود

ست سنوات خدمتك، والآن وحيثما أكون ما دمت حيا

سأستخدم قلمي وحبري، دواتي وورقي... في مدحك (20)

عندما يجعل الاسم غير المنطوق بيته في الداخل

يصبح مصباحا يضئ القلب

وأمجاد التأمل الحقيقي تشعر ضمنه

ويمكن أن لاتعد بهرجة العالم تبهر

اللهب يضاء با لتلاوة ، ويلتهم كل ذكرى وتعبد

والحقيقة تحوم على شفاه المعلم

لأنه – كما يقول – أنا دائما بداخلها

العالم مذهول بالتألق، ويبتعد عن اللهب المتوهج

اذا كنت تبوح بسر هذا التألق

فالعالم سيدمغك بالجنون

يقول المعلم : في القلب أقمت مجلسي

وكل الغرف الاثنتين والسبعين تدق الموسيقى

فظلام الليل تبدد

وجوقة الجنان بدأت

الاسم غير المنطوق يواصل عزف سيمفونية ضمن القلب

والغرف الاثنتين والسبعين تمتلئ بالموسيقى

وروحه لاتعي منها سوى القليل .(21)

الكون والتاريخ

الروحانية الاسماعيلية متجذرة في موضوعين اسلاميين بشكل أساسي: آ - الوحدة التي تعكس الكون ، والتاريخ المقدس الذي يعكس تنفيذ المشيئة الالهية والمصير الانساني. تكشف هذه المواضيع، كما هي مبينة في الأدب الاسماعيلي، عن نموذج في الفكر الاسماعيلي يمجد الحياة الانسانية ، وحركيتها في اعلى مراحلها تمثل عودة الى أصولها، كما في الآية التالية:" انا لله وانا اليه راجعون "(2/156)

في أي حال، هذا الهدف له عالمه المادي ، كسياقه، حيث المادة والروح موجودتان في حالة تكامل. فالظاهر يحدد عالم المادة وهو ميدان يتشكل فيه مسار الحياة الروحية . ويظهر جوهر الفكر الاسماعيلي أنه لايوجد نزوع لرفض هذا العالم المادي. في الواقع ، ومن دون العمل في هذا العالم ، ينظر الى البحث الروحي بعدم الجدارة. وبوضع الظاهر بجانب الباطن ، والمادي مع الروحي ، يستفيد عالم المؤمنين منه أتم استفادة. والتراث المتواصل ضمن هذا السياق، يلهم يوميا حياة الاسماعيلي ويلخص في مظهره الأشمل العوالم التي يبرزها مقطع هام في مذكرات الامام الاسماعيلي النزاري الثامن والأربعين شاه سلطان محمد شاه ، آغاخان الثالث:

" علمتني الحياة في تحليلها النهائي درسا ثابتا، أن المرء ينبغي دائما أن يغيب في الهدف . في عواطفنا ازاء بعضنا البعض، وفي عملنا اليدوي أو العقلي، يكتشف معظمنا بسرعة كافية، أن أي رضا دائم، وأي قناعة يمكن أن نحققها تكون نتيجة لنكران الذات، وتوحد المرء مع الغاية في انسجام جسمي وعقلي وروحي. وفي أسمى عوالم الوعي والادراك ، فان جميع أولئك الذين يؤمنون بكائن أسمى، يتحررون من جميع قيود النفس المعوقة من خلال الصلاة والتأمل المستغرق في اشعاع الأبدية المجيد، والذي يغيب فيه كل وعي أرضي زائل، ويصبح هو ذاته أبديا".(22)

الملاحظات

1 – مجموعات عامة عن التاريخ الاسماعيلي، ومراجع أكثر تفصيلا لأعمال متخصصة ستتوفر في المصادر التالية: موسوعة الاسلام. " الاسماعيلية " لمادلونغ ، موسوعة أصغر عن الاسلام، " الاسماعيلية " لايفانوف، عزيز اسماعيل و عظيم نانجي " الاسماعيلية في التاريخ "، " في المساهمة الاسماعيلية للثقافة الاسلامية، نشر سيد حسين نصر( طهران الأكاديمية الايرانية الامبريالية للفلسفة، 1977( 225-65 : س . شترن، دراسات في الاسماعيلية المبكرة ( تل أبيب، مطبوعات ماجنس، 1983 ).

2 - عن الفاطميين، أنظر موسوعة الاسلام، " الفاطميون " بقلم ام. كانارد، أنظر أيضا عباس همداني ، الفاطميون،( كراتشي- باكستان دار النشر، 1962 ).

3 - من أجل لمحة عامة عن الفترة المبكرة، أنظر أس. أم. شترن " خلافة الأمير، ادعاءات الفاطميين المتأخرة بالامامة وصعود الاسماعيلية الطيبية" أوريان 4 (1951)193-255، وموسوعة الاسلام " البوهرة" بقلم أصغر فيضي.

4 - أوسع دراسة بحث شاملة عن الحركة الاسماعيلية دراسة أم. جي. أس. هدجسون، نظام الحشاشين ( ذا هاجو موتون، 1955) و ظهر مختصر لهذا العمل عند هدجسون" الدولة الاسماعيلية " في تاريخ كمبردج ايران، المجلد الخامس ، طبعة 1 بويل( كمبردج ، المطبوعات الجامعية، 1968)82-422 .

