Lifelong Learning Articles

الموسيقى في بدخشان الطاجيكية

كلمات رئيسية

طاجكستان، بدخشان، خوروق، الموسيقى الإثنية، شعر، موسيقى، أغنية، إسماعيليين، دراسات إسماعيلية، دراسات إسلامية، مدح، مدح خانه، الآلات، بامير، دراسات سوفيتية، أداء، تعبدي، تقليد، دين، دراسات دينية.

Download PDF version of article (182 KB)
 

مسعى العلوم الموسيقية الإثنية

خلال شهري تموز(يوليو) وآب(أغسطس) من العام 1992، قام فريق هولندي برحلة بحث ميدانية إلى جبال البامير في غورنو- بدخشان, وهو إقليم ذو حكم ذاتي في طاجيكستان، بهدف تسجيل الشعر والموسيقى عند سكانه الذين معظمهم من المسلمين الإسماعيليين. كان فريق البحث، الذي عاد من أجل زيارة ثانية عام 1993، يتألف من الأعضاء التالية أسماؤهم :

  • غابرييل فان دن بيرغ من مركز الدراسات غير الغربية في جامعـــــــــــة الدولــــة University State في لايدن، وهي أخصائية باللغات الفارسية مع مرجعية خاصة إلى اللغات الباميرية والتي أكملت مؤخراً أطروحتها للدكتوراه الفلسفة عن الشعر الغنائي في جبال البامير؛
  • جان فان بيلي، العالم الموسيقي، ومدرس الموسيقى والأخصائي في دراسة الموسيقى والثقافة في البلدان الإسلامية، مع اهتمام خاص بالموسيقى الإسماعيلية في آسيا الوسطى؛
  • وكوئن فان هول، صانع الأفلام المتخصص في التقارير الإخبارية والأفلام الوثائقية عن الشعوب الأقلية.

إن تسجيل الموسيقى في جبال البامير لم يكن سهلاً بشكل من الأشكال مع وجود الطبيعة الجغرافية، وغياب الكهرباء في القرى النائية، والأزمة الاقتصادية و السياسية خلال رحلاتنا. ومع ذلك، وبمساعدة دليلنا المحلي و الناس الطيبين, لا سيما الموسيقيين، نجحنا في العثور على شاحنة، و بترول وسائق لنزور قرىً في أربعة من الأودية.

تاريخياً، كان لموسيقى بدخشان الكثير من القواسم المشتركة مع منطقة الثقافة الإسلامية المحيطة، حيث ينعكس ذلك في الأسماء العربية لبعض الآلات الموسيقية كالرباب والطنبور، و الأسماء الفارسية للسيتار والناي والدف. ومن ناحية أخرى, كان تعذر الوصول إلى جبال البامير عاملاً هامًاً في حفظ الأداءات والأشكال والآلات الموسيقية الفريدة من نوعها في بدخشان.
الآلات – أعواد
الربابة الباميرية
الطنبور
الستار
الناي
الدف

يمكن اتخاذ ملاحظة عامة عن موسيقى الباميريين وهي أنهم يملكون ميلاً نحو الأعواد النقرية قصيرة الرقبة وطويلتها. ومن بين تنوع الأعواد المستخدمة عندهم، والتي أكثر ما تخص بدخشان هي ربابي باميري، وهي عبارة عن عود قصير الرقبة بثلاثة أوتار مزدوجة، وليس عليه نقوش، ويعزف عليه بريشة خشبية.

ومن الأعواد الأخرى الشائعة هناك الطنبور، وهو عود سباعي الأوتار مع تنوع من الأوتار المتجانسة؛ و السيتار، وهو عود طويل الرقبة ومنقوش وله ثلاثة أوتار لحنية و ستة أو أكثر من الأوتار المتجانسة، و أعواد مستوردة كالرباب الأفغاني و الطار الأذربيجاني. إن الأقلية الكرغيزية التي تقيم في النجود العليا في الجزء الشرقي من بدخشان، تستخدم الـكوموس، وهو عود غير مزخرف بثلاثة أوتار.

معظم الأعواد تصنع من خشب أشجار التوت أو المشمش، ويتم النقر عليها بريشة خشبية أو معدنية. وباستثناء السيتار ذي الأوتار المعدنية، فإن الأعواد جميعها أوتارها من الأمعاء أو النايلون. لقد بدا لنا أن صناع الآلات والموسيقيين ابتكاريون جداً في تطوير أشكال جديدة من الأعواد كالرباب ذات الرقبتين، و البولندمقام و النيرود الذي يحتوي على لوحة مفاتيح كهربائية.

