Lifelong Learning Articles

ناصر خسرو: لوحة شاعر ورحّالة وفيلسوف فارسي

الكلمات الرئيسية

ناصر خسرو، سفرنامه، دراسات إيرانية، دراسات إسلامية، دراسات إسماعيلية، دراسات شيعية، آسية الوسطى، فلسفة، يومغان، بدخشان، خراسان، دعوة، أدب، شعر، رحلة، الفاطميين.

 

 
 
جدول المحتويات
 
 
 

مقدمة

 

بالكلمات، انتشر دين النبي في الأرض، و بالكلمات بلغ أعلى قبة في السما

(ديوان ،180:30)

ظل ناصر خسرو على مدى تسعمائة سنة، يجذب انتباهاً مثيراً من المعجبين به والنقاد على حد سواء. جعلت مهاراته في صياغة الشعر وتعابيره الناطقين بالفارسية أن يصنفوه بين أفضل الشعراء الفرس على مدى قرون من الزمن. إضافة إلى ذلك، فقد تمت دراسة سجله الشخصي لرحلة السبع سنوات التي قام بها من آسيا الوسطى إلى ساحل المتوسط، فمصر، فالجزيرة العربية، ثم عائداً ثانية إلى موطنه، كلمة كلمة لما احتوته من وصف مفصل للمدن، والمجتمعات، والعادات. لقد وقف الباحثون الفرنسيون والألمان في القرن التاسع عشر في المكان الذي وقف فيه في القدس واستطاعوا أن يحصوا الخطى التي أحصاها قبل قرون. إن تقييم المضمون الفكري العظيم الموجود في كتاباته، الشعرية والنثرية، في وقت، مبكر قد أكسبه لقب ’ الحكيم‘ والذي يعني شخصاً مبجلاً لمعرفته العلمية ومقدرته التحليلية. ولا يزال بعض الناس في آسيا الوسطى يّدعون بأنهم ينحدرون منه. ومن ناحية أخرى، أدّى نجاحه كداعية للعقيدة الإسماعيلية إلى اتخاذ مواقف عدائية ضده من قبل الرأي العام الرسمي، مما اضطره للهرب والنجاة بحياته. لقد أمضى الخمس عشرة سنة الأخيرة من عمره في المنفى تحت حماية أمير صغير، في مكان ناء يربع في جبال بدخشان، إلى الشمال قليلاً من كوش الهندوسية. وقد نسب إليه، كذباً، تأسيس طائفة دينية باسمه، دعيت بالناصرية. تزايدت الأساطير حوله بشكل من المبالغة لدرجة أنه بحلول عام 1574 كان أحد المفكرين قد حذر بعدم تصديق أي شيء يقال عنه. أما اليوم، فإن أشعاره ما تزال تدرّس في صفوف الأدب الفارسي، وربما الأهم من ذلك، أنها تحفظ غيباً وتتلى من الذاكرة خلال المناقشات الفارسية عندما يستدعى شاهد عن تعبير أخلاقي كما في المثال التالي:
 

 

هل سمعتم؟ نبتة يقطين قد نمت تحت شجرة باسقة.

بعد عشرين يوماً فقط كبرت وأعطت ثمراً.

" أيتها الشجرة" قالت سائلة: "كم عمرك ؟ حدديه بالسنين."

ردت الشجرة: " مائتان ربما. بل مؤكد هو أكثر.

ضحكت نبتة اليقطين وقالت: " انظري كيف أني فعلت، وبعشرين يوماً فقطً،

أكثر مما قد فعلت، فلم أنت بطيئة هكذا ؟"

جاوبتها الشجرة: " أيتها اليقطينة الصغيرة، ليس هذا اليوم يوم حساب بيننا."

" فغداً، حين تعوي رياح الخريف عليك وعليّ، سوف، بالتأكيد، يعرف

من هو الإنسان الحقيقي ! ".

(ديوان ،20)

 

لقد كتب ناصر خسرو في ثلاثة من الأصناف الأدبية – الرحلات والشعر والفلسفة - وكل منها تشكل نافذة لنا إلى شخصيته. إضافة إلى ذلك، هنالك مجموعة من الكتب في الأدب الثانوي من السير الذاتية، والمقتطفات الشعرية والجغرافيات التي تتعرض له ولأعماله. وكان من أقدمها وصف عدائي من قبل أحد معاصريه أبو المعالي، الذي اتهمه بنشر أفكار هرطقية. ومنذ ذلك الحين كانت المراجع عن ناصر خسرو تظهر بدرجات مختلفة من الخيال والتحامل، دورياً، مرة كل قرن تقريباً في المجمّعات الفكرية الرئيسية. وهكذا، فبينما نستطيع أن نشكل من خلال كلماته الخاصة صورة الرجل الذي كان يرغب أن يُرى بها، فإننا نستطيع من خلال الكّتاب الآخرين أن نلمح شيئاً من المشاعر التي كان يثيرها.

