Lifelong Learning Articles

الخطاب الرئيسي في ندوة "التقاليد الفكرية في الإسلام"

الكلمات الأساسية

الإسلام، العقل، الحياة الفكرية، التقليد والعرف، التاريخ، التربية، الحداثة، القرآن، الديانة التوحيدية، الأصولية، الإيديولوجيات، الدين، الدراسات الدينية، التنویر.

Download PDF version of article 214 KB

المحتويات

 

البحث في العقل

تعقد هذه الندوة الخاصة في كمبردج، في حقبة تاريخية – لا أعني بالتاريخ العالم الإسلامي فحسب، بل أيضاً تاريخ البشرية جمعاء- حيث نرى أن كل مفهوم من مفاهيم عنو ان هذه الندوة هو موضوع تساؤل. لنأخذ أولاً مفهوم "الحياة الفكرية ". ثمة علامات استفهام كثيرة تدور حول "المفكر" و"الحياة الفكرية" اليوم. ما هي مكانة المفكر في المجتمع؟ هل هو أيديولوجي، مفكر مؤيد أو مساند للفكر السائد والمنتشر هنا وهناك، أم يقتصر دوره على النقد فحسب؟ هل هو دور يدعو إلى التساؤل حول فرضيات العصر؟ وهل تشكل أروقة القوى مقراًً للمفكر؟ أم هل ينتمي إلى خارج أسوار المدينة، كما كان الأمر بالنسبة إلى أنبياء العهد القديم حيث ينادي من البرية،أي من خارج القوى والتصورات الفكرية السائدة؟

لعلكم تتذكرون المثل المأثور، الذي يقول بأن النبي لا يكرّم في بلده. في هذا القول المأثور، دلالة على المسافة التي تفصل بين فكرالمفكر والمركز. لكن إذا كان دور المفكر، يقتصر على النقض والتقصي، وتحدي ما يطلق عليه الألمان اسم زايتجايست، أي روح العصر، بغية فتح آفاق جديدة للتفكر وإمكانيات جيدية للتفكير والإحساس، والكينونة والتصرف، فكيف للفرد أن يدرك مسؤولية المفكر تجاه المجتمع؟ هذه هي الأسئلة التي تطرح حول المكانة التي يشغلها المفكر في الثقافة والمجتمع. ثمة أسئلة مشابهة تتعلق بعقل الفرد وتفكيره: ما هي مكانة حياة العقل ضمن الشخصية؟ ما هي علاقته بالمشاعر؟ ما هي علاقته بالشخصية؟ وماهي علاقته بالإيمان؟ ما هو الدور الذي تلعبه الحياة الفكرية في تطوير هوية المرء وشخصيته؟ ما هي العلاقة التي تربط العقل بالمسرات العادية، وكذلك بعواطف الحياة وأحزانها، وبمشاعر الصداقة والحب، وكذلك بناحية لا تقل أهمية عما ذُكر وهي علاقة المرء بالله؟ إلى أي مدى يؤثر العقل على مشاركة الفرد في المجتمع؟ وإلى أي حد يساهم الوعي العقلاني، الذي غالباً ما يكون ملازماً للوعي النقدي، في تيسير هذه المشاركة للمرء في المجتمع، وإلى أي حد يعيق هذه المشاركة ؟ وكيف يرتبط الفرد بالمجتمع من خلال نشاطاته الفكرية؟

تحليل التقليد

هذه التساؤلات كلها تتعلق بالفكر والعقل. الآن دعونا نتناول المفهوم الثاني الذي يظهر في عنوان هذه الحلقة الدراسية، وهو عبارة " التقاليد". ما هي هذه التقاليد التي على الفرد أن يتمسك بها في عالم يتعرض فيه المرء، كما هو الوضع اليوم، ليس لمجموعة واحدة من التقاليد بل لمجموعات متعددة من التقاليد؟ يتميز عالم اليوم بتعددية التقاليد. فالعديد من التقاليد تتشابك وتتمازج مع بعضها البعض. فضلاً عن ذلك، فإن وسائل الإعلام الالكترونية الحديثة جعلت مختلف تقاليد العالم تنتشر بطريقة فريدة وفورية ومباشرة في كافة أنحاء الكرة الأرضية. في ظل ظروف مماثلة، كيف يمكن للمرء أن يتشبث بسياق تاريخي معين؟ أي شريط من بين هذه التقاليد يربط بينها جميعاً، بحيث تصبح هذه الخيوط في نهاية المطاف قابلة لأن ينتج عنها نسيج أو قماش واضح المعالم بحيث يمكن للمرء أن يقول إن هذا الإنتاج هو فعلاً إنتاجي أنا فقط؟ بناءً على ذلك، أين لهذا الإنسان أو الفرد أن يتجه محاولاً أن يجد معنى لوجود، ومكاناً أو بنية اجتماعية يمكن أن ينتمي إليها، أو كيف لهذا المرء أن يجد التفسير الشافي لكلمتي "أصالة"و"هوية ذاتية" (يمكن أن يجعلاني أتطرق إلى سلسلة من التساؤلات الأخرى)؟ هذه المسائل المحيرة والغامضة التي تحيط بمفهوم التقليد. ويكمن خلف هذه المسائل، سؤال جوهري، عصري في كينونته، لا يتعلق بالتقاليد وكيفية اختيارها، بل بإمكانية التمسك بها في عالم يشهد تغيّراً مستمراً.

من جهة أخرى، قد يتسائل المرء: ما هو مستقبل الماضي؟ ما هو مستقبل الماضي في عالم يتغيّر بسرعة؛ عالم مشبع بثقافة الإعلام العالمي والفوري؟ ما هو دور التاريخ في هذه الحالة؟ وإذا لم يكن هنالك من ماض، ولم يكن للماضي من مستقبل، إذاً، فكيف للمرء أن يفكر بالحاضر والمستقبل؟

الزمن غير الموضوعي

ينبغي أن أوضح هنا ما الذي أعنيه من هذه التساؤلات. أنا لا أتحدث عن الوقت العام والموضوعي هنا، ولكني أتحدث عما يمكن تسميته بالوقت غير الموضوعي. من الناحية الموضوعية، يوجد دائماً الأمس واليوم والغد. ثمة وقت تشير إليه الساعة، ولكن ثمة وقت آخر في حياة المجتمع هو الوقت التاريخي، وقت يتعاطى المرء من خلاله بأمور الحياة، فيتمسك بما ورثه عن أجداده ويحمله معه إلى المستقبل. وهذا الأمر صحيح ولا ينطبق على المستقبل فحسب، بل على الأفراد أيضاً، لأن الفرد له تاريخ حياة. ولا يتبين الإنسان أهمية التاريخ الحياتي، إلا حين ينتقل من مرحلة إلى أخرى من حياته، كالانتقال إلى مرحلة الشيخوخة مثلاً، أو حتى مرحلة الشباب، فينظر إلى الخلف إلى المرحلة التي خاضها من عتبة المرحلة التي سيخوضها، فيجد أنه سلك فيها منوال ذويه وأسلافه. وهكذا تربطه علاقة جديدة بأهله وذويه، فلا يتمنى لو أنهم على حال مختلفة عما كانوا فيه. وبشكل عام، فإن المرء قد يرحب، في هذه المرحلة الحياتية، بمشاعر الانتماء والارتباط بالعصور الغابرة، التي تمثل بدورها، العلاقة أو المرحلة التي ينتظر عودتها. فالأجيال العابرة تقدم دمائها وجزءاً من روحها للأجيال التالية. وهكذا، فإن المرء يغلق، كما يقال، دورة تاريخ الحياة.

