Lifelong Learning Articles

الآغا خان الثالث: دراسة في الأنسنة

الكلمات الرئيسية

آغاخان الثالث، سلطان محمد شاه، الأنسنة، إنساني، الإسلام، القيادة، الإمام، المذهب الإسماعيلي، الإسماعيلي، المعاصرة، الحداثة، الشخصية، السيرة الذاتية، تحرير المرأة، التعليم.
 

Download PDF version of article 167 KB

المحتويات

مقدمة

إن السير سلطان محمد شاه آغاخان الثالث، هو رجل ذو أدوار عديدة. فقد قام خلال حياته الطويلة بأدوار متنوعة في العديد من الميادين العامة. لقد كان الإمام الوراثي للإسماعيليين المسلمين، ورئيسا للجامعة الإسلامية لعموم الهند، والرئيس المؤسس لمؤتمر جميع مسلمي الهند، وراعي جميعة مسلمي لندن، ورئيس الوفد المسلم لعام 1906 إلى نائب الملك في الهند، وهو أحد مؤسسي جامعة أليجرة المسلمة، ورئيس الوفد الهندي البريطاني إلى مؤتمر الطاولة المستديرة، والمبعوث إلى مؤتمر نزع السلاح، ورئيس الوفد الهندي إلى عصبة الأمم ومن ثم أصبح رئيسها، وهذا بعض من أدوار أخرى. ومن المستحيل إحصاء وتذكر إنجازات وأنشطة مثل هذا الشخص الرائع في مقالة موجزة. ولو طلب مني أن أختار خيطاً ينسحب عبر جميع قناعاته الخاصة وآرائه العامة فإنني سأقبل بسمة الأنسنة في شخصيته. لقد كان رجلاً استثنائياً بعاطفة ثابتة وحساسة تجاه البشر العاديين. وسواء كنا ننظر في مهامه السياسية، أو ندرس المجالات الأخرى التي شغل ذهنه بها والتي حملت بصمة تأثيره التشكيلي، فإننا سنجد أن القوة الدافعة والعامل المسيطر هو أن يكون ذا منفعة إنسانية في حياة وظروف الرجال والنساء العاديين. إن وجود هذه المشاعر وطبيعتها وقوتها قد شكلت أساس شغفه بالإصلاح الاجتماعي، وكرهه للعنف والحرب، ونبذه للتمييز العنصري، وإيمانه بالديمقراطية، ونزعته نحو الاشتراكية، وكفاحه من أجل السلام العالمي، وشغفه بالتعليم، وكفاحه من أجل الرقي الاجتماعي، واهتمامه بتقدم المرأة، وتقديره للشعر، وتأكيده على الثقافة، وتفسيره للإسلام.

إن نزعة الأنسنة قد دفعته لتكريس جلّ وقته وجهده من أجل الإصلاح الاجتماعي. وقد أشاد بالحكام البريطانيين في الهند لمساعيهم من أجل القضاء على ساتي الإساءة للنساء (ساتي: هي حرق النساء اللواتي يتوفى أزواجهن)، والعبودية، والتعذيب والتشويه، بقوله أن هذه الممنوعات قد أثارت "مستوى الشعور والإحساس الإنساني." وقد هيجت الظروف والاحتياجات المزدرية للريفيين ضميره الاجتماعي وانفطر قلبه لرؤية فقر الفلاح القروي ومرضه وأميته وجهله، واقترح عدة تدابير مبتكرة لجعل حياته مريحة وتستحق العيش. وخلافاً للمصلحين الاجتماعيين العاديين، فقد ربط الوضع الإنساني بغاية اللاهوت ومصير الإنسان. "ومع هذا الإنكار للألوهية في البشر، يوجد إنكار للأخوة الإنسانية... إن النسيج الاقتصادي والاجتماعي والديني يدعو من أجل الراحة المباشرة والارتقاء بالضعفاء اقتصادياً وفكرياً وثقافياً، بحيث يصبح من الممكن عدم بقاء أي أحد يمكن أن يدعى مستضعفاً." إن هذا الاهتمام بالإنسان العادي لم يأبه بالاختلافات الدينية. فقد كان إلى جانب المسلمين الذين كانوا يلبون احتياجات من كانوا يدعون بالمنبوذين في الهند مع النظر إلى رفع مكانتهم الاجتماعية، وتنويرهم ومنحهم فرصة للدخول في "الحضارة المتنورة". وبالمثل، فقد ناشد المستوطنين الآسيويين في جنوب وشرق أفريقية ليتآلفوا مع السكان المحليين.