في العصر الذي كانت فيه اللغة الدولية للنقاش السياسي والفكري من أسبانيا إلى الهند هي العربية، ميز ناصر خسرو نفسه بكتابة كل أعماله تقريباً بلغته القومية الفارسية. كان معظم نظرائه الفرس - ومن بينهم ألمع نجوم التاريخ الفكري الإسلامي، كالفيلسوف ابن سينا والفارابي والبعض من زملائه الإسماعيليين – قد حرصوا على أن يكتبوا على الأقل بعضاً من أعمالهم، باللغة العربية، إذ أنهم بذلك يضمنون شهرة أوسع. فعلى سبيل المثال، كتاب ابن سينا في الطب ’القانون‘، والذي ترجم من العربية إلى اللاتينية، كان يستخدم كمرجع رئيسي في الطب في أوروبا حتى العصر الحديث تقريباً، وعنوانه أدخل كلمة ’قانون‘ إلى اللغات الأوروبية. من المؤكد أن ناصر خسرو كان ملمًا باللغة العربية، وهناك آراء تقول بأنه ألف بعض الأعمال بتلك اللغة1. لكن ما هو موجود الآن من أعماله مكتوب باللغة الفارسية، وهذا ما يثير بعض التساؤلات. إذا كان حقاً لم يكتب إلا بالفارسية، فهذا يلقي ضوءاً استفزازياً على الشخص الذي، من كافة الوجوه، اتخذ نظرة أممية عن الحياة. ومن ناحية أخرى، إذا كان قد كتب فعلاً باللغة العربية أيضاً ولكن كل ما تبقى هي أعماله الفارسية، فهذا يبين نوعية الجمهور الذي سمعه ودخلت أعماله قلبه.

يمكن أن تقسم حياة ناصر خسرو إلى أربع مراحل: السنوات المبكرة من حياته ولغاية تحوله الديني في حوالي سن الأربعين، وهذه الفترة لا نعرف عنها إلا القليل؛ ثم رحلة السبع سنوات، التي منها حصلنا على كتابه ’سفرنامه‘ وبعض الشواهد من شعره؛ ثم عودته إلى موطنه خراسان كداعي دعاة للإسماعيليين في المنطقة؛ وأخيراً، منفاه في جبال بامير في بدخشان في مقاطعة يومغان، ومنها حصلنا على أشعاره وبعض من أعماله الفلسفية وإهدائها إلى الأمير الذي منحه اللجوء.

السنوات المبكرة

ولد أبو معين حميد الدين ناصر بن حارث القبادياني المروزي، والذي يعرف بشكل عام بناصر خسرو عام 394/1004من أسرة تضم مسؤولين حكوميين2. وفي أعماله الفلسفية النثرية يسجل عادة أسمه الكامل عندما يدّعي تأليفه للعمل؛ وفي كتابه ’سفرنامه‘ يشير إلى نفسه ’بناصر‘؛ وفي قصائده يستخدم اسمه المستعار ’حجة‘ أي ’البرهان‘ وهو لقب مكانته الرفيعة ضمن تنظيم الدعوة الإسماعيلية، ولكن أيضاً " ناصر" و"خسرو". و"خسرو" هي الكلمة الفارسية الوحيدة في اسمه (ما تبقى، فيما عدا أسماء الأماكن، فهي عربية أو معرّبة)، وقد تكون هذه نقطة من الافتخار الكبير لهذا المدافع عن الثقافة واللغة الفارسيتين. على سبيل المثال، فقد كان خسرو برويز وخسرو أنوشروان ملكان قويان في الإمبراطورية الإيرانية قبل الإسلام واللذين أقاما الكثير من البنى الإدارية التي تبنتها فيما بعد، الإمبراطورية الإسلامية في ظل الخلفاء.

ولد ناصر في قباديان، وهي بلدة صغيرة على أطراف مرو، المدينة الرئيسية في مقاطعة بلخ التابعة لولاية خراسان الكبيرة، التي كانت تمتد في شرق إيران لغاية نهر جيحون. وكانت العاصمة المحلية نيسابور، ومدينة مرو نقطتي توقف هامتين على طول طريق الحرير، وفي زمن ناصر، كان الناس من مختلف الأعراق والأديان يتمازجون بنجاح في تلك المدن الدولية. كانت تعبيش جاليات كبيرة من اليهود والمسيحيين والبوذيين جنباً إلى جنب مع المسلمين من كلا العقيدتين السنية والشيعية، منتجين مجتمعاً غنياً ليس بالثروة المادية فحسب، بل أيضاً بالمنتجات الفكرية والدينية والفنية.

في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، أي قبل مولد ناصر بعدة عقود، كانت مقاطعتي خراسان وما وراء النهر (اليوم آسيا الوسطى) مقراً لنهضة الثقافة الفارسية، وبعد بضعة مئات من السنين التي اكتسبت فيها اللغة العربية سيطرة مؤقتة إثر الفتح العسكري الذي قام به العرب حوالي عام 30 هجري/650 ميلادي. تمخضت هذه "القفزة الفارسية" كما أحب أن أدعوها، عن لغة جديدة: الفارسية الجديدة، التي أدخلت كلمات عربية إلى المفردات الفارسية من العصر الوسيط وقواعدها، وقدمت وسيلة للتعبير عن هوية ثقافية فارسية-إسلامية. ومن أبرز ثمار هذه اللغة الجديدة كان تأليف الملحمة الشعرية القومية الإيرانية ’الشاهنامه‘ (كتاب الملوك)، التي أكملها الفردوسي عام 401 هجري/1010 ميلادي، كان يومها ناصر خسرو بين الخامسة والسادسة من عمره. بعد ذلك، وخلال عقود من الزمن، برز ناصر كمؤلف نمطي متمكن بهذه اللغة الجديدة في كل من الشعر والنثر، ومكتمل القدرة على التعبير عن نفسه بالأوزان الشعرية المعقدة حيث كانت قواعد الشعر العربي تهيمن على الشعر الفارسي، وبأسلوب واضح من النثر غير المقيد بالمحسّنات اللغوية التي سادت بعد ذلك بعدة قرون.