أما مرحلة الشباب، فهي مرحلة أخرى في التاريخ الحياتي، حيث يظهر فيها التفاوض الصعب والدقيق جداُ بين ما مر من حياته بما هو آت. والأهم في هذه المرحلة، هو العلاقة ما بين الحياة الفردية التاريخية للمرء والتقاليد الخارجية، وبكلمة أخرى: الثقافة. إن علاقة الشاب أو الشابة بالتقاليد هي إما علاقة دفاع أو تحدّ. فالشباب إما يتوقون إلى تلقي الارشادات وإما يتلهفون إلى مجابهة ما يقال لهم وأن يذهب إلى الجحيم من يقول لهم ما يجب عليهم فعله. قد تلاحظون أنني أستخدم هنا لغةً أكثر اعتدالاً مما يستخدمه الشباب فعلياً. في هذا السياق، ما هي العناصر التي تكوّن ذما يسمى بالاعتمادية أو التابعية؟ ما نحن بصدده هناليس قضايا تتعلق بالعائلة فحسب، بل قضايا تتعلق أيضاً بالثقافة والدراسة والتعليم، ودور المدرسة ومكانتها كمؤسسة في المجتمع .

نموذجان من التربية

ثمة نموذجان للمدرسة، ولكنهما شديدا الاختلاف. نموذج يصور المدرسة مخيما عسكرياً وآخر يصورها ملعباً. المدرسة التي تشبه المخيم العسكري، هي تلك المدرسة التي ربما التحق بها معظمنا، نحن المجتمعين هنا، ولا تختلف عما يسمى في انكلترا بالمدرسة العامة، مع أن هذا النموذج من المدارس يتسم بجو من اللعب يشوبه نوع من القسوة والصرامة. وتطبق مبدأ خاصاً قائماً على الإيمان بأن الولد، أو لنقل الابن، هو والد الرجل. بمعنى آخر، تعتبر هذه المدارس أنه ينبغي على الولد الصغير أن يكون أكثر رشداً من الراشد نفسه، وعليه الانصياع لمتطلبات التعلم الموضوعية. كما يجب عليه أن يتعلم كيف يكرس حياته لأداء واجباته، والالتزام بالقواعد الموضوعية. النوع الآخر من المدارس المختلف تماماً هو الذي يتبنى بكل جدية النظرية القائلة:"إن العمل وحده من دون اللعب يجعل من جاك ولداً بليداً". إلا أن النظريات المتحررة الحديثة المتعلقة بالثقافة تبالغ في تطبيق هذا المبدأ، ويغدو المثل المذكور أعلاه "إن مزاولة اللعب بكثرة تجعل من جاك ولداً ذكياً" مثلاً ليست له إلا دلالة واحدة، وهي أن الانضباط أمر يجب تحاشيه بأي ثمن.

هذا هو المنحى الثقافي اليوم الذي ينأى عن التقاليد ويعطى الطفل الفرصة لـ"اكتشاف ذاته" وتشكيل معارفه وآرائه الخاصة، مع غياب القيودالتي تفرضها عليه الظروف الخارجية. عندما كنا أطفالاً، كنا مبرمجين ومطيعين إلى درجة أنه لم يتح لنا ملاحظة شوائب المنهج التعليمي الرسمي الذي خضعنا له، والذي بات يعتبر اليوم "قمعياً" لتركيزه على الفرد أكثر من تركيزه على المجتمع. يجب أن ننتبه عند التفكير ملياً بهذا، إلى أن التربية ليست إلا التعبير المصغر للمجتمع بشكل عام. إن النموذج التربوي الذي أقوم بانتقاده، يؤدي في نهاية المطاف إلى ما يمكن أن أسميه استبدادية استغراق الفرد بالتفكير. وغالباً ما يبدو على الأشخاص الذين يتحلّون بهذه الخلفية التربوية، الشوق لنظام يبين لهم ما هو عليه العالم وما هو موقعهم في هذا العالم، وما المفروض أن يقوم به الفرد في هذا العالم.

التوق إلى نظام موضوعي

إن هذا الشوق، بكل اختصار، هو محاولة بحث عن الموضوعية، أو بشكل أوضح، البحث عن علاقة موضوعية. ويسهل التوصل اليوم إلى النظام الموضوعي، خاصة بالنسبة إلى الشاب أو الشابة، وذلك بواسطة طريقين مختلفين. الأول هو طريق العمل والجهد، والثاني هو طريق التربية والثقافة.

فالعمل، كاحتراف أو كمهنة، يجعل الفرد على علاقة بعالم من الأفكار والمهارات والوسائل. المهم هنا أن أغلب الرجال والنساء لطالما وجدوا عبر التاريخ، أنفسهم من خلال الأعمال التي قاموا بها، أكانت صيد الحيوانات أو حراثة الأرض، أو تربية الأطفال، أو تشغيل الآلات، أو مختلف المهن ذات الطابع الاقتصادي، أو السياسي أو التنظيمي، التي تسهّل سير العديد من المهن الأخرى. وهكذا، فخلال معظم الفترات التاريخية، بدا أن هذه الأعمال كانت تقتصر على أقلية معينة أو على مؤسسات أعلى مكانة. وهكذا، فخلال معظم الفترات التاريخية، كانت الأمور السياسية تترك للحكام، والأمور الدينية للكهنة والحاخامات و العلماء. أما الأمور الثقافية فكان يعهد بها إلى الشعراء والفنانين والكتاب والفلاسفة الضليعين في العلوم.

بيد أن هذه العلاقة تغيرت في العالم الحديث. وقد حصل هذا التغيير منذ ثلاثة قرون تقريباً، مع اندلاع الثورة الصناعية، وانتقال الفرد من العمل في المنزل أوالمزرعة أو المخزن الصغير، إلى العمل في المصنع. وقد كان الدكان أو المخزن الصغير يعتبر مصلحة تديرها الأسرة، فيشكل بالتالي امتداداً للمجتمع. ولكنها ليست الحال بالنسبة إلى المصنع الذي لا يشكل امتداداً للمجتمع البشري. لذا نجد اليوم أناساً يقولون"إنني أجد الرضى الاجتماعي خارج العمل وليس في العمل نفسه". من هذا المنطلق، تختلف أساليب التعبير الشخصي في ما بينها باختلاف قطاعات الحياة. وتقف وراء هذا الاختلاف أسباب عديدة، أصبحت تشكل مجتمعة مميزات التاريخ الحديث. وهي تشمل أتمتة العمل والعوامل الترشيدية في مزاولة العمل التي سارت متشابكة الأيدي مع نهضة التجارة والصناعة العصريتين. وقد نجمت عن ذلك نتيجتان، هما انقسام المجتمع إلى قطاعات مختلفة، وانقسام شخصية الفرد بالتالي إلى أدوار متعددة.