المكانة الاجتماعية للمرأة

رفض آغاخان الثالث أن يحدد هوية الجنس البشري بالرجل فقط. لقد حركت مشاعره العميقة الحاجة إلى تقدم وتحسين وضع الإناث في المجتمع. لقد وصف النساء بأنهن "حافظات الحياة والجنس البشري." وإن تعزيز مركزهن الاجتماعي من شأنه أن يحسن الجو العام للحياة المنزلية ويحقق مثاليةً أسمى وأنبل في حياة الدولة. وفي رأيه، فإن الحياة الروحية للمجتمع المسلم مدينةٌ لأسوة المرأة وتأثيرها. وإن الرفاه العام لكامل المجتمع يعتمد على وجود النساء المتحررات. ولا ينبغي أن تعيق الحواجز المصطنعة تحسين وضعهن. ولا ينبغي أن يحرمهم التحيز الجامد من حقوقهن الطبيعية ومن مكانتهن الاجتماعية الملائمة. ومرة تلو الأخرى أكد على وجوب أهمية تعليم الفتيات، فذهب إلى حد إعلان أنه "شخصياً، لو كان لدي طفلان، أحدهما فتى والآخر فتاة، وكان بإمكاني تعليم واحد منهما فقط ، فلن أتردد في تمكين الفتاة من تحصيل التعليم العالي". وقد أدرك أن مستقبل كل جيل يحدده قدرة المرأة على قيادة الصغار على الطريق الصحيح وتعليمهم أساسيات الثقافة. لقد كانت المرأة ناقلة للحضارة والمشاعر الإنسانية. فهي لم تقدم القيم في حياتنا وحسب بل ونقلتها إلى أولئك الذين سيأتون من بعدنا.

الإصلاح التعليمي

إن قيمة الإنسان إلى حدٍ كبير أوجدها التعليم. فإذا قرأنا جميع الخطب والتصريحات للآغا خان الثالث، نجد ميلاً معنوياً واحداً قوياً وظاهراً باستمرارية مصممة: ألا وهو موضوع التعليم. فمثل مصطفى كمال أتاتورك في تركيا، كان الآغا خان مربياً متميزاً، ومرشداً للعديد من الأمم والشعوب في كل بلد نال على اهتماماته. وفي رأيه أن الإنجاز الذي أسعد قلبه واعتبره أعظم نجاحٍ له كان هو إنشاء جامعة أليجرة. وكان هذا اعتراف هام جداً من رجل كان له الكثير من الإنجازات الرئيسية الأخرى المسجلة في عمود المفاخر من سجل حياته.

وأعرب عن اعتقاده بأن التعليم وحده هو القادر على إطلاق سراح الفقير من فقره، والرقيق من عبوديته، والجاهل من حيرته ، والمضطهد من تدهوره. وأعطى ذلك أولوية كأولوية الدفاع الوطني، داعياً إلى المساواة في التضحية فى مصلحة كلا الأمرين. ومن خلال التعليم فقط بإمكان الرجال والنساء المتعلمين البارزين أن يبرزوا في نهاية المطاف ليطوروا كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية - والفكرية والروحية والدينية. وإن واحدة من العديد من ثمار هذا المحصول سيكون التسامح الذي يكمن في صميم وجوهر الإنسانية. وكمسلم، اعتبر التعليم واجب ديني. وأشار الى قول النبي الذي حضَّ المسلمين على طلب العلم والسفر من أجله حتى لو كان في الصين. وأشار إلى أن القرآن ذكر مراراً ضرورة دراسة الطبيعة وذلك لفهم أسباب خلق الله للكون.