لقد اتبع ناصر تقليد أسرته ودخل الوظائف الحكومية حيث تولى بعض المهام المالية، وربما جباية الضرائب، حيث اكتسب شهرة كبيرة. لقد كتب في كتابه سفرنامه3: ’ لقد كنت مهنتي كاتباً وكنت من أولئك المسؤولين في المصلحة الضريبية للسلطان‘. و كتب أيضاً ’قد حصلت على سمعة ليست بالقليلة بين أترابي،. وفي أيامه المبكرة، كان على أُلفة مع السلاطين الغزنويين ومن ثم يعمل مع خلفائهم السلاجقة، وقد تمتع ناصر خسرو بحياة مفعمة بالسفر، والدراسة، والشعر، والخمر، والنساء والأصدقاء. أبلى حسناً في المدرسة حيث تعلم العربية والفارسية، بقواعدهما وعروضهما، كما درس الفلسفة، والعلوم الدينية، والأدب، والتاريخ، والرياضيات. وفي وقت لاحق من حياته، ألف كتاباً في الرياضيات، رغم أنه لم يستطع أن يجد: "مفكراً واحداً في خراسان والبلاد الشرقية كلها مثلي (ممن) يستطيع الوصول إلى حلول لتلك المسائل". لكنه كان يشعر بالمسؤولية للقيام بهذه المهمة، من أجل قرّاء لن يراهم أبداً، "أولئك الذين لا بد أنهم آتون في زمن لا بد آت"4.

لقد اغتنم ناصر خسرو الفرصة لرؤية أماكن جديدة وليعجب بمنجزات يد الإنسان وعقله. كان يركز نظره في ترجاله على البنى الطبيعية والإدارية التي أقامها كل مجتمع، كأسوار المدن، وأقنية الري وأسطحة الشوارع من جهة، وشروط الضرائب، وأنظمة التوظيف وتأجير المحلات التجارية من جهة أخرى. ونتيجة لدقة ملاحظته في مراقبة التفاصيل، فإن شيئاً لم يفت فضوله: كان قد أعجب بالحس المترف للحرير والدامسكو؛ ودقق في الخرافات المحلية؛ ورتب استعراضاً خاصاً لوليمة ملكية؛ وأقام ندوات شعرية مع شعراء محليين؛ وابتدر أحاديث مع الفلاحين وأصحاب المحلات التجارية والأمراء؛ وزار الأضرحة المسيحية؛ ولاحظ وجود النساء في مقاهي أرمينيا؛ وقارن بين أسواق الفواكه في كل من القاهرة ومكة وخراسان؛ وابتهج لرؤية طفل يحمل وردة حمراء في إحدى يديه ووردة بيضاء في اليد الأخرى؛ وجهد في السير عبر الصحراء العربية لكنه رفض أن يأكل السحالي التي تعرض عليه.

ولكن، بالنسبة لناصر خسرو، كان هناك تيار أكثر إلحاحا يجري تحت تلك المباهج من العالم، وهو رغبته الجامحة لأن يكون لديه هدف، وجواب على سؤال: لماذا يوجد كل هذا؟ لماذا العالم، لماذا السعادة البشرية، لماذا الحزن البشري، لماذا اللآلئ الجميلة ضمن المحار الأجرب القبيح؟ لقد سأل كل المعلمين والكهنة الذين كان يعرفهم، واستفسر في كل المذاهب ومدارس الفكر، وقرأ كل الكتب التي استطاع قراءتها، ولكن لم يتلق أي جواب شاف لذلك. لقد استمر بحثه القلق، وصراعه الداخلي حتى وصل أخيراً إلى اليقين بأن الأجوبة على تلك الأسئلة النهائية يمكن أن توجد في مبادئ العقيدة الشيعية الإسماعيلية.

في لحظة من عمره وهو في الأربعين (أو الثانية والأربعين، وهذا يتوقف على المصدر)، مر ناصر بانقلاب روحي بلغ أوجه بيقينه أن الحقيقة يمكن العثور عليها في الرسالة الإسماعيلية. كما أنه اقتنع، أيضاً بأن عليه أن يغير حياته كلية ويستخدم الحقيقة لتغيير العالم. في كتابه ’سفرنامه‘ يتحدث عن حلم جبار هز كيانه من "نوم أربعين سنة"، وحول حياته إلى حياة مليئة بالإلتزام والوعظ الديني. وفي مكان آخر، في قصيدة عن سيرته الذاتية، يروي عن السنين التي أمضاها في البحث الروحي، ويقر بفضل معلمه، المؤيد في الدين الشيرازي (توفي.470 هجري/1078 ميلادي)، بهدايته إلى طريق العلم. إن كلتا الروايتين صحيحتين من الناحية النفسية وربما التاريخية أيضاً. إذ أن الحلم أو المسعى لا يحتاجان لأن يكونا مجرد عرف أدبي أو شذرات من الميثولوجيا الإنسانية. إن الناس يحلمون وبالفعل يملكون لحظات من الصفاء، التي يفسرونها بأنهم يحصلون على حقيقة بالمكاشفة أو الاستبصار بأن الآخرة ترشد حياتهم.

رحلة الحياة

إثر هذا الاهتداء الواعي والحيوي، تخلى ناصر خسرو عن منصبه الإداري وانطلق من موطنه في ولاية خراسان ليؤدي ظاهرياً فريضة الحج إلى مكة. لقد سار به طريقه باتجاه الغرب عبر شمال إيران، وعبر أرمينيا وأذربيجان، مروراً بسورية إلى القدس والخليل وغيرها من مدن المنطقة. وقد أمضى ثلاث سنوات من رحلته التي دامت سبع سنوات في القاهرة، عاصمة الفاطميين وقلب القوة والحياة الفكرية الإسماعيلية. لقد تحدى الفاطميون الخلافة العباسية في بغداد عسكرياً ودينياً بشلك مباشر. ولم تكن شبكة تعاليمهم تهدف إلى هداية الرجال والنساء إلى حياة من الخلاص الروحي والعقلي فحسب، بل ليحققوا، أيضاً النظرة الشيعية للدولة الإسلامية، وأثناء وجوده في القاهرة، درس ناصر المبادئ الإسماعيلية، والقانون والحكم مع العلماء المقدمين. وقد حج إلى مكة أربع مرات. ومن حجته الأخيرة، تابع سيره شمالاً عبر الجزيرة العربية، ثم قطع إيران، لينعطف شرقاً عائداً إلى موطنه بلخ.