نتيجة لهذه التحولات والتغيرات التاريخية، فإن فرص العمل المتاحة في عصرنا لا تترك للفرد مجالاً للتعبير عن ذاته، كما هي الحال في العالم الغربي الذي يزخر بدور السينما، أو قاعات العزف الموسيقي والمسارح، أو حانات المشروبات والمقاهي. لكن هذه المؤسسات المتمثلة في المسرح وقاعة العزف الموسيقي، باتت تنقصها اليوم أيضاً روح المجتمع التي كانت سائدة ومعروفة سابقاً. فقد كانت فرق العزف الموسيقى تنتشر في البيوت وليس في قاعات الموسيقى. كما كانت حفلات الأوبرا عبارة عن مناسبة يلتقي فيها الناس لتبادل الأحاديث. ويكفي أن نطلع على أعداد سابقة صادرة في القرن التاسع عشرلصحيفة التايمز البريطانية مثلاً، لنجد كماً كبيراً من الاعتراضات والشكاوى حول طريقة الغناء في الأوبرا التي كانت تعتبر كثيرة الضوضاء، مما كان يؤدي إلى حرمان جمهور المستمعين من فرصة التحدث مع بعضهم البعض. لكن الوضع تغير اليوم ولم يعد هناك من هوية لهذه النشاطات التي باتت نشاطات مجردة بدلاً من كونها اجتماعية.

التربية وانتهاكات الحداثة

أما في العالم الثالث، فبإمكان الفرد أن يجد اتجاهين أو نزعتين مختلفتين. فمن جهة، نشاهد انتشاراً واسعاً لأشكال الفن الجميل وسبل الترويح عن النفس، وهي بطبيعتها إما مجتمعية أو اجتماعية. فهنالك مثلاً، الأشكال الموسيقية الصاخبة مثل حفلات القوالي، التي تحمل طابع المجتمع، وتتداخل فيها الجوانب الاجتماعية والروحية والفنية. كما أن ثمة شكلاً دينياً - سياسياً آخر، للتعبير عن الذات، وهو ما نجده في المسجد والمدارس الدينية المعروفة بـ"المدارس" وكليات الدراسة اللاهوتية. ويمارس بعض هذه المؤسسات الكثير من النشاطات التربوية في المجتمعات الإسلامية. وتتطلب هذه الظاهرة بعض الشرح والتبيان.

إن أحد أسباب هذا الاتجاه أو النزعة، يتعلق بانتهاكات الحداثة التي تؤدي بدورها إلى وضع تغريبي واعتزالي، ويتطلب هذا الوضع بدوره البحث عن الأشكال الاجتماعية التي تجسد ما يعتبر قيماً أخلاقية وروحية. هنالك أيضاً، بالطبع، مشكلة التربية. ولا تنتشر في الغرب الفرص العلمية فحسب، بل الفرص العلمية التي تتبعها إمكانية الانخراط في عمل ما، أي تتوفر بمعنى آخر في الغرب، فرص اكتساب المهارات والفرص المناسبة لتمرينها وصقلها. ولكن عندما لا تتوفر أي إمكانية لفرص التثقف والتعلم، أوعندما يجد شخص أتم دراسته أن مجهوداته كانت في غير محلها، أو أنها لم تكن مثمرة، ولم تعط كفاءته مردودها، يشعر بالإحباط. قد يشعر الفرد بالاكتفاء الذاتي لو أن تلك الكفاءة أعطت ثمارها، وتيقن من أنه فعلاً ينتمي إلى المجتمع عن طريق ممارسته لتلك المهارات التي اكتسبها. ولكن عندما يدرك الفرد أن كل ما قام به ذهب سدى يصاب بخيبة الأمل، وكأنه عُزل وأُخرج قسراً من مجتمعه. هنا بالضبط، يكمن شعور الشباب اليانع بالخواء المعنوي، وتظهر معالم غربتهم ضمن مجتمعهم بالذات. وما يحدث في العالم الإسلامي اليوم، ما هو إلا نوع من المظاهر الشائعة في العالم الثالث بشكل عام، في البلاد الأفريقية والآسيوية أيضاً في الشرق الأقصى، ولو أنّه ليس بالأهمية نفسها.

بروز الإيديولوجيات الاستبدادية / الشمولية

وتعتبر إحدى أهم مشاكل التاريخ الحديث، نشوء الأيديولوجيات الديكتاتورية. ولعل الأيديولوجيا الأهم التي ظهرت في العالم الإسلامي، والتي بقيت لفترة معينة تتحكم بالشعب وتؤثر فيه، ولا سيما في العناصر الشابة، كانت القومية التي ترافقت مع قدر من الاشتراكية، حقيقة كانت هذه الاشتراكية أو صورية. ونادراً ما كانت هذه الأيديولوجيات تنجح في تأمين العدالة والتضامن الاجتماعيين، لذلك كانت مصحوبة بخيبة الأمل. وكنتيجة لهذا الوضع، ظهرت فجوة في هذه المجتمعات: فجوة في المعاني، لا بل أزمة معان ٍ. ولطالما تم تفسير"الأصولية" أو ما يُسمّى "الأصولية الإسلامية" في هذه البلاد بشكل أفضل عند أخذ العوامل السياسية بعين الاعتبار. ولكن العوامل الثقافية تكمن خلف المشكلة السياسية. لذلك على الواحد منا، أن يأخذ بعين الاعتبار الجانب الثقافي، وليس الناحية السياسية فحسب، ليتوصل إلى الفهم التام للمشكلة. إذ أنه بغض النظر، إن كانت العقيدة دينية أو علموية- زمنية، فالمقصود منها ربط الفرد بالمجتمع بشكل خاص وبالكون بشكل عام. وتمثل الأيديولوجيات حاجة الإنسان إلى عقيدة موحّدة، إلى شيء يقول له أولاً ما هو هذا العالم الذي يعيش فيه، وثانياً مكانة الإنسان ودوره في هذا العالم، وثالثاً ما هي المبادئ التي تتحكم بأعمال الإنسان وتنظم سلوكه في هذا العالم. ولذلك، فإن الأيديولوجيا هي عبارة عن ظاهرة ذات طابع شمولي. وهي تجيب عن العديد من التساؤلات التي سبق أن طرحها الفيلسوف كانط حول تراتب الأشياء، على نحو: " من هو الإنسان؟ ما هو دوري ومكاني في العالم؟ ". ويمكن أن ننوه هنا إلى أن السؤال الأخير متعلق بالمبادئ الأخلاقية.