نظام الحكم الاجتماعي والسياسي

لقد كان قلقه بخصوص جسد وعقل الإنسان العادي ما جعله ديموقراطي الديموقراطيين. وكان شعاره: "منح المزيد من السلطة للجماهير". وينبغي أن يشارك الفلاحون وغيرهم من سكان الريف في وضع السياسات وصنع القوانين. ويجب على الأحزاب السياسية أن تتحول إلى منظمات شعبية. ويجب على الزعماء التشاور مع الشعب في كل خطوة. ويجب توسيع قاعدة الحكم السياسي. وحذر القادة السياسيين قائلاً: "يجب عليكم تجنب فرض خياراتكم الخاصة وما تفضلونه عندما تتصادم مع ما نعتقد أنه الرغبات الحقيقية للشعب". ويجب على روؤساء الأحزاب أن "تبقى آذانهم مصغيةً إلى أرض الواقع وأن يتحققوا من آراء ورغبات الجماهير." إذا كنتم تريدون أن ترأسوا الناخبين، يجب عليكم أن تخدموهم. ولو استمع الزعماء السياسيون في زمنه في آسية وأفريقية إلى مشورة هذا الحكيم لكان من الممكن تفادي المعاناة الهائلة للأمم وكذلك نهبها.

ربما لا شيء يؤكد دور الأنسنة في تفكير الآغا خان أكثر من حقيقة أنه لأجل ذلك دعم شكلاً من أشكال الديمقراطية الاشتراكية. وقد لا يُصدق أن أرستقراطي الأرستقراطيين هذا الذي تمتع بنعم وترف وثروة عظيمة قد مال إلى الاشتراكية من أجل إزالة علل البشرية. ولكنه لجأ إلى الاشتراكية من خلال قلقه بخصوص الفقراء والمحرومين. وقد أراد أن يكون العمل منظماً لأنه رأى أنه في كل بلدٍ حرٍ كان العمل المنظم يرمي بتأثيره على الجانب الدولي للسلام والنوايا الحسنة. وبخصوص المستقبل، قال أنه يعتمد على الحرية الاقتصادية للجماهير. واستشهد بمثال الاتحاد السوفياتي في الثلاثينات كدليل على فشل الجهود الخاصة للتعامل مع مشكلة الفقر. وقد ذكر أن "تحسين الحالة الاجتماعية للجماهير، لا يمكن أن تحدث إلا عن طريق الاشتراكية عندما يُفعّل كل مكّون من أجل النسيج الاجتماعي بأكمله." هذا لا يعني أن آغا خان الثالث لا يحبذ الجهد الخاص. بل على العكس، ففي مهمة تعزيز التنمية، كان ينظر إلى جهود القطاعين الخاص والعام على أنهما بنفس القدر ضروريان ومكملان لبعضهما.

معالجة التمييز العرقي

لقد طبق الآغا خان مبدأ الأنسنة لمآسي الصراع العنصرى والعداء الدولي. كانت العنصرية تروعه بغض النظر عمن يمارسها وأين تُمارس. في هذا السياق كان ينتقد البريطانيين وكذلك الآسيويين. ووبخ البريطانيين من أجل السياسات التمييزية في جنوب وشرق أفريقية. كما حذر الآسيويين المستوطنين في هاتين المنطقتين من خطر محتمل، وطلب منهم التعاون مع الأفارقة المحليين فى تحسين اقتصاد البلد واكتساب مهارات جديدة. ويجب أن يتطلعوا إلى البلد الذي جاؤوا من أجل البحث عن حياة أفضل فيه ويعتبرونه وطنهم الخاص وأن ينظروا إلى أنفسهم كـ "خدمة متواضعين" لهذا الوطن. ولا يجب على الأوروبيين والآسيويين والأفارقة أن يكرهوا ويخافوا بعضهم البعض. "إن الأبيض والأسود والأسمر أعضاء متكاملين في المجتمع السياسي العام".