عندما غادر ناصر القاهرة، غادرها ’كحجة‘ خراسان، أي رئيس الدعوة الإسماعيلية في الولاية التي يعيش فيها. كان الفاطميون قد قسموا العالم إلى اثني عشر إقليماً، وعينوا على كل إقليم مشرفاً، أو ’حجة‘ ،ليدير وينسق الدعوة إلى العقيدة. وبالنسبة لخراسان، لم يستطيعوا اختيار شخص لهذه المهمة أفضل من ناصر خسرو. لقد امتزج حبه لوطنه الآن مع تعهده الشديد بإرشاد الآخرين إلى الطريق الصحيح، تماماً كما اهتدى هو نفسه.

إلا أن العقيدة الإسماعيلية، والتي هي فرع من الإسلام الشيعي، لم تكن مقبولة لدى العموم إطلاقاً. كان كلا الفرعين السني وبعض الفرق الشيعية غير الإسماعيلية يعتبران الإسماعيلية كفراً. إن الفرق البائن بين السنة والشيعة (بما فيها الإسماعيلية) هو أنه في المعتقدات الشيعية يجب أن تكون قيادة المسلمين الروحية والزمنية مستمرة عبر ذرية النبي محمد، وبالتحديد من ابنته فاطمة وزوجها علي، ابن عم النبي. كان الإسماعيليون الأوائل قبل العهد الفاطمي قد تعرفوا على خط خاص من الزعامة الروحية أو ’الأئمة‘. وبعد ذلك، ومع قيام الدولة الفاطمية، اعتبر الإسماعيليون الخلفاء الفاطميين أئمة؛ وهذا الخط من الأئمة الإسماعيلية مستمر حتى يومنا هذا. بينما يعترف الفرع الرئيسي الآخر من الشيعة باثني عشر إماماً، كان آخرهم قد اختفى في ظروف غامضة عام 260/871، وأتباعه يُعرفون بالشيعة الإثنا عشرية. بينما الفقه السني من جهة أخرى، لا يعطي علياً هذا الإجلال، وبشكل عام يقبل بتوالي الزعامة كما ظهرت بعد النبي محمد أي أنها في الخلفاء الأربعة الأوائل يليهم الخلفاء الأمويون ومن ثم العباسيون - استمرارية تاريخية دامت أكثر من 600 سنة، من عام 11 هجري/632 ميلادي إلى عام 656 هجري/1258 ميلادي، عندما قتل المغول آخر خليفة عباسي.

ولطالما دام الاختلاف الفقهي بين السنية والشيعية، كان هنالك دائماً معارضة شيعية لوجود السلطة السياسية في أيدي السنة. استمرت الخلافة الفاطمية من 297 هجرية/909 ميلادي وحتى 567 هجرية/1167 ميلادية، وكانت أول سلطة شيعية حاكمة، والسلطة الرئيسة الوحيدة حتى عام 907 هجرية/1501 ميلادية عندما أقرّت الشيعية الاثني عشرية كدين دولة لإيران تحت حكم الصفويين. وبما أن الفاطميين كانوا يتحدّون سلطة الخلفاء العباسيين مباشرة، سياسيا وعقائدياً فقد شن العباسيون من عاصمتهم بغداد حملة من التهديدات، والاغتيالات والتهجم الفكري ضد الفاطميين وأفكارهم. لقد كانت معظم مراكز السلطة في تلك الفترة، باستثناء الخلافة الفاطمية الإسماعيلية في القاهرة، سنية ومتشددة. فالذين استوظفوا ناصر خسرو قبل تحوله، السلاطين الغزنويين أولاً، ومن ثم السلاجقة، كانوا كلهم من السنة المتشددين وكانوا يظهرون ولاءهم للخليفة السني في بغداد من خلال جهود مكثفة لقمع النشاط الشيعي، ولاسيما الذي كان يصدر عن الدعاة الإسماعيليين الذين ينشطون لصالح الخليفة الفاطمي.

حقق ناصر خسرو كرئيس للنشاط التبشيري الإسماعيلي للدعوة الفاطمية في خراسان نجاحات كبيرة، لكن ذلك وضع حياته في خطر. كان كلا ’العلماء‘، السنة والشيعة الإثنا عشريون، إضافة إلى الجمهور الواقع تحت نفوذهم، يهددون حياته. ولا توجد لدينا أية صورة تظهر كيف كان ناصر خسرو يتعرض للاضطهاد أو كم مرة تكرر ذلك، ولا نعلم أيضاً أي شكل من أشكال الإضطهاد كان يحدث. لكننا نعلم بيقين أن غيره من الدعاة الإسماعيليين كانوا غالباُ ما يحكمون بالموت بسبب عملهم. وهكذا، عندما تصاعد الضغط على ناصر حتى في بلدته بلخ، أدرك أن عليه الهروب. لقد وجد ملاذاً في الشرق الأقصى، في مكان يدعى يمغان، في بلاط علي بن الأسد، و هو أمير إسماعيلي لإقليم بدخشان الجبلي.