ويجب التمييز ضمن الإيديولوجيات بين ما أطلق عليه المحلل والطبيب النفساني إريك هـ. إريكسون، الديكتاتورية والشمولية. يمكن تحديد الشمولية، من الناحية السلبية، بأنها عبارة عن غياب الترابط أو التفكك. وهي تعبر عن المفهوم الذي يعتبر الشخص مرتبطاً بالكون، أي مرتبط بأبناء جنسه، وأن مختلف عناصر ذاته تتحد في ما بينها لتكوّن شخصيته. كما أن هذه الناحية المميزة تمثل ما يفيد ويفي بأن هذا الإنسان متصل ومرتبط بالكون، وأنه متصل أيضاً بزملائه من البشر المتواجدين على هذه الأرض، وكذلك يظهر تماسك مختلف الأجزاء المتواجدة ضمن نفسه بالذات وترابطها، مما يؤدي إلى تأمين وحدوية الشخصية. أما بالنسبة إلى الاستبدادية الفكرية ( توتاليزم) التي تشتهر ويشار إليها غالباً بالأصولية، فهذه الاستبدادية في النظر إلى الأمور، أو لعلنا نقول الشمولية لهذه النظرة الكمالية، تشير وتدل على تواجد نظام موحّد للفكر الذي يوضح ويفرض كل شيء، وفضلاً عن ذلك تعرض وتقدم تمييزاً حاداً وبارزاً ما بين عالمها الخاص بها وبين العوالم الأخرى، بين المفروض أن يتلازم ويتواجد حتماً ضمن فلكها الخاص بها وداخله، وما هو موجود خارج هذا الفلك. وتصر هذه النظرة الكمالية على أنه لا يحق لما هو موجود خارج فلكها، أن يدخل عالمها الخاص بها، كما أنه لا يتم التخلي عمّا هو خاص بها، مهما تكن النتائج. هذا الفصل المتشدد والمتصلب بين ما هو في الداخل وما هو في الخارج، يشكـّل بدوره منحى انقسامياً ذا طابع ثنائي.

وهذا المنحى متواجد في كل العقائد التي تؤمن بشمولية أفكارها وكماليتها فقط. كما أن هذا المنحى أو لنقل هذه النظرة إلى الأمور، ظاهرة ومتواجدة في تصور الغرب للإسلام كمعارض لكل شيء تمثله الحضارة الغربية، كما أن هذه الثنائية في تقسيم النظريات إلى صالحة وغير صالحة، متواجدة أيضاً في التحديد المطلق والشامل للإسلام، وهو تحديد يعارض كلية ما يوصف بأنه ملازم للثقافة الحديثة.

من المهم أن ندرك أن هذا التعريف الشمولي للإسلام، هو بحد ذاته حديث العهد. وبالرغم من استناد هذا التعريف إلى التاريخ، إلا أنه لا يرتكز على التاريخ بشكل كبير. لقد كان الفكر الإسلامي أو الثقافة الإسلامية تاريخياً عبارة عن ظاهرة مركبة. أي أنها نتيجة للعديد من التأثيرات الفكرية، ومشابهة لنهر كبير تدفقت فيه روافد وفروع نهرية عديدة. من المؤكد أن لهذه الظاهرة وحدة مركزية يغلب عليها أيضاً طابع النزاهة المركزية، وهي ظاهرة يصعب تحديدها. فنحن مثلاً عندما ننظر إلى الفنون الجميلة، أو الفن بشكل عام عبر العالم الإسلامي، نجد أن هذه الفنون تتشارك في مواصفات عديدة ومعينة تجعلنا ندعوها فنوناً إسلامية. إلا أن التنوع في هذه الفنون كبير، وكذلك المؤثرات الآتية من جميع بقاع الكرة الأرضية.

فكرة التقليد

قبل المتابعة، أود إضافة عدد من النقاط التوضيحية. غالباً ما نلاحظ أنه عندما يقول الناس إنهم يبحثون عن تبرير يهودي لمشاكل العالم المعاصر، أو تبرير مسيحي أو إسلامي، فإنهم يعبرون ضمنياً عن رغبتهم في أن تدوم معتقدات الدين الذين يبحثون ضمنه عن تبرير. لكن ثمة فرقاً كبيراً واضح المعالم بين هذا التقليد المنهجي والرغبة بإحلال هذا التقليد، وبين ما أسميه التقليد من جهة، والتقليدية من جهة أخرى.

إن فكرة التقليد، ليست وليدة هذا التقليد للمعتقدات الدينية. ففكرة التقليد التي هي عبارة عن التقليدية، إن صح التعبير، قد وُلدت خارج إطار الإجراءات المتعلقة بعقد الزواج. فهي تنبثق عن الطلاق بين القيم المثالية والمجتمع حيث كان مفروضاً أو متوقعاً أن تسود هذه القيم المثالية التي هي حاصل الطلاق بين الماضي والحاضر. وفي الحقيقة، فإن المجتمعات التقليدية هي التي تمثل ذلك النوع من المجتمعات حيث لا تتوجد فكرة التقليد، أو بمعنى آخر هي خالية منها. ففي العالم الإسلامي مثلاً، تعليقات وأحاديث تدور منذ خمسين عاماً تقريباً، تتعلق بالتقاليد الإسلامية، وتتعلق بالتراث الإسلامي أيضاً، وهلمّ جراً. ومهما يكن الأمر، فإن هذه المشاغل الفكرية هي بطبيعتها حديثة العهد. فالفيلسوف الألماني مارتن هايدغر يعرض صورة واضحة وساطعة لما أنا في الحديث عنه هنا. فإن المطرقة التي يحملها فنان مبدع بين يديه، تختلف تماماً عن المطرقة التي يحملها عامل ليصلح عطباً ما. فعندما تكون المطرقة بين يدي فنان مبدع، تكون امتداداً لجسمه، أي أنها تغدو جزءاً منه ويغدو جزءاً من المصنع، وبالتالي جزءاً من الاقتصاد الذي يشكل المصنع عنصراً من عناصره. لكن ما أن تنكسرهذه المطرقة، فإنها تتحول إلى أداة للتفحّص والتدقيق. عندئذٍ، ينظر إليها كمجرد أداة، بينما كان الفنان الصانع، يستعملها بشكل واع كجزء منه يساعده في إبداعه. وهكذا، إذا ما واجه الاقتصاد أي مشكلة، وواجه المصنع أي صعوبات، فعندئذٍ يصبح كلاهما موضع الاهتمام والتدقيق، علماً بأنهما لم يخضعا في السابق لهذا النوع من الاختبار. كذلك التقاليد تصبح مصدراً للقلق وكذلك للحنين والاهتمام ويتوقف عن العمل، وليس حين يبقى سارياً. من هنا يمكننا القول إن فكرة التقاليد لا يمكن البحث عنها في المجتمعات التقليدية. كما أنه لا يحصل المرء في المجتمعات المذكورة على التوجه الفكري الذي أطلقت عليه، في هذا المجال، اسم التقليدية.