السعي إلى إقامة نظام عالمي سلمي

ومرة أخرى كان الشغل الشاغل من أجل البشرية هو ما دفع آغاخان الثالث إلى الأممية والكونية. لقد عزز ذلك عزمه على العمل من أجل السلام في العالم وتجنب الحرب. وكان مقتنعاً بأن نظاماً دولياً يسوده السلام هو الضمان الوحيد ليس فقط من أجل أمن وسعادة العالم ولكن من أجل وجوده وبقائه. ومن أجل تحقيق هذا النظام والمحافظة عليه اقترح تدابير تقليدية وحديثة. فالسلام يمكن أن يسود من خلال التعاون الثقافي. ويمكن تشجيع وتوسيع التفاهم المتبادل والصداقة من خلال تعلم اللغات الأجنبية، ودراسة الآداب الأخرى، والسفر، ورفع مستوى التعليم وتحسين الأوضاع الصحية للشخص العادي، وتوسيع التجارة الخارجية والقضاء على التعصب العنصري. وفي الهند طالب بالوحدة بين الهندوس والمسلمين لسنوات عديدة ثم تحول إلى فكرة تقسيم شبه القارة الهندية وذلك بعد أن سُدت كل السبل أمام طموح الكونغرس. وشجع في الغرب من أجل تفاهم مسيحي- إسلامي ومن أجل احترام حقيقي لجميع الأديان. وفي عالم الإسلام، وكان ناطقاً متحمساً من أجل الوحدة الإسلامية ومن أجل التقارب الشيعي - السني. والفكره الكامنة وراء جميع هذه المساعي هي جمع البشرية معاً أو على الأقل لتكون أقرب إلى بعضها البعض، بحيث أن الإنسان يحترم الإنسان.

وناضل من أجل نجمة السلام العالمي المحيرة في مؤتمر نزع السلاح عام 1932 وفي عصبة الأمم في السنوات التي تلت. ومؤكداً على الجانب الأخلاقي قام بمناشدة ضمير قادة العالم لإزالة آثار الخوف، وسوء النية والشك. وفي الجانب المادي، أشار إلى الفوائد العظيمة والمكاسب التي ستترتب على عدم وجود حرب. "ثمة صرخة ترتفع من قلب كل محب للسلام من مواطني كل بلد من أجل التقليل من الأعباء العسكرية في بلدانهم، ومن أجل تخفيض التمويل الذي تفرضه تلك الأعباء، وذلك من أجل أمن السكان المدنيين في وجه أساليب الحرب، وقبل كل شيء، من أجل الأمن ضد فكرة الحرب." وكرئيس لعصبة الأمم في عام 1937، ألقى كلمةً مثيرة من أجل "الإزالة السلمية لأسباب الحرب وإقامة إمبراطورية سلام لا يمكن تحديها في كل أنحاء العالم." وبعد عامين دعاه حاكم بيكنار بـ "جسر واصل بين الشرق والغرب، وهمزة الوصل بين الحضارتين الرئيسيتين في العالم الحديث." وفي محاولته لتوظيف الثقافة، والأدب بشكل خاص كوسيلة للنوايا الدولية الطيبة، والوعي التاريخي والفكري والأخذ والعطاء وتنوير العالم، لم يكن له خلف في أروقة الأمم لعقدين من الزمن. وطال الانتظار حتى الخمسينات عندما تناول الموضوع نفسه من جديد بحماس لا يعرف الوهن وبلاغة لا نظير لها الأستاذ أحمد شاه بخاري من باكستان في الأمم المتحدة وخارجها.
لقد كانت محبة الآغاخان للبشرية، ومحبته لكل إنسان، هي الدافع الأساسي لسعيه من أجل السلام العالمي وإنهاء الحروب. وقد قال أن جميع مشاكل النظام العالمي هي "في نهاية المطاف يمكن تحديدها في مشكلة واحدة – وهي الإنسان، وكرامته." و قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بسنة واحدة دعى من أجل إحياء فكرة إنشاء الأمم الأوروبية المتحدة التي اقترحها برياند وسترسمان، بحيث يمكن تقليص الأخطار التي تتعرض لها حضارة العالم إلى أدنى حد.