سنوات المنفى

في منفاه، وفي مكان ناء، بعيداً عن المراكز الفكرية في القاهرة وفي محبوبته خراسان، حول ناصر خسرو نشاطاته إلى داخله، منتجاً أكثر الأعمال المكتوبة التي لدينا الآن. من الناحية الفنية، تتحرك نصوصه الفلسفية منهجياً من خلال ثوابت العقيدة الإسماعيلية، ويعرض كتابه سفرنامه لغة سلسة، ومستفيضة، مع لحظات قليلة فقط من التعابيرالشخصية من أجل القارئ. وكذلك الأمر في شعره حيث يصور ناصر أكبر نطاق من مشاعره وأعمقها. ويغص شعره باليأس والمرارة، ولا يهدأ إلا عند الانسجام مع اقتناعه الثابت بصواب أعماله وتأكده من خلاصه النهائي أمام الله يوم الحساب. كما ويغتلي صدره غضباً من مواطنيه لأنهم أبعدوه عن أرضه ولأنهم جاهلون لدرجة عدم إبصار حقيقة رسالته. وهو ينتحب من منفاه، ومن معاناته من العزلة الفكرية. يضرب قبضته على الدنيا لأنها تعد بالمسرات وتعطي الهلاك. لكنه لا يستطيع الهروب من مكان لجوئه الآمن. فحمايته تلتف حوله. لقد أصبحت يغمان رديفاً للسجن. في إحدى قصائده يطلق صوته مخاطباً الريح:

 

مرّ، يا نسيم خراسان. بسجين يقبع في وادٍ عميق في يمغان،

جاثماً في مضائق كتيمة تفتقر إلى الراحة،

سُلبت منه كل ثرواته، كل متاعه، وكل أمل.

( ديوان، 208: 1–2)

ثمة صورة واحدة غالباً ما يجد شاعرنا فيها عزاءً هي الجوهرة التي في المنجم. فهو يرى نفسه كشيء نفيس سيُعثر عليه في محيطه الكلي. ويتوسع ويقول بأننا جواهر في المنجم مدفونة تحت أكداس من القذارة والأوساخ، لكننا موجودون هناك. فلا تهمنا الظروف الخارجية، ولا الأحوال المادية- إذ أن الرفاهية والنصر يمكن أن تكون خدَاعة كالفقر والعبودية - إن كل فرد هو من صنع الله، وخَلقٌ من قيم جوهرية. كل فرد يحتوي على جزء من الأبدية، فالروح هي الذات الحقيقية. ولكي يجد الفرد جوهر ذاته عليه أن يعمل وينقب. فبدون العمل، وبدون التضحية، وبدون الجهد الواعي، لن يتم العثور على الجوهرة، ولن تُشع.وإذا لم تشع فلن تحقق الغاية التي صنعت من أجلها. فالقيمة الجوهرية يجب أن تظهر للعيان.

إن هدف الروح هو التوجه إلى الله. وبالنسبة لناصر خسرو، فإن الجهد الواعي لإيجاد الجوهرة وتلميعها، أي، لتصفية النفس من الشوائب الجسدية، لا يتم إلا عندما يقود العقل الطريق. وبما أن العقل صفة مميزة للبشر، ولا توجد عند أي كائن آخر من خلق الله، فإن العقل بذلك هو أداة التنفيذ في هذا العالم والخلاص في العالم الآخر. وبواسطة العقل تستطيع النفس البشرية أن تتعلم الأشياء التي تحتاج تعلمها لكي تميز ما هو جوهري مما هو غير ذلك، أي الظاهر عن الباطن، وبذلك توجه أعمال الفرد لتحقيق أجمل المتع الممكنة5.

إن فرار ناصر ومنفاه يظهران المضمون العلني في الكثير من شعره اللاحق. وفي قصائده يطلق العنان لشعوره بالغربة والحنين إلى الوطن، مشيراً بالتأكيد إلى واحد من أكثر الأسباب إلزاماً لشعبيته الصامدة، ومقارباً من المشاعر العامة ليس فقط من الفقدان والهجران، بل أيضاً من الأمل والثقة بالانتصار النهائي للخير على الشر. إنها واحدة من سخريات القدر الظالم أن الحل المختار للقضاء على عدو غالباً ما يضمن شهرة قوية لذلك العدو. وفي حالة ناصر خسرو، لا أحد يعرف أسماء ظالميه،لكن أشعاره في المنفى، والتي يشتاق فيها إلى وطنه، تتحدث عبر قرون إلى أي إنسان جرفت الحرب، أو الاضطهاد أو الإرهاب عالمه.

محتوى كتاباته

ككاتب، كتب بشكل موسع باللغة الفارسية. فناصر خسرو يستحق الإعجاب، ليس لإخلاصه للغته الأم فحسب، ولكن لمهارته البلاغية والتصويرية، ومقدرته على خلق كلمات جديدة، بالإضافة لتكوين معاني جديدة لتعابير القديمة. وكرحالة، فقد زار الكثير من العالم الإسلامي، يستمر تسجيله الشخصي لرحلته التي دامت سبع سنوات، عرضة للتمحيص من أجل كل الأدلة التي يحتمل أن تعطيها للتاريخ، والسياسة، وعلم الآثار، والإدارة، والمجتمع، والدين، والعادات والدفاعات العسكرية في المنطقة وخلال تلك الفترة من الزمن. وكداع، لم يعط في أعماله مبادئ العقيدة فحسب، بل أيضاً حجج العقيدة، ونصائح للعيش في أخلاقيات العقيدة. وكأخلاقي، يحذر من مخاطر كثرة الانهماك في آلام الدنيا ومسراتها وما زال شعره يتردد حتى اليوم لعرض دروس الحياة ولتقديم العزاء عن طريق التخلص من الغرور الذي يضع أهمية مفرطة لهذه الحياة. وكمفكر، يعيش في المنفى، حيث يقف نتاجه الأدبي الغزير من ’سجن‘ يمغان كشهادة على حبه و مسيره إلى الحياة اللذين لم يخمدا حتى في حالة يأسه الملموسة. فمن أية زاوية يختارها المرء للنظر، سوف يرى رجلاً يحاول أن يعيش الحياة أخلاقياً وبهدف قدر المستطاع، رجلاً قد اختبر الماضي ثم قرر أن يجري تغييرا جذرياً، رجلاً قد أتى إلى نوع من السكنى مع تغيرات ضخمة وخيبات بهذه الحياة.