إن قياس عصر تقليدي، يكمن في مقدار الحياة الذي بإمكان هذا التحديد أو التقييم أن يأخذه بدون تحفظ، وبالمقابل وبشكل مغاير، ذلك المقدار من الحياة الذي لا يمكن لهذا التحديد أن يأخذه بدون تحفّظ، أو لم يكن بإمكانه أن يأخذه بدون أي تحفّظ، أو لم يكن بإمكانه أن يأخذ بدون أي تحفّظ أو تلكؤ. وفي هذه المسافة التي تفصل ما بين هذين النوعين للمجتمع، يكمن الشّبه والتقابل مع المسافة التي تفصل ما بين العالم الذي كان يوماً ما مهيمناً عليه من قبل أثينا أو القدس أو مكة من جهة، والعالم المهيمن عليه من قبل واشنطن، أو طوكيو أو لندن أو باريس - بعد عصر الامبريالية- وبقية المدن في ما تبقى من العالم، وهي التي تـُعتبر وكأنها ملحقة أو تابعة لتلك العواصم الرئيسية. وحتى لو أن هذه المجتمعات التي تدور حول المدن الحديثة أرادت أن تستعيد السيطرة الروحية على القدس أو مكة، فإن ما تعرضه وتبيّنه هذه المجتمعات من خلال هذا التصرف، لا يعني أو يشير إلى تقاريرها ومجاورتها لهاتين المدينتين العريقتين في قدمهما، بل إن كل ما تفصح عنه هو حنينها النابع من بُعدها عن هاتين المدينتين العريقتين.

لنتطرق الآن إلى ملحوظات عامة جداً. لقد بدأت بحثي بالقول إن كلاً من المفاهيم المتضمنة في عنوان هذه الندوة، لا يشكل عنوان بحث، بل سؤال معين بحدّ ذاته. فحياة العقل أو الفكر هي بحد ذاتها سؤال، وفكرة التقليد تشكل أيضاً سؤالاً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى علاقة الماضي بالحاضر في الإسلام؟ إن أحد أهداف هذه الندوة، هو تحديد هذه المسائل بشكل أدق، لأن الدقة في شرح هذه المسائل، وفي إثارة الأسئلة المناسبة، تختصر في هذا الصدد نصف المعركة. دعونا لا ننس أنه خلال القرون الأربعة الأولى للإسلام، كانت شروح طبيعة الإسلام محطّ - تضارب في الآراء حول التفسيرات المختلفة، التي لم تكن بعد قد توصلت إلى مستقر صلب، بحيث توضع كلُّ المفاهيم والنظريات في مكانها اللائق والمناسب. لذلك، فإن المنحى التفكيري الذي يقول بأن مفاهيم الإسلام سبق أن وفرت الأجوبة لكل سؤال يجابه في التاريخ، وإن كل ما بقي هو تطبيق وتنفيذ لهذه المفاهيم، هو اعتقاد ومنحى خاطئان وقصور في فهم حقيقة التعاليم الإسلامية.

بادئ ذي بدء، ما حدث، حقيقة، في التاريخ، هو أن فترة التوسع العربي- الإسلامي الهائل وحكم العرب لمناطق واسعة في العالم، تعتبر بالنسبة إلى مصطلحات التاريخ ومعانيه فترة وجيزة. لقد أثار ذلك الحكم العديد من الأسئلة حول كيفية تنظيم سياسة الأمم والشعوب والأفكار والقيم، وحول القانون وتنظيم المجتمع. كما أن هذا الحكم أثار أيضاً قدراً لا يستهان به من التنوع في أمور الحكم وما يرافق ذلك من اعتراضات. فمنذ أوائل الفتح العربي، ظهرت معالم الاختلاف الواسع حول مسألة السيادة، وكيفية إدارة مناطق الحكم العربي- الإسلامي بحيث تكون هذه الإدارة ذات صفة شرعية روحياً وزمنياً ( تجدر الإشارة هنا إلى أن التمييز والتفريق بين المقولتين حول إدارة هذه الممالك لم يتما فعلاً إلا في الفترات المتأخرة للحكم الإسلامي). وأعتقد أن ثمة العديد من الدلائل التي تشير إلى أن النظرة الشيعية حول هذا الأمر، والتي تتمحور حول الإيمان بأن سلطة الحكم تكمن في "أهل البيت"، أي عائلة النبي محمد، بدأت على ما يبدو في الزمان المبكر للإسلام، علماً بأنه لا يمكن تجاهل نظرة أهل السُّنة حول هذا الأمر، التي يشارك فيها أيضاً أصحاب الاختصاص في دراسة التاريخ الإسلامي الذين يُعرفون بالمستشرقين الغربيين. إن النظرة العامة لهؤلاء المستشرقين الغربيين أنهم تعاطوا بشكل أوسع مع المصادر التاريخية لأهل السُّـنة. وتطابقاً مع هذا الاعتماد على هذه المصادر، كان المجال أوسع لاكتمال معالم هذه النظرة وتوصلها إلى اكتساب صورتها الحالية. وهكذا، بشكل مناسب، هذه الفترة التي أعزو إليها التاريخ الكيفي والمتحرّر العهد أو العصر التكويني للإسلام.

من منظور تاريخي من خلال الظروف المؤاتية آنياً، يتبين لنا أن كل المجتمعات التي نبعت من منطقة وإقليم البحر الأبيض المتوسط – وأعني هناك كل المجتمعات وليس فقط المجتمعات الإسلامية، ما عدا الحضارتين العظيمتين للهند والصين اللتين لهما تاريخ مختلف – تشترك بتراث حضاري ثلاثي الأوجه. الوجه الأول هو إرث الإيمان أو العقيدة التوحيدية التي تؤمن بالوحي المنزّل في الكتاب المقدّس، وهو ما يطلق عليه محمد أركون اسم "مجتمعات أهل الكتاب". أما الوجه الثاني لتلك المجتمعات، فهو ذو طابع إغريقي – روماني. ولم تكن الحضارة الإغريقية القديمة بالطبع ذات طابع توحيدي، فقد كانت ترتكز على الشِّعر والفلسفة وممارسة الشعائر على دور المسرح من دون شك. الوجه الثالث في هذا الترتيب للعالم الحديث، هو إرث عصر التنوير الذي بزغ في أوربة خلال القرن الثامن عشر الميلادي، والذي سبقته ومهّدت له أحداث عصر الإصلاح والنهضة الحديثة. إلا أنه يجب ألا ننسى علاقة القرابة في هذا النطاق، والخلفية التاريخية بين المجتمعات اليهودية والمسيحية والإسلامية، التي تتركز، مجتمعة ومنفردة، على الإيمان بالوحي المنزَّل، وتربط معاني الوحي بالنص المكتوب. لكن التعاليم والمعتقدات المسيحية، لا تعتمد على الكتاب لتفسير كلمة اللوجوس، كلمة الله، بل إنها تجد أن هذه الكلمة تتمثل بشخصية يسوع المسيح. وفي هذه الحالة يعد أن الإسلام له السبق في اعتبار أن الكلمة هي مركزية تماماً.

