Lifelong Learning Articles

الطب والصيدلة في عهد الفاطميين

 

تأسست الدولة الفاطمية في تونس عام 909 م، وكان الإمام الخليفة الفاطمي الذكي الحكيم المعز (حكم من عام 952- 75 م) هو الذي فتح مصر في عام 969 م، وانتقل بعد عامين من شمال أفريقيا إلى عاصمته العظيمة التي أسسها حديثاً القاهرة. كان الحكام الفاطميون أئمة للمسلمين الشيعة الإسماعيليين، والذين تمتعوا بإزدهار واحترام كبير نتيجةً للإدارة الماهرة والإستقرار الإقتصادي لحكومتهم. أسسوا المشافي والمكتبات والمساجد والمدارس بالإضافة لمرصد فلكي، ودعموها بسخاء. ومن بين ما أسسوه كانت جامعة الأزهر الشهيرة (970 م) في القاهرة، ودار العلم (1005 م). وكان تعلم وممارسة الفنون العلاجية قد تطور بسرعة مع إحياء العلوم التطبيقية والفنون الأخرى. يبدو هذا ملحوظاً بشكل أكبر عندما ينظر المرء إلى اتساع الإمبراطورية الفاطمية، والتي امتدت من الساحل الأطلسي للمغرب مروراً بمصر، وسورية وفلسطين شرقاً، وشبه الجزيرة العربية واليمن جنوباً. تطورت الأنشطة التقنية والفنية بشكل رائع في كنف هذه الحضارة الرائعة، وتمت رعاية التعليم بسخاء، كما وكُرمت المهن الصحية بشكل كبير.

لقد ضاع أو دُّمر جزء هام من التراث العلمي في هذه الفترة فيما يتعلق بالتاريخ الطبيعي والطب، أكثر من أي حقبة أخرى في الإسلام. تكشف الأدلة التاريخية الإنتاج المستمر والغزير في عصر الفاطميين. فعلى سبيل المثال، كانت المشافي على امتداد هذه الفترة، موضع إهتمام كبير وتجهيز عالٍ. وكان في الفسطاط مستشفىً مدعوم بسخاء، وهو البيمارستان العتيق، وكذلك يعرف ’بالأعلى‘ مقارنة بمستشفى لاحق، موجود في أسفل المدينة، ويدعى ’الأدنى‘. احتوى هذا البيمارستان على معدات فريدة وإمدادات وفيرة لإنجاز مهمته في خدمة احتياجات الفقراء والأغنياء على حد سواء. استمر هذا المشفى، من خلال مكتبته المفروشة بشكل جيد وقاعتي حمامين للرجال والنساء، بتلبية احتياجات المجتمع الصحية والتعليمية على مدى مايقارب أربعة قرون، وحتى العهد المملوكي في القرن الرابع عشر.

بُني المستشفى ’الأدنى‘ في عام 957 م. وكانت أجنحة المشفى والمطبخ مزودة بشكل جيد بالكثير من إمدادات الطعام والدواء بالإضافة إلى المعدات اللازمة للصيدلية. وكذلك احتوى على غرف واسعة للمكتبة وقاعات المحاضرات لتوفير التعليم والمعرفة الطبية المفيدة. تتم معالجة وشفاء المرضى في هذه المشافي، ويتعلم ويتقدم فيها الإختصاصيون بالصحة.

بلغت المساهمات الطبية الصيدلانية في شمال أفريقيا في عهد الفاطميين أعلى مستوى لها في أعمال أبو جعفر ابن الجزار (905- 984 م) من القيروان. كان كل من والده ابراهيم وعمه أبو بكر محمد، اختصاصيين بارزين في مجال الصحة. استلم ابن الجزار زمام القيادة في تعزيز التعليم والممارسة الطبية، وأصبح أشهر طبيب في عهد الإمام الخليفة المعز في شمال أفريقيا.

لقد نُسب لابن الجزار أكثر من ثلاثين كتاباً في التاريخ والسيرة الذاتية والجغرافية والفلسفة والأدب والمواضيع المتعلقة بالطب والصيدلة، ولكن ضاع الكثير منها. ومن بين ماتبقى نذكر المجموعة الطبية، ’زاد المسافر وقوت الحاضر‘، في سبعة أطروحات.

يكتب ابن الجزار في مقدمته، "يتضمن الكتاب عرضاً موجزاً لكن كاملاً عما كتبه الحكماء المبجلون القدماء (وخاصةً أبقراط، وروفوس، وأفسس وجالينوس) عن معرفتهم الواسعة بعلم الأمراض ومعالجتها، لكل عضو من الجسم، من الرأس وحتى القدم...، ونظراً لمزايا هذا الكتاب الشاملة فإننا نقدمه لكل أولئك المساهمين في فنون الشفاء، ليكون بمثابة دليل تعليمي لطلاب الطب، وقاموس للمترادفات للإختصاصيين، وكدليل للمسافر إلى الأماكن البعيدة النائية التي نادراً ما تجد فيها طبيباً (لذلك عنون ’زاد المسافر‘).