لم يكن جوابه بأن يتخذ ملاذاً في متع الدنيا بشكل قدري، أو أن ينعزل عن الدنيا و يتجاهل سحرها الاجتماعي والمادي، كما كان يفعل الكثير من الزهاد وبعض المتصوفين، بل ليرفض الأفضلية التي تعطى إلى هذه المتع من قبل البعض من الناس ويحذر كل من ينخدع بها. لم يكن ناصر خسرو زاهداً. فقد اختار بلاط أمير، لا كوخ درويش كمكان لمنفاه، كما أنه لم ينأى بنفسه عن الحياة الفاعلة في هذا العالم. فمن منفاه في يمغان كان يصدر كتاباته ’كتاب كل سنة‘6 مستمراً بتثقيف الآخرين معتبراً ذلك من مسؤولياته الشخصية.

الرحلات

يترك ناصر خسرو في كتاب سفرنامه سجلاً لرحلة دامت سبع سنين من موطنه في خراسان إلى مصر والعودة7. لقد تبنى أسلوباً شخصياً، وغالباً ما كان يشير إلى نفسه بعبارة: ’أنا ، ناصر‘ عندما يشرح شيئاً قام به أو رآه في مكان ما. من الدليل الداخلي، نستطيع أن نستنتج أنه كتب سفرنامه في فترة متأخرة وذلك من الملاحظات التي قد أخذها على طول الطريق. ولأنه كان يكتب نثراً فارسياً بسيطاً نسبياً، فقد فاز ناصر خسرو بثقة القارئ بوصفه الأمين للمدن والبلدات. لم يكن يحاول أن يؤثر على أحد بمهاراته اللغوية بل بالأشياء الغريبة والعجيبة التي شاهدها أثناء ترحاله. وهكذا، عندما تخذله الكلمات، كما في هذه المحاولة لوصف الغنى السخي لقاهرة الفاطميين، فإننا نذهل أيضاً لما شاهده:
 

 

لقد شاهدت ثراءً شخصياً هائلاً هناك لدرجة أنني لو أصفه لن يصدقه الناس فيبلاد فارس.

إنني لم أستطع أن أكتشف أية نهاية أو حد لثرائهم، كما أنني لم أر

أبداً مثل هذا الرخاء والنعيم في أي مكان آخر.

(سفرنامه، 55)

يجب النظر إلى الوصف الذي قدمه إذاً على أنه استجابة محدودة لتجربة مثيرة. إن أسلوبه في النثر السلس البسيط، بالإضافة إلى اعترافاته اللطيفة بنقاط ضعفه الشخصية، تظهر أصالة مميزة.

لسوء الحظ، إن التقارير الصادرة عن عين ناصر خسرو البصيرة والعطوفة، التي تفتحت على كل المنجزات المعمارية والإدارية، لم تتمتع بقراءة واسعة في العالم الإسلامي. من المؤكد أن كتاب سفرنامه قد عانى من كونه كتب بالفارسية في ثقافة كانت فيها العربية ما تزال اللغة المشتركة بين المثقفين من كل البلاد، ولكن ربما لأنها كانت تصف أمجاد النجاح السياسي للإسماعيليين. وعندما تمزقت الدولة الفاطمية وآلت إلى السقوط عام 567 هجري/1171 ميلادي، تولى السنة الحكم ثانية في مصر. وعندما جرد الإسماعيليون من الحكم السياسي و أصبحوا عرضة للتنكيل، لجؤوا مرة ثانية إلى ممارسة ’التقية‘، أي إخفاء عقيدتهم، وقد تم تجاهل أي عرض للأمجاد التي كانت عليها القاهرة الفاطمية عمداً، ككتاب ناصر خسرو سفرنامه.

الشعر

ظهر شعر ناصر خسرو في عدة أعمال، والمجموعة الرئيسية منها قد جمعت في الديوان8، الذي يبلغ الآن بمجمله أكثر من 15000 بيتاً شعرياً. كتبت أشعار ديوانه على شكل قصائد غنائية، مصورة عواطف نبيلة وأفكار سامية بأسلوب رسمي رفيع. تتميز ’القصيدة‘ بقافية موحدة في كل الأبيات. كل ’بيت‘ يتألف من شطرين متساويين. يضم الديوان إضافة إلى القصائد الغنائية قصائد أصغر ورباعيات. والقصائد التي في الديوان قد تلقت، حتى الآن، معالجتين رئيسيتين باللغة الإنكليزية : ترجمت أربعون قصيدة من قبل ب . ل. ويلسون، و ج . ر أفاني عام 1977،9 ومؤخراً ترجمت أنيماري شيمل وشرحت المضامين الرئيسية في عدد لا بأس به من الأشعار المختارة10.