5 - مسح أكثر شمولية عن الأدب الاسماعيلي لاسماعيل بوناوالا،ببليوغرافيا الأدب الاسماعيلي( ماليبو، كايودينا، 1977 ) .

6 - مترجم من اقتباس لهنري كوربان، تاريخ الفلسفة الاسلامية ( باريس، جاليمار،1964).

7 - مقتبس من قبل يوجين فانس " با دو تروا " قصة ، تأويل وبنية في شعر العصر الوسيط ، في تأويل الرواية ام. جي . فالدس و ميللر أون( تورنتو، مطبوعات جامعة تورنتو، 1978) 122.

8 - ناصر خسرو ، كتاب جامع الحكمتين ، تحقيق مع دراسة رئيسية في الافرنسية و الفارسية من قبل هنري كوربان والسيد موين ( باريس ، أدريان- ميسونوف، 1953 ).

9 - أنظر هانز هالم Kosmologie und heilslehere der fruhen Isma'iliya: Eine Studie zur Ismlmischen Gnosis Weisbaden, F, Steiner, 1978

10 – تحليل مأخوذ من عظيم نانجي" التفسير الاسماعيلي للقرآن " ملاحظات مختارة من المؤتمر العالمي لدراسة القرآن الجامعة الوطنية الأوسترالية ، 8-13 ايار/ مايو 1980 ( كانبرا- اوستراليا، مطبوعات الجامعة الوطنية، 1982 40-42 . حول الكوسمولوجيا ، أنظر هالم و مادلونج " مظاهر علم الكلام الاسماعيلي " : السلسلة النبوية والله فيما وراء الوجود ، " في المساهمات الاسماعيلية " 51-65.

11 – عظيم نانجي، التأويل الاسماعيلي " 43-46 .

12 – الاحالة الى رواية مادلونغ : "الاسماعيلية " ، 204، أنظر أيضا برنارد لويس " التأويل الاسماعيلي لسقوط آدم " نشرة مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، 1983 ، الصفحات 691-704.

13 – كتاب العقيدة من دعائم الاسلام للقاضي النعمان ، تحقيق آصف فيضي ( بومباي، منشورات ناتشيكيتا ، 1974). 6 ،ستصدر ترجمة كاملة قريبا من قبل معهد الدراسات الاسماعيلية في لندن.

14 -انظر عظيم نانجي " التأويل الاسماعيلي" 43-46 .

15 - مقتبس من قبل هنري كوربان" ناصر خسرو والاسماعيلية الايرانية " في تاريخ كمبرج لايران، المجلد 4، طبعة آر. ان . فري، المطبوعات الجامعية، 1975 ) 523 .

16 – للوصف والتحليل أنظر هنري كوربان " (un roman initiatique du Xth siecle) في دفاتر حضارة العصر الوسيط 15( نيسان- حزيران 1972) 1-25،121-42.

17 - فيما يخص الأدب وخلفيته ، أنظر عظيم نانجي" الموروث الاسماعيلي النزاري " في شبه القارة الهندية – الباكستانية( نيويورك ، كتب الكارافان، 1978) ، موضوع التحول مبحوث في الصفحات 10-101.

18 – " بخصوص تحوله" ومساهمته في الباطنية الاسماعيلية، أنظر كوربان " ناصر خسرو"، وبخصوص أعماله، أنظر بوناوالا، الأدب الاسماعيلي"24-111. القسم المتعلق بالقصيدة ترجم في 40 قصيدة من الديوان لناصر خسرو، ترجمة ويلسون و جي. آر. آفاني ( طهران، الأكاديمية الايرانية الامبريالية للفلسفة، 1977)4-9.

19 - هنري كوربان" الظهور الالهي والولادة الروحية في الغنوص الاسماعيلي"، في أوراق من ايرانوس يير بوكس ( سلسلة بوليجن 30، نيويورك، كتب البانثيون، 1964 )5:71. هنا كما في مكان آخر في هذا المقال، ستكون مساهمة كوربان ونفوذه في تفسير الروحانية الاسماعيلية، واضحة جدا. بعض من مقالاته ستكون متوفرة في الطبعة الانجليزية في المستقبل القريب. أنظر أيضا هنري كوربان ، الزمان الدوري والغنوص ( لندن ، كيغان بول العالمية / المطبوعات الاسلامية، 1983.

20 – ناصر خسرو، اربعون قصيدة من الديوان ، 8-9 .

21 – الترجمة جزء من مشروع حول الجنان بدعم من منحة من الوقف الوطني للانسانيات ، ومن سلسلة مؤلفات تحت عنوان سلوكا.

22- سلطان محمد شاه ، آغاخان، مذكرات آغاخان( نيويورك، سيمون و شوستر، 1954) 353.

فصل في كتاب الروحانية الاسلامية: الأسس (نشر سيد حسين نصر ) ١٧٩- ١٨٩، لندن: روتلج و كيجان بول المتحدة ، ١٩٨٧.

هذا المقال المطول عن الاسماعيلية هو دراسة فريدة لبعض المفاهيم المفتاحية المتحكمة في المعتقدات الاسماعيلية. يبدأ المقال بتقديم خلفية مختصرة عن الاسماعيليين وعن بعض مخططاتهم الرئيسة المبكرة في تاريخهم. يعالج المقال نشاطات الدعوة الاسماعيلية وبعض الظروف المتحدية التي عملت الدعوة ضمنها...