المنهجية التقييمية لكتابة تاريخ الكون

 

يجدر بنا في هذه المناسبة أن نورد بعض الملاحظات العامة عن القرآن. فمن جهة أُولى، يعُتبر القرآن حلاً تاريخياً لمشكلة تاريخية. ولكننا عندما نتعامل مع القرآن وكأنه نص متعلق فقط بالماوراائيات، فإننا نتخطى الحقيقة التي تقول بأن القرآن كان استجابة لأحداث تاريخيةحقيقية. ولكن القرآن في معالجته لمعضلات التاريخ المعاصر يقدم حلاً أوسع وأعظم لوضع الإنسان وحالته في الكون. وبهذا المعنى، يعتبر القرآن نصاً شاملاً. وهو يدمج ويجمع الإشارات والمعاني كلها برعاية مفهوم الإله الواحد. ففكرة، أو بالأحرى مفهوم وحدانية الإله وفرديته، يجمع ويشمل بذاته كل المعاني. ولولا هذا العامل الجامع والشامل لتبعثرت وتفرقت تلك المعاني كلها. فبهذه الطريقة عالج القرآن مشاكل الوقت الراهن، وكذلك المشاكل والقضايا المتعلقة بالوضع الإنساني بشكل عام. فإذا اكتفينا نحن ببساطة بالنظر فقط إلى المفهوم الأساسي لما يسميه القرآن "الآيات"، والمجرى العام لأخبار القرآن وأحداثه، وذلك التعبير الذي نحن على إلمام به، فعند ذلك تتبين الأمور المقصودة بالنسبة إلى الناحية التعيينية والتحديدية لآيات هذا النص. ولكن في الوقت نفسه نجد أن ذلك التعبير ذاته يُستعمل كإشارة إلى مظاهر الطبيعة. مرة ثانية، ينظر القرآن إلى التاريخ وكيفية معالجة قضاياه المصيرية المتعلقة بما أصاب الأمم الغابرة من عوامل القضاء والقدر، فيورد هذه الأمور كإشارات و"رموز" تعبر عن العناية الإلهية. وبذلك، يدخل القرآن بشكل فاعل وفعلي ما يمكن أن نسميه منهجية تقييمية لكتابة تاريخ الكون، ويشير إلى الكون وكأنه نص مكتوب. والقرآن ذاته هو النموذج البارق والرئيسي للكيفية التقييمية لكتابة تاريخ الكون. وبذلك، يحوّل القرآن الآيات والعلامات المشيرة إلى الوجود، إلى خريطة، فيدمج مختلف مظاهر العلم وأوجهه التي تعرَّضنا لتجاربها، والتي ساهم أيضاً في تجاربها الصحابة المعاصرون للنبي محمد، ويحولها إلى عالم ذي معان متحدة وشاملة.

هناك موضوع أو عنوان آخر أود التعليق عليه بكل اختصار، هذا الموضوع يتعلق باللغة الرمزية. النقطة المعينة التي تتبادر إلى ذهني، هي تلك التي تشير إلى وجود فارق واضح بين اللغة الرمزية الروحية الدينية من جهة، واللغة العقائدية الدينية من جهة أخرى. فهناك تمييز مؤكد بين الدين الروحي والدين العقائدي، وبين الإيمان الرمزي – الذي يُبقي كل الأمورمفتوحة، والتي ترعى مبدأ التعددية في المعاني، لأنه لا يمكن تقييد المعنى الرمزي بعقيدة أو بصيغة ما – وبين نظام المعاني المغلقة. وكما يبدو، فإن التفريق بيّن انفتاحية الوجه الرمزي وانغلاقية الدين العقائدي، يستحقان الأخذ بعين الاعتبار، حيث يمكن لنا التحدث عن هذه الأمور وأن نبقى في نظام المعتقدات الدينية الأخرى أيضاً، لكنني أحصر ملاحظاتي في نطاق الإسلام فحسب.

التراث الإغريقي – الروماني

أما العنصر الثاني للتراث الثلاثي، فهو ذاك المتعلق بالفلسفة الإغريقية، التي ساهمت بنظام فكري معين. في الحديث عن الفكر والعقل، يجدر بنا أن نتذكر أن القرآن نفسه، يمثل العقلنة الترشيدية بشكلها العملي لأنها تقف في وجه المنحى الأسطوري. ونجد في القرآن اللغة الرمزية، التي يُعبَّر عنها بالقوى الخارقة الطبيعية المتمثلة بالملائكة والجن، وهكذا دواليك ومهما يكن الأمر، فإن القرآن متحفظ جداً بالنسبة إلى مفهوم المعجزات. فهو يذكر كيف أن قريشاً، وهي تطالب بالمعجزات، يرسلها وينزلها الله إثباتاً لنبوة محمد. إلا أن القرآن يرفض بشكل قاطع التوقعات المرافقة للمعجزة المطلوبة، ويكتفي فقط بالإشارة إلى آيات الله الظاهرة في الكون الطبيعي والتاريخ البشري. لذلك، يتبين لنا وجود الناحية الابتعادية عن السحر والمعجزات، والاكتفاء بالعقلانية الترشيدية التي تتطابق وتتقابل مع ما حصل للبنية الاجتماعية التي جاءت بها دعوة النبي محمد. بزغت الفلسفة في الحضارة الإغريقية عن طريق أفلاطون وأرسطو معبّرة عن الطريق الأفضل للوصول إلى الحقيقة. فقد تجلت مثالية العقل بشكل مرموق في المجتمع الإغريقي القديم بشكل مشابه للمبدأ التعبُّدي الورعي القائم على مخافة الله، والمطلوب ممارسته من قبل معتنقي الأديان التي تدعو إلى وحدانية الله وفردانيته. لهذا السبب، نشاهد في التاريخ كيف أن مفكري الإسلام وجدوا أنفسهم بعد قرون عديدة من وفاة النبي محمد على اتصال بالتقاليد الفلسفية التي فتح أبوابها الإغريق، وكان عليهم أن يواجهوا الفروقات المتواجدة بين هذه التقاليد الفكرية اليونانية من جهة، وعادات الأديان الموحدة ومسلكياتها، التي كانت ترتكز على اتساع مضامين الشرعية المرتكزة بدورها على شرعية النصوص المنزّلة، بالتقابل مع قول الفلسفة الإغريقية وإيمانها بأن العقل هو مفتاح الحقيقة، من جهة أخرى. ولكن اللافت والأكثر أهمية، يكمن في جهود الأقلية المتمثلة بهؤلاء الشامخين في مكانتهم الفكرية، باعتبارهم عمالقة العقلنة في الأديان السماوية الثلاثة، بدءاً بحقل السيادة الإسلامية، والذين درسوا الفلسفة وكان المنحى التسامحي نابعاً من طبيعتهم وتوجهاتهم العقلانية، فعملوا على إحلال هذه الروح التوفيقية المنبعثة من طبيعة توجهاتهم الفكرية. وقد شمل هذا العامل التوفيقي أموراً لم تُعرَض وتُبحَث بعدُ بشكل كافٍ وشافٍ، يتعلق مجملها بما يمكن تسميته اللاهوتية السياسية: لاهوتية المشاركة الحياتية، أو لنقل الحياة بمجملها في الجالية الإنسانية أو المجتمع البشري. أما ما كان يهدف إليه فلاسفة كالفارابي وابن سينا وابن رشد، فهو تسليطهم الأضواء على وحدة الحقيقة. ونحن نأخذ هذه الوحدة بعين الاعتبار، وطرق الفكر وممراته من جهة، واللتقاليد الدينية المتركزة على المرجعية الشرعية والوحي المنزل، فمن المتوجب أن يتم تمييز أحدهما عن الآخر وإيجاد الوجه الترابطي بينهما.