كان لناصر خسرو أيضاً قصيدتان طويلتان من الشعر الحر، ظهرتا في طبعة 1925-28 من الديوان، رغم وجود بعض التساؤلات عن تأليف إحداهما. القصيدة الأولى بعنوان "روشان نامه" (كتاب التنوير) والتي تختلف عن عمله النثري الذي يحمل نفس الاسم - يجعل هذا ناصر خسرو نموذجاً فريداً لكاتب فارسي له عملان مختلفان، أحدهما بالنثر، والآخر بالشعر، ويحملان نفس الاسم. من حسن الحظ، إن لعمله النثري اسما آخر، "شيش فصل" (الفصل السادس)، ولأجل الوضوح سيشار إليه هنا بهذا الاسم. القصيدة الطويلة الثانية بعنوان "سعادة نامه" (كتاب السعادة)، أثار جدلاً كبيراً لأكثر من قرن. وبما أنها كانت تنسب عرفياً إلى ناصر خسرو، فقد شملت في طبعة 1925-28 من الديوان، رغم أن أحد الناشرين كان يعتبرها منحولة. يقول مالك الشعرا في كتابه "سبك شيناسي" (الأسلوبيات) لا بد أن هذه القصيدة قد ألّفت من قبل شخص آخر، رجل باسم ناصر خسروي أصفهاني11. لقد ترجم ج .م ويكنز ’سعادة نامه‘ إلى الإنكليزية عام 1955، دون أن يتخذ موقفاً حيال تأليفها. وبما أن الشكوك تلف مؤلفها، فإن العمل الحاضر لا يعتبر ’سعادة نامه‘ مرجعاً12.

الفلسفة

أنتج ناصر خسرو باعتباره زعيماً للدعوة الإسماعيلية في خراسان عدداً من الأعمال النثرية عن العقيدة الإسماعيلية، وكلها كانت باللغة الفارسية وفقاً لما نعرفه. وحتى الآن، تم تحرير ستة من هذه الأعمال من مخطوطات ولقد ترجم عدد منها، على الأقل جزئياً، إلى اللغات الغربية. إن الأعمال الستة المنشورة هي: ’غوشايش ورهايش‘ (كسر القيد و التحرير)، ’جامع الحكمتين‘، ’خوان الإخوان‘ ( عيد الأخوان )، ’شيش فصل‘ (الفصل السادس) وهو ’روشانا نامه‘ المنثورة، ’وجه الدين‘،و’زاد المسافرين‘. وبالإضافة إلى هؤلاء، حقق بوناوالة عدداً من المخطوطات لأعمال أخرى لناصر خسرو، وناصر نفسه يشير إلى حوالي أكثر من عشرة أعمال غيرها، لا تزال مفقودة.13

رتب كتاب ’غوشايش ورهايش‘14 كسلسلة من 30 سؤالاً وجواباً تعالج الأمور اللاهوتية التي تبدأ من (’كيف يمكن لمن ليس جسدياً [الله] أن يخلق جسداً ؟‘) إلى إن تصل إلى الجبرية (’عن الظلم في الأعمال المقدرة والعقوبات الأبدية‘). معظم الأسئلة تتعلق بالنفس البشرية، وعلاقتها بعالم الطبيعة، وسعيها للخلاص في العالم الآخر. وتناقش فيما إذا كانت الروح مادة، أو إذا كانت مخلوقة، وكيف يمكن للشخص أن يعرف عن الله وعمله. ومهما كانت الأسئلة هامة، تبقى أجوبة ناصر خسرو عامة ومختصرة، مقدماً نصوصاً موجزة عن فهمه للمعتقدات الفاطمية في كل موضوع. ويقف العمل كاستجواب لتحديد المسائل اللاهوتية الرئيسة للدعوة الفاطمية وإيجاز تعاليمها عن هذه القضايا.

يسهم ناصر خسرو في ’جامع الحكمتين‘15، بالهدف الأكبر للقرون الوسطى وهو الجمع بين ’الحكمتين ‘ الفلسفة والدين، وبالتحديد الفلسفة اليونانية والإسلام. ولا يحاول كاتبنا فقط، أن يجسر الفجوة الطرائقية بين الاثنتين، وبالتحديد طريقة الفلسفة في الوصول إلى المعرفة عن طريق البراهين المنطقية وطريقة الدين للوصول إلى المعرفة عن طريق الإلهام من الله، بل أيضاً، أن يظهر أن الاثنتين متطابقتين من حيث الجوهر، أي أنهما تؤديان إلى معرفة نفس الحقيقة. وكان الحافز لعمل ناصر قصيدة إسماعيلية كتبها أبو الهيثم الجرجاني قبل ذلك ببضعة عقود (في القرن الرابع هجري/العاشر ميلادي) تطرح بعض الأسئلة اللاهوتية. هذه القصيدة لفتت انتباه أمير بدخشان،الإسماعيلي ’علي بن الأسد‘ مجير ناصر. طلب الأمير، فضولاً، من ناصر أن يرد على الأسئلة، فكان ’جامع الحكمتين‘ جوابه الموسع16. بعد أن وضع أساساً نظرياً يرتكز على مبادئ أرسطو كالفرق بين الأنواع المختلفة من القضايا (من ضمنها الشكلية والفعالة والنهائية)، يعالج ناصر خسرو حلقة واسعة من المواضيع، تشمل البراهين على وجود الخالق، و’التوحيد‘، والكمال الإلهي، والطبيعة الكونية، والملائكة، والجن والشياطين، والأجناس والأنواع، وأشكال متنوعة من الأبدية، وخصائص القمر، والخلق، والفرق بين ’المدرَك‘ و’الإدراك‘، والعلاقة بين الجسد والنفس والعقل، ومفهوم ’الأنا‘ أو الذات، وتأثير الأجرام السماوية على الأجسام والأرواح البشرية. وبالإضافة لذلك، يضمّن مقطعاً عن مؤلف القصيدة ويندد بعلماء اللاهوت الذين دمروا الدين والفلسفة.