الثقافة والروحانية

إذا كانت إنسانية شعب ما تنعكس في ثقافته، فإن إنسانية الفرد تنعكس في حبه للثقافة. ومن ثم، فإننا لا نفاجئ بتعريف الآغا خان الثالث للثقافة بأوسع معانيها (أو بالأحرى بأعمقها) وربطها بالقوى الروحية، وعرّف القوى الروحية بأنها "أي شيء يتعلق بحياة الروح عند الإنسان هنا والآن وعلى هذه الأرض وفي هذه الحياة." ويوجد "حقيقة أساسية منيعة في الوجود: أنه هنا والآن، وفي هذا العالم، لدينا الروح التي لديها حياة خاصة بها في تقديرها للحقيقة والجمال، والوئام والخير ضد الشر." وفي هذا الصدد ، ذكّر شعبه أن الحضارة الإسلامية كانت من بين الأوائل في تقديرها "للفن من أجل الفن، والجمال من أجل الجمال، والأدب من أجل الأدب."
وبالنسبة للبشرية جمعاء فإن تاج الثقافة هو الشعر، وخصوصاً الشعر الذي يتحدث عن روح الإنسان وخير الله. وقد قرأ الآغا خان الشعر لغرض ما، وهو بالنسبة له (وخاصة الشعر الفارسي) لديه رسالة للبشرية: "إن أعظم كنوز الإنسان، وأعظم ما يملكه، هو نبل روحه الأصيل، الذي لا يمحى والدائم. وفيها " كانت توجد شرارة دائمة من القدسية الحقيقية التي يمكن أن تقهر كل عناصر الطبيعة المعادية والخسيسة." إن الإيمان في نفس الإنسان هو "ليس مجرد إيمان ديني أو صوفي ولكنه اتصال شامل وفوري مع الحقيقة، والتي هي في كل إنسان، الحقيقة الأساسية للوجود." ونظر إلى حافظ الشيرازي، علم الشعر الفارسي، باحترام كبير لأنه عبّر عن

القناعات البشرية الكونية- من تقدير للجمال، والحب، والعطف واللطافة، ومن قيمة البشر، ومن المجد والعظمة وفرحة الكون، وعجائب التواصل مع الطبيعة." ولذلك كان للشعر مكاناً خاصاً في الحياة الإنسانية على وجه التحديد نظراً للطبيعة الإنسانية وقدرتها على جعل الإنسان أقرب إلى الإنسان والله. ووصفه مجازاً "بصوت الله يتحدث من خلال شفاه الإنسان."

في هذا الصدد، أكد الآغا خان الثالث على أهمية دراسة الأدب الشرقي لهدوئه الشافي. في عالم "المزاج المضطرب" ينبغي على الإنسان أن يسعى وراء العزاء والسلام الداخلي، الذي لا يمكن لأي شيء أن يقدمه سوى التأمل في الأدب السامي. إن قراءة وتلاوة هذا الأدب من شأنها أن "تسهم إلى دفع ذلك الإطار الفكري الذي وحده يمكن أن ينقذ البشرية من كارثة أكبر من أي شىء في الماضي".

الإيمان الشخصي و فلسفة الدين

تلازمَ الإيمان الرسمي والمعتقد الداخلي عند الآغا خان. ودعا الإسلام أنه "أعظم تأثير موحد، وقادر على خلق الحضارة والأخوة في العالم" و "قوة ثقافية وروحية عظيمة من أجل وحدة العالم وأخوة الأمم"، لأن نظرته للإسلام على وجه الخصوص، ونظرته إلى أي دين عموماً كانت مشوبة بعمق وبشكل جلي بالتصوف. وبعد دراسته للشعر الفارسي والبنجابي (الذي يرسل رسالتة الصوفية بوضوح ساحر)، والصوفية والمعنى الباطني للفن الإسلامي لأربعة عقود، يمكنني القول بثقة أن الآغا خان الثالث كان لديه إيمان بالإسلام الصوفي. وقد كان صوفياً بكل معنى الكلمة.