يقسم الكتاب إلى قسمين، يحتوي الجزء الأول على أول أربع دراسات مقسمة في 86 فصلاً وتناقش أمراض الرأس، كالشعر وأمراض الجلد والصداع والصداع النصفي والأرق والتهاب القحف وشلل الوجه ( شلل بيل)؛ ثم نظافة العين والأذن والفم، ونزلات البرد الشائعة، وأمراض الصدر والقلب، والتهاب اللوزتين، والسعال، واضطرابات نظم القلب، والذبحة الصدرية وأخيراً أمراض الجهاز الهضمي.

بينما يحتوي الجزء الثاني على الدراسات الثلاث الأخيرة في 70 فصلاً عن أمراض الكبد والطحال، بما في ذلك اليرقان، وحصى الكلى والمثانة، واحتباس البول، والأعضاء التناسلية فيما يتعلق برتق الرحم، وآلام المخاض، والنقرس وعرق النسا. وكذلك يتضمن الحديث عن الحمى في جدري الأطفال والحصبة، وتهيجات الجلد العامة، والحروق، والجروح ومعالجتها وعلم السموم.

أما كتاب العلاجات المنزلي، ’طب الفقراء والمساكين‘ والممتد على 58 فصلاً، فإنه يعتمد بشكل كامل على المصادر اليونانية والعربية القديمة. وكان موجهاً للمرضى الذين هم بحاجة لعلاج طبي وليسوا قادرين على توفير تكلفة الأدوية والأجور الباهظة للأطباء. يركز النص على المواد الطبية المألوفة والمنتشرة بشكل واسع من أجل الحفاظ على صحة جيدة وعلاج الأمراض الشائعة. شعر المؤلف بحاجة ملحة لإكمال هذا الكتاب بعد نشر كتابه المذكور سابقاً ’زاد المسافر‘ استجابةً لمتطلبات المجتمع. يتضمن هذا الكتاب علاج بعض الأمراض الشائعة مثل آلام وأوجاع الرأس والأذن والأسنان والمعدة، والسعال والربو والمغص وبحة الصوت- وينصح بإستخدام العلاجات الفعالة والسريعة والمجربة جيداً والمتوفرة في مجموعة متنوعة من الأشكال الصيدلانية. ويصف فيه أقراص تحت اللسان التي تستخدم حتى العصور الحديثة.

إن كتاب ’سياسات الصبيان وتدبيرهم‘ في طب الأطفال ورعاية صحة الأم والطفل والذي يتألف من 22 فصلاً سهل القراءة. يناقش الكاتب فيه صحة الطفل قبل وبعد الولادة وحتى سن البلوغ، بما في ذلك اختيار الممرضة والحليب والغذاء المكمل، والنظافة والنمو الطبيعي. ومن المثير للإهتمام، أنه يركز على عادات الطفل وتربيته للحفاظ الصحة الجيدة وتعزيزها. ثم يشرح أنه من الأسهل بكثير غرس عادات صحية جيدة وتقدير المعرفة المفيدة في حياة الأطفال مقارنة بالبالغين. كما ويؤكد على أهمية دراسة طب الأطفال بين التخصصات الصحية، ويأسف على أن هذا الموضوع قد تم "إهماله بشكل محزن لدى القدماء بحيث أنه لايمكن أن نجد أي كتاب واحد مستقل عن ذلك. بالإضافة لذلك، تتبعثر المعلومات المعروفة حول هذا الموضوع في ملخصات عديدة ومختلفة بحيث يصعب تجميعها عند الحاجة." وهكذا "فقد جمع وركز وناقش بجدية كل المعلومات المتوفرة حول طب الأطفال في كتاب واحد، مثل من يجمع حبات اللؤلؤ المتناثرة مع بعضها ليصنع منها تاجاً جميلاً أو عقداً أنيقاً."

 

بلغت السلالة الفاطمية أوجها بعد نقل مقر الإدارة من تونس إلى القاهرة. حيث شجع الخلفاء الفاطميون التعلم بسخاء ولمع عدد من الأطباء البارزين في هذه الحقبة، وقدمت مساهمات لاتقدر بثمن في تطور العلم الحديث.

(بإذن: خدمات الآغا خان الصحية، النشرة الإخبارية الدولية، كراتشي).

هذه نسخة منقحة من مقال نُشر في الأصل في ’العلم‘، المجلد التاسع، العدد الثاني، الصفحات 24- 26 في عام 1985.

N/A