أما الطريق أو الممر العقلاني في فكر هؤلاء الفلاسفة، الذين رددوا بكل وضوح أصداء أفلاطون في هذا النطاق، فهو ذلك الطريق المفتوح أمام النخبة من أصحاب الأهلية والقابلية الفكرية الذين يملكون وحدهم القدرة على عبور هذا الممر العقلاني. أما بالنسبة إلى جماهير الناس، فهي بحاجة إلى من يبسّط لها ويصوغ تلك الحقيقة نفسها بأسلوب يغلب عليه الاعتماد على الوسيلة التخيلية، وبذلك تصبح هذه الحقيقة سهلة الفهم والإدراك بالنسبة إليهم. وتعتمد هذه الوسيلة على اللغة المجازية أو الرمزية، والأمثال، والاستعارة، والرموز، والحكايات، والروايات التي تُسرد بأسلوب قصصي. من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن النبي محمد كان موهوباً بشكل لا مثيل له، ليس بالمقدرة على إدراك الحقيقة فحسب، بل بكونه يملك المقدرة التي تمكّنه من التعاطي مع الجماهير. بمعنى آخر، كان يتمتع بمقدرة على تبسيط الحقيقة باستعمال لغة التخيّل الخلاّق، التي هي اللغة الوحيدة القادرة على تحريك الجماهير الشعبية، ليصبحوا أداة طيّعة بيد الحاكم، واللغة القادرة على بعث الطمأنينة في نفوس المجتمع الإنساني، مؤمنة لهذه الجماعات البشرية رفاهيتها وسعادتها. إلى هذا الحد من البحث، فإن الفلاسفة لا يوافقون على أية محاولة لتعريض الجماهيرللفلسفة. فقد اعتقد الفلاسفة أن محاولات كهذه تؤدي إلى الدمار والهلاك. فالعقلنة غير المهضومة جيداً بالنسبة إلى الجماعات البشرية وغير القادرة على التحكم بهذه العقلنة، تقود هذه الجماعات إلى الضياع وفقدان إيمانها، وحيال تعلقها بتقاليد معتقداتها. وعند ذلك يُحرمون من الراحة وعنصر تخفيف وقع الآلام التي تترافق مع ممارسة العقلنة. أما ما ذكر أعلاه، فقد كان بمثابة استجابة خاصة بالنسبة إلى العلاقة بين الفلسفة وتقاليد المعتقدات التوحيدية.

العقل وعصر التنوير

التطور الرئيسي الثالث الّذي شهده التاريخ في ما يتعلق بهذه المسألة، هو عصر التنوير. ترمز العقلنة في هذا المجال إلى شيء مختلف تماماً عما سبق ذكره. يمكن القول إلى حد ما إن عصر التنوير أعاد الإصغاء إلى التراث الفلسفي الكلاسيكي، لكن النموذج الساري المفعول به هو ذلك النموذج المصاحب للعلم الحديث. فعلم نيوتن زودنا بهذه الصيغة أو النموذج الداعم لمعرفة كل البشر، ولكل الفعاليات الإنسانية. قد جمع فلاسفة القرن الثامن عشر الميلادي بين الدين في أوربة، من بين أشياء أخرى، وانحراف الإكليروس وكذلك سلطة كنيسة الروم الكاثوليك. أما ردة الفعل على ما كان يُعتبر تاريخ الظلم الديني والغموض فقد جاءت من مختلف المناطق والأصقاع. فقد كانت هناك الثورة الفكرية المرافقة لعصر التنوير، وقبل ذلك كانت هناك فترة الإصلاح الديني التي التي قادها مارتن لوثر، والتي كانت، على ما أعتقد، واحدة من أهم أحداث التاريخ الإنساني عندما قام لوثر بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العامية والمتعارف عليها بين الجميع، والتي وفرت للإنسان العادي فرصة الوصول إلى النصوص والكتب الدينية التي كانت محتكرة سابقاً من قبل الإكليروس. أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الدولة أو السلطة الوطنية لعبت دوراً هاماً في كل هذه الأحداث والتطورات، فقد قضت على هيمنة سلطة الكنيسة آنذاك. ويشبه ذلك ما حدث في العصر الحديث من إلغاء الخلافة السُّنية في العام 1924، على يد كمال أتاتورك، وتشكيل الدول العربية بعد انسحاب القوات البريطانية والفرنسية من المناطق المنتدبة في الشرق الأوسط. كما كان لفترة الإصلاح الديني والثورة الفكرية دور هام في التأثير على جانب من مفاهيم الإسلام في عصرنا الحاضر.

الوصول إلى اتفاق بين الحياة الفكرية والإسلام والتقليد

هذه التقاليد الثلاثة – أي تقاليد الإيمان بوحدانية الله، والفلسفة الإغريقية وعصر التنوير – تعرَّضت في العصر الحاضر، ظاهراً أو ضمناً، للضغط والتساؤل حول معتقداتها ومسالكها الدينية والدنيوية. وثمة أسباب عدة لهذا الأمر، أكتفي بالإشارة والتلميح إلى القليل منها. أحد هذه الأسباب مفاده أنه في ظل تعددية ثقافات العصر الحديث، يصعب علينا تحليل أي من هذه الثقافات تستحق الإيمان بها، على حساب الثقافات الأخرى. وإذا ما حصل الأمر فإن هذه الثقافة ستواجه الخطر، أو التحدي الناجم عن مبدأ النسبية. النسبية تقول إن كل العقائد والأفكار والقيم ممكن شرحها وتفسيرها بالإشارة أو الرجوع إلى الزمان أو المكان. لكن إذا ما كانت كل الأفكار والقيم معرّضة إذاً للتفسير، فعند ذلك يجد المرء أن ثقته بنفسه في دعمه وتأييده لثقافة واحدة أو أي من الأعراف والسنن، ستصاب ببعض الضعف. وتنعكس هذه المعضلة جزئياً في ما نراه اليوم في إنكلترا، وكمثل على هذا الوضع تضارب الآراء والتخاصم حول مسألة المدارس، هل عليها واجب تدريس الأديان بشكل حيادي، ومن دون أي تحيُّز، أو بمعنى آخر من دون اتخاذ أي موقف ديني معياري. هل هذا الوضع يعني أن مهمة التثقيف الديني تتركز على تزويد المجتمع بالحقائق، أو هل تنحصر هذه المهمة فقط بغرس الأديان بمعتقدات ما؟ هنالك من يقول إن مجرد غرس الأديان في ذهن ولد يانع، يعني نوعاً من التلقين وفرض الآراء على هذا الولد. وهنالك من يصر على أن التعليم الديني المتّصف بالحياد التام، أي مجرد نقل الحقائق عن الأديان الأخرى، لا يمكن وصفه بأنه تعليم ديني.