وكان لديه اعتقاد بدين فردي ذو أبعاد روحية وجمالية قوية. وبالنسبة له، لم يكن الدين مجرد مجموعة من المعتقدات الرسمية، والأوامر الأخلاقية وما "يجب القيام به" أو "عدم القيام به" أخلاقياً، بل كان ذلك الشيء الجميل في حد ذاته، والذي قاد العباد إلى استكشاف الجمال الإلهي وإلى صيرورتهم كجزء منه في نهاية المطاف. وقد قال: "يجب أن يكون الإنسان واحداً هو والله". كان هذا هو السبيل الصوفي للتواصل الشخصي ولفرحة القلب التي لا يمكن أن يعيقها شيء. لقد كان دينه في حد ذاته ذو أبعاد كثيرة، تؤدي جميعها إلى نظرة إنسانية للعالم وإلى إدراك باطني لما خلقه الله. واسمحوا لي أن أذكر ذلك من خلال كلماته الخاصة.

إن الطبيعة، بما لديها من الجمال وطبقات متعددة من المعاني، هي أحد السبل لإظهار الله لنفسه في هذا الكون. فالتقدير لأمجاد الطبيعة والتمتع بها والتأمل فيها هو جزء من دينه. "إن كل ذلك الشروق والغروب - والمعجزة المعقدة للون السماء، من الفجر إلى الغسق. كل ذلك جمال رائع وغني. كما يثّمن رجل غني جداً امتلاكه لصورة فريدة، كذلك على الإنسان أن يثّمن ويغتبط بممتلكاته الفردية من مشاهد فريدة لهذا العالم... إنني أبحث ليلاً وأعرف – وأعرف بهاء النجوم. عندها تتحدث النجوم إلينا – وإن الإحساس بذلك اللغز هو في دمنا." وكان الاتحاد مع الله مهماً أيضاً على درجة مختلفة. وأولئك الذين يصلون إلى هذه المرحلة من فهم لله سيجدون أن وراء قناع أحزانهم، مهما كانت مريرةً، ستكون أرواحهم في سلام.
ونجد وصفاً جيداً للجانب الباطني والصوفي من إيمانه الشخصي في مقاطع معينة من مذكراته. وعندما نلفت الانتباه إليها فإننا نحاول بذلك فهم الإنسان الذي كتبها. "يقال إننا نعيش ونتحرك ونتخذ وجودنا في الله... غير أننا عندما ندرك معنى هذا القول، فإننا نكون في طور إعداد أنفسنا لهبة القدرة على التجربة المباشرة." إن محبة إنسان لإنسان آخر هي المبشر بالفرح الذي يلقي بظلاله على كل كنوز هذه الحياة، وعلى كل الشهرة ، وكل الثروة، وعلى السلطة كلها، وعلى جميع الثروات. إن الحب الروحي والاستنارة، و"التي هي ثمرة المعرفة السامية للرؤيا المباشرة الحقيقية هي هبة من الله ونعمة" يفوق كل ما باستطاعة الحب الإنساني وأروعه أن يقدمه لنا. "ومن أجل تلك الهبة يجب أن نصلي دائماً." إنه واجب الإنسان أن يجد لنفسه "طريقاً مباشراً يقود روحه الفردية باستمرار إلى الروح الكلية ويربطها بها، هذه الروح التي ليس الكون إلا واحداً من مظاهرها السرمدية." وتوجد مقارنة أخرى تؤكد نفس الرسالة. وفي صلاتنا العادية "يكون عشق المحبوب يملأ كل زاوية وكل ركن من وعي الإنسان،" ولكن "في اللحظات النادرة السامية من النشوة الروحية، فإن نور السماء يُعمي العقل والروح ويطمس كل شعور وإدراك آخر."