آلات أخرى

بالإضافة إلى الأعواد النقرية، فإننا نجد الغيجاكي الباميري, وهي كمان مسنبل بثلاثة من الأوتار المعائية وفي أغلب الحالات علبة من الصفيح كمضخم للصوت. إن الآلة النفخية الوحيدة التي سمعناها كانت الناي وهي قصبة طولانية لها ست فتحات مولفة حسب السلًم الموسيقي مع صوت عال ونافذ. وحسب مخبرينا, كانت القيثارة الفمية (الهارب) كثيرة الاستخدام في الأزمنة السابقة, لكننا لم نستطع أن نجد سوى عازفة واحدة من بين الأقلية الكرغيزية.

إن أكثر الآلات النقرية انتشاراً في بدخشان والتي تستخدم في معظم الأنواع الموسيقية هي الدف, وهي عبارة عن طبلة ذات إطار دائري. والآلة الغربية الوحيدة التي تستخدم في الموسيقى الشعبية هي الأكورديون, الذي تم شراؤه من قبل الجيش الروسي أيام الفترة السوفييتية وكان شائعاً في المناطق التي زرناها, ولكن لسوء الحظ كان صوته العالي يغطي كلية عزف الأعواد.

كان الباميريون تواقين دائماً لأن يعزفوا من أجلنا ولم يطلبوا مالاً بالمقابل. لقد أعطونا الكثير من المعلومات الشفهية بالإضافة إلى معلومات من نصوص أو دفاتر مكتوبة, عن خلفياتهم الإسماعيلية والموسيقية. ولكن في كثير من الحالات لم يكونوا قادرين على أن يخبروا الكثير حول التوليف أو المدرجات الموسيقية؛ وكان أغلبهم لا يستطيع قراءة النوطات وكانوا قد تعلموا النص و اللحن سماعياً من آبائهم أو أسرهم.

هنالك عدد قليل من الموسيقيين المحترفين, كعازف السيتار ممداتو تافالاييف من خوروق, ممن يكسبون عيشهم من خلال أداءاتهم وقد أصبحوا مشهورين في كل أنحاء البلاد. لكن الأكثرية هم هواة يعتبرون أداءاتهم خدمة للمجتمع. إن لكل قرية موسيقييها الخاصين بها والذين هم في أكثر الحالات عازفون متميزون و مدربون ويملكون ذواكر استثنائية للنص واللحن, ولهم القدرة على الغناء والعزف لساعات طويلة.

 

المدح

بالرغم من كل آلاتهم الموسيقية, يبقى أهم وسيلة للتعبير عن المعنى الحقيقي للموسيقى الباميرية هي الصوت البشري, الذي يتميز بين صوت حلقي أو أنفي. ومع أننا سجلنا ألوانا عديدة من الموسيقى والغناء, دينية ودنيوية, فقد كرس معظم بحثنا للون الديني (المدح), الذي يؤدي دوراً هاماً في التعبير عن الفكر والوجدان الإسماعيليين.

من وجهة النظر الموسيقية, يعتبرالمدح تأليفاً صوتياً, مصحوباً برباب أو اثنتين و/أوطنبور مع دعم منتظم من دف أو دفين. ويـُغنى القسم الأساسي من المدح بصوت منفرد مع دعم من جوقة من المغنين في اللازمة أو التفعيلات الأخيرة من المصراع. وتستخدم الآلات المرافقة أيضاً في الاستهلال والفواصل الموسيقية والاختتام, وبذلك تكون وسيلة هامة في تركيبة المدح.

و من دون الرجوع إلى تفاصيل العلوم الموسيقية, فقد اكتشفنا أن ثمة تماسكاً في الخصائص الموسيقية لأغاني المدح التي سجلناها في الأودية المختلفة:

  • مقدمة في نغمة حرة و وتيرة بطيئة (غالباً الغزل)؛
  • تضيـّق متواصل في المجال اللحني للصوت و غالباً ما يسير نحو طبقة صوتية أعلى؛
  • تزايد مستمر في الوتيرة نحو النهاية؛

كثافة متواصلة في النغم ؛ نموذج و نغم متكررين لبنية المدة.

هناك سمة خاصة في موسيقى بدخشان وهي استخدام المدرج شبه الصغير, مع ثان صغير بين السريع والمرحلة الثانية من المدرج, وثان مضخم بين المرحلتين الثانية والثالثة. وهناك سمة نموذجية أخرى وهي استخدام الكثير من النبرات الكرومية chromatised الترددية, لاسيما في اللون الفلكي وأغلبها بنطاق لحني ضيق جداً. وهذه الميزة التي يشترك فيها المدح مع الموسيقى الصوفية كتلك التي للقلندريين في بالوشستان والقادريين في كردستان .
 