وثمة مشكلة أخرى في عصرنا الحاضر تتعلق بعلاقة الفرد بالمجتمع. في أواخر العصر الغربي الحديث، كان النموذج السائد ينص على المواقف الواجب اتخاذها بالنسبة إلى الثقافة. من هذا المنطلق تبدو الثقافة أشبه بمتجر كبير للأفكار والقيم والمعتقدات، حيث يُفتح المجال أمام المرء كي ينتقي ما يشاء من القيم، بما يلائم ذوقه وليس بما يناسب ويتفق مع الجوهر الموضوعي، حيث تتحكم رغبة الفرد بالأمر، ويكون الحاكم النهائي لما يختاره. لذلك، فإنني عندما أقرر العيش بطريقة معينة ما، فإن هذا القرار غير ناجم عن كوني أملك التبرير اللازم الذي يخولني ويدفعني إلى الاعتقاد أن ذلك القرار يتماشى مع المصداقية الموضوعية، أو أن صلاحية ذلك الخيار قد دُرست تماماً كي تتحكم بما أقرره. لا، إن المتحكم النهائي في اتخاذ القرار هو رغبتي في ما اخترته. فالحرية تسير يداً بيد مع الرغبة، ورغبة الفرد هي التي تحسم في آخر المطاف الأمور وتقرر ما هو الحق وما هو الباطل. إن هذا النموذج هو الذي يفترض إدراكاً للفردية مختلفاً عن النماذج التي احتل مكانها. وبالرغم من أن هذه الظاهرة – ظاهرة تحكم الرغبة بالخيار – قد تبدو وكأنها تتماشى مع الميل الشعوري والتحرري، لكنها في الآن نفسه تكمن فيها إمكانية التعرض لأزمة خلقية أو معنوية. فعندما يخضع تأكيد القيم الأخلاقية للاختيار الشخصي، يصبح الأمر وكأنه لم يبق أي شيء آخر سوى الخيار الذي يملي ويقرر كيف ستكون أخلاقيات العصر وفضائله. فالمجتمع الذي يرتكز على هذا التفكير لا يؤلف وحدة وظيفية ذات خصائص لا يمكن استمدادها من أجزائها لمجرد ضم بعضها إلى بعض، فيعتبر الكل أكبر من مجموع الأجزاء. وقد كانت الجماعة تشغل الحضارات أو الثقافات السابقة، وتأتي في الترتيب الثاني فقد كان محفوظاً للأفراد. كان أفراد الجماعة يحصلون، كما يقال، على مصدر وعصب حياتهم من المجتمع. لكن المجتمع بات يعتبر في الوقت الحاضر وكأنه حاصل أو نتاج قرارات فردية تجتمع لتشكل وتنتج إحدى المعضلات الثقافية والفكرية الرئيسية في العصر الحاضر.

في الإجابة، أو على الأقل في طرح هذه المسائل، ومحاولة استكشاف هذه القضايا التي تمثل الحاجة الآنية في عالم اليوم، تلعب الأديان والمعتقدات الموحدة دوراً كبيراً، إلا أن هذا الدور لا يصبح فاعلاً ومؤثراً إلا في ظل ظروف وأحوال معينة. وأحد هذه الظروف، هو الحاجة الماسةإلى التوصل إلى تبادل التقدير المشترك بين هذه الأديان التي تؤمن بإله واحد، وتتشارك منبعاً أو أصلاً واحداً، وتطلق عليها تسمية الأديان الإيراهيمية. فالاهتمام بهذا التراث المشترك، أي التراث الإبراهيمي الذي يؤلف منبع القضايا والمشاكل المشتركة ومصدرها، هو في غاية الأهمية، خصوصاً بالنسبة إلى المسلمين الذين يعيشون كأقليات دينية في عالم الغرب. الظرف الثاني، يتمثّل في أن تلتزم هذه الأديان السماوية الموحِّدة بمبدأ التعاطي والتعامل بجدية مع العالم العصري، وهذا يعني ضرورة فهم هذا العالم على حقيقته، وليس الابتعاد عنه. فالمقولات والبيانات اللاهوتية التي تقول بأن العالم الحديث ما هو إلا الأمر المناقض لما علّمتنا إياه التقاليدالروحية والإسلامية – أي بمعنى آخر المقولات والتبيانات التي تفرّق بين الإسلام والعالم الحديث، وكأن هناك كتلتين متصارعتين – هذه الطريقة لتقييم الوضع هي بحد ذاتها طريقة أو مقولة عاجزة عن التكيّف. فالتعاطي والتعامل مع العالم الحديث لا يعنيان الاستسلام؛ حيث إن النقد هو بحد ذاته نوع من التعاطي والترابط مع المحيط.

إن أحد الأخطاء الكبيرة الذي ارتكبته المسيحية البروتستانتية واللاهوت البروتستانتي المسيحي، في التاريخ الحديث، هو تبنيها جميع مفاهيم العصر من دون أن يدركا أن مفاهيم العصر تذهب مع مرور هذا العصر. فإذا ما أصبحت اللاهوتية البروتستانتية مرتبطة بقوة بالمفهوم الحديث للحداثة، فستجد نفسها متخلّفة وغير قادرة على اللحاق بركاب التطور، لأنها استسلمت للتيار الجارف المتجسّد في نمط عصر معين وموضته، وبذلك تكون قد تنازلت وأهملت تلك المسافة الحرجة، أو الفسحة العازلة التي تُعتبر هدية النبوة، والتي تفصلها عن العالم الذي تمارس فعالياتها ونشاطاتها فيه. كيف للاهوتيه الإسلامية أن تتعاطى وتتعامل مع العصر الحديث من دون أن تصبح سجينة للمفهوم الحديث للحداثة؟ في الإجابة عن هذا السؤال، يكمن عامل التحدي المواجه للفكر الإسلامي آنياً وحاضراً. أما كيف سيواجه هذا الفكر التحدي المطل عليه، فهذا أمر يشغل تفكير المجتمع بأسره في هذا الوقت بالذات. ولا يزال هذا الأمر الشاغل والتساؤل المتداول حكم التاريخ.

جامعة كمبردج، 14 آب 1994 . لقد تم نشر هذا الخطاب كمقدمة أيضاً في الكتاب الذي حققه الدكتور فرهاد دفتري بعنوان التقاليد الفكرية في الإسلام، لندن: أي. بي. توروس بالتعاون مع معهد الدراسات الإسماعيلية، 2000 ، الصفحات 1-6 .

إن أحد الملامح الأساسية لتحول الإسلام إلى واحدة من أعظم حضارات العالم هو الحياة الفكرية والأدبية الحيوية التي وجدت تعبيراً لها في المدارس الفكرية والجماعات التفسيرية المتنوعة. ولاستجرار المناقشة حول طبيعة وأهمية هذا التطور، نظم معهد الدراسات الإسماعيلية ندوة لمدة أسبوع في صيف 1994، حضره باحثون...