إن المزاج الإلزامي لنصائحه يعكس قوة وحزم إيمانه. "على الإنسان أن لا يتجاهل تلك الشرارة الإلهية فيه وأن يتركها من دون تنمية أو اهتمام. إن الطريق إلى تحقيق الذات، إلى التهادن الفردي مع الكون الذي من حولنا، وهو سهل نسبياً على كل من يؤمن إيماناً راسخاً مخلصاً، شأني أنا، بأن القدرة الإنسانية قد أنعمت على الإنسان في صميمه بإمكانات الاستنارة والاتحاد مع الكائن الأعلى." وختم قائلاً: "لقد علمتني الحياة، في التحليل النهائي، درسا ثابتاً هو أن الفرد يحب أن يفنى في الغاية دائماً. في عواطفنا العادية بعضنا إزاء بعض وفي عملنا اليومي بيدنا أو بعقلنا، يكتشف معظمنا وبسرعة كافية أن أي رضا دائم، وأن أي قناعة يمكن أن نتحقق بها، هي نتيجة نسيان الذات، نتيجة توحد الفرد مع الغاية في تناغم جسماني وعقلي وروحي. وفي أسمى عوالم الإدراك فإن جميع أولئك الذين يؤمنون بكائن أسمى يتحررون من جميع قيود النفس المعّوقة، عن طريق الصلاة والتأمل في إشعاع الأبدية المجيد الذي يضيع في خضمه كل وعي أرضي زائل ويصبح هو نفسه أزلياً."

ومن خلال نصيحة الآغا خان لورثته يلخص فلسفته في الدين: "دعهم يسعون من أجل الاتصال مع الحقيقة الأبدية التي أدعوها الله وتدعونها الإله! فتلك هي المشكلة التوءم للوجود- وهي أن تكون مرةً نفسك تماماً ومرة أخرى تكون كلياً مع الأبدي. وأقول أنه يجب عليك أن تسعى لتناسب رغبتك مع الحدث، وليس الحدث مع رغبتك." كم نتمنى لو أننا جميعاً نتبع هذه المشورة الحكيمة!

خاتمة

وفي ضوء هذه الأفكار والمفاهيم وما شابهها والمنتشرة في كتاباته وخطبه، لا يوجد لدي أي تردد في تأكيد أن ما حرك حقاً قلب الآغا خان الثالث وعقله وضميره كان المستوى الأسمى من الأنسنة الإسلامية. إنني، في جميع الاحتمالات، الشخص الوحيد على قيد الحياة الذي قرأ وأعاد قراءة كل كلمة قالها أو كتبها السير سلطان محمد شاه. وما قد قرأت وفكرت به يخبرني أنه بغض النظر عن نمط حياته واهتماماته الدنيوية والسياسية أنه كان صوفياً في الصميم.

لم يحركه شيء أكثر من محنة الإنسان العادي وفقر المعوز وعجز الضعيف وجهل الأمي. وطوال حياته، سعى إلى إزالة هذا الرسن أو على الأقل جعله أقل ضيقاً وشدةً. ولم ينجح تماما – فإن أي إنسان لم ينجح أو يستطيع أن ينجح بشكل كامل ، ولكنه حقق الكثير -أكثر مما يمكن أن يفعله أو فعله معظم الرجال. ولهذا فإننا نتذكره ونطلب البركة له. إن أي رجل يقوم بفعل الخير لا يموت تماماً. لقد أصبحت أفعاله جزءاً من التاريخ، وذكراه تبقى خالدةً في كل جيل.

 

أعد هذا المقال و حرر من ملحق مجلة الاسماعيلي في المملكة المتحدة، تموز 1998، ص. 4-1 .

في هذه الدراسة، يبحث المؤلف شخصية السير سلطان محمد شاه، الآغا خان الثالث، وبتركيز خاص على سمة الأنسنة في شخصيته. وكما تبين خطبه وكتاباته، فإن هذه المقالة تلقي الضوء على رؤيته من أجل المساواة بين الأعراق وبين الجنسين؛ والقيمة التي أولاها آغا خان الثالث للتعليم، والثقافة والروحانية ونزعته نحو...