مواضيع موسيقية

بالاشتراك مع الشعر الصوفي الفارسي , يتعاطى الشعر و الموسيقى الإسماعيليان بشكل عام مع مواضيع الحب, وغالباً ما يستخدمون صورة الحبيب و المحبوب , و الخمرة و الحانات, إما بمفهوم حرفي أو صوفي. هنالك الكثير من القصائد أيضاً في مدح الإمام علي, و أحدثها في مدح ِشاه كريم, الإمام الحالي للجماعة الإسماعيلية.

هنالك شخصيات تاريخية أخرى ممن تتألق في التراث الشعري عند الباميريين كالشاعر والفيلسوف الشهير ناصر خسرو, الذي تحدث الأخبار عنه أنه حوّل أسلاف الباميريين إلى العقيدة الإسماعيلية في القرن الحادي عشر, و شاعر القرن الثالث عشر الصوفي العظيم جلال الدين الرومي, ومؤدبه الروحي شمس تبريز, اللذين يعتبران شعبياً هنا بأنهما كانا إسماعيليين.

إن الميزة الدينية للمدح, وهي أن الجماعة كلها تشارك في أدائها , و إن موقف المؤدين الملتزم تجاه هذا اللون, هي بعض من الملامح التي أسهمت في نشوء فرضية أن الغاية من المدح هي الوصول إلى سموٍ روحي يشابه النشوة الدينية (الوجد) عند الصوفيين.

المدح في بدخشان بعد العهد السوفييتي

لقد كنا محظوظين جداً إذ وصلنا بدخشان في فترة ما بعد السوفييتية حيث تم إحياء الاستقلال والدين إذ تمكنا من التنقل بحرية حتى بلغنا أقصى القرى. ولقد دهشنا عندما اكتشفنا أن غناء المدح كان نشيطاً جداً بعد سبعين سنة من الكبت الشيوعي. في الحقيقة, يعتبرالمدح بالنسبة لإسماعيليي بدخشان أهم وسيلة للتعبيرعن خلفيتهم الثقافية الغنية.

لقد بذلت بعض المحاولات لحفظ هذا التراث الثقافي. ففي خوروق, عاصمة بدخشان, يوجد متحف فيه مجموعة رائعة من الآلات الموسيقية. وأيضاً في يمغ, يقوم السيد مبارك قدم ,و بمساعدة القرويين, ببناء متحف محلي جدير بالاهتمام يحتوي على مخطوطات, وسجاد و غيرها من الأشياء الثقافية عند الباميريين. لكن مازال هناك الكثير من العمل الذي يجب القيام به.

لدينا أمل كبير بأن تبقى الثقافة والتقاليد الإسماعيلية مصانة في المستقبل, وأن يكون هناك دعم مالي من الخارج لتحقيق هذا الهدف. إننا نشعر أيضاً أننا ما زلنا في بداية بحثنا (الذي امتد العام الفائت ليشمل الجماعات الإسماعيلية في أفغانستان)؛ وكلما تعلمنا أكثر تظهر أسئلة أكثر, وهذا بالنسبة لي سحر البحث.

أخيراً نود أن نهدي هذه المقالة الموجزة إلى سكان بدخشان, الذين كانت ضيافتهم ومودتهم تجربة لا تنسى بالنسبة لنا, والذين لولا مساعدتهم لكان بحثنا مستحيلاً.

ملاحظات

Our research trip in 1993 was made possible by a grant from the Netherlands Foundation for the Advancement of Tropical Research (WOTRO).

For a detailed study of the folk music and poetry of the Ismailis in Badakhshan, see Gabrielle Rachel van den Berg, Minstrel Poetry from the Pamir Mountains: A Study of the Songs and Poems of the Ismailis of Tajik Badakhshan, PhD thesis, State University of Leiden, 1997.
 

مجلة الاسماعيلي، المملكة المتحدة، عدد 33 (كانون الأول 1998)، ص. 18-19.

تركز هذه المقالة الموجزة القائمة على عمل ميداني تم في العامين 1992 و1993، على غنى التراث الموسيقي والآلات لدى إسماعيليي بدخشان الطاجيكية. يسلط المؤلف الضوء على المدح، وهو ضرب من الشعر الديني المغنى عند الإسماعيليين الباميريين، الذي حافظ على بقائه رغم القمع الشيوعي، والذي مواضيعه جلها من المدائح...