والكتاب المحقق الثالث، ’خوان الإخوان‘17، مقسم إلى مائة فصل. تغطي هذه الفصول مواضيع مثل البعث؛ وكيف ستعاقب الروح اللاجسدية أو تكافأ؛ وضرورة تنفيذ متطلبات الشريعة؛ والمعنى لكلمة الله؛ والمراتب المختلفة للعقل والنفس؛ والفرق بين النفس والروح؛ وكيف جاءت ’الكثرة‘ في العالم من أمر، واحد‘ للخلق؛ وأفضلية الطاقة الروحية على الطاقة الجسدية؛ وإن إعلان ’الشهادة‘ هو المفتاح إلى الجنة؛ والفرق بين القرآن وأقوال النبي؛ ولماذا لا يمكن لنبيين أن يعملا في زمن واحد. ووفقاً للتسلسل التاريخي فإن هذا واحد من أعمال ناصر خسرو المتأخرة لأنه يشير فيه إلى عمله ’غوشايش ورهايش‘18. يشبه ’خوان الإخوان‘ كثيراً ’كتاب الينابيع‘ الذي كتبه بالعربية نظيره الفيلسوف الإسماعيلي الفارسي أبو يعقوب السجستاني (المتوفى بعد /361/971) وكان التشابه قوياً بحيث يعتقد أن ناصر ربما قام بمجرد ترجمة عمل زميله إلى الفارسية، على الأقل جزئياً19. لكن أعمال ناصر خسرو تحتوي على مقاطع فريدة لا توجد في نص السجستاني العربي، لذلك يجب أن يدرس كنص مستقل، فهذه المقاطع ربما تمثل أجزاءً مفقودة من عمل السجستاني، أو جزء من عمل آخر له أو كتابة أصلية قام بها ناصر خسرو بنفسه.

أما الكتاب المحقق الرابع، ’شيش فصل‘ (’روشانا نامه‘ المنثورة )20، فهو يمثل نسخة بليغة عن المعتقد الإسماعيلي الفاطمي في الخلق، مبتدئاً بفكرة التوحيد، ويستمر عبر الأفلاطونية الجديدة في أساسات العقل والنفس والطبيعة، وينتهي بشرح خلاص الإنسان وكيف يتعلق بالأساسات. ومهما بدت هذه المعالجة القصيرة لهذه المواضيع سطحية، إلا أن "شيش فصل" يخدم هدفاً قيّماً في إبراز المبادئ الجوهرية بشكل موجز يلاءم الأغراض التعليمية، حيث يمكن رؤية قيمة هذا العمل من خلال انتشاره حتى في الزمن الحالي. فهو يشير إلى الإعجاب السائد بهذه المبادئ بين الكثير من الإسماعيليين، وبالتالي استمرارية العقيدة التي تمتد إلى 900 سنة.

وفي"وجه الدين"21 يقدم ناصر خسرو أكثر تأويل دقة للشعائر والطقوس الدينية مقدماً المعنى الباطني لأشكال ظاهرية محددة في الدين. إن مقاطع الكتاب الواحد والخمسين تشمل، على سبيل المثال، تأويله لبعض الآيات من القرآن، والدعوة إلى الصلاة، والوضوء من أجل الصلاة، والأوقات المفروضة للصلاة، وحركات أداء الصلاة، والزكاة من أجل الفقراء، والحج وبعض العقوبات المفروضة. وبإتباعه التأويل الإسماعيلي، يبين التوازي بين بنية العالم الطبيعي وتلك التي في العالم الروحاني، وبين الجسد البشري والنفس البشرية. وكمثال عن الأخيرة، يشرح أنه طالما أن شرب الخمر يفسد الجسد والربا تفسد الروح، كلاهما إذاً محرمين بالشرع الديني. وبالنسبة لناصر خسرو فإن استقامة الشرع الديني تظهر في الاهتمام المتوازن بين جسد المؤمن وروحه. يمكن رؤية ’وجه الدين‘ في الحقيقة الجميلة التي ينبغي سترها وكذلك الستار السطحي ذاته الذي يخفي هذه الحقيقة الباطنية. وباختياره هذا العنوان، يلمح ناصر خسرو إلى الآية القرآنية .’كل شيء هالك إلا وجهه‘ (28/88)، ويعني بذلك أنه عندما تزول جميع الأشكال السطحية،لا يبقى سوى حقيقة الله.

وفي آخر كتبه الستة المحققة حتى الآن ،’زاد المسافرين‘22، يغطي ناصر خسرو تنوعاً موسعاً من المواضيع الطبيعية والماورائية كالمادة البسيطة، الأجسام، الحركة، الزمان، المكان، الخلق، العلة والتأثير، والثواب والعقاب. التزم بعنوان الكتاب مكرساً معظم النقاش حول النفس البشرية، أي، النفس التي تحج مسافر عبر هذا العالم الطبيعي إلى الخلاص في العالم الروحي. كما ويبحث في المادة الأساسية للنفس وأفعالها الجوهرية. ويخصص فصلاً كاملاً عن كيفية اتحاد النفس مع الجسد، وفصلاً آخر يشرح به لماذا هذا الإتحاد. وفي فصل آخر يصف كيف أن الأفراد يظهرون في العالم المادي ومن ثم كيف أنهم يفنون. وهنالك فصل يعالج تجربة السعادة والجنة. يشجب ناصر عقيدة ’التناسخ‘، ونظرية حلول النفس في أجساد بشرية مختلفة عبر الزمن. ويجادل في ضرورة الثواب في الجنة والعقاب في جهنم، أي، الحالة النهائية للنفس. ومن خلال النص يؤكد ناصر خسرو على أن أهم ما يتزود به المسافر في رحلته هو المعرفة والحكمة.

1. من أجل المزيد من الشرح ، انظر عمل أليس هانزبرجر، ’عجائب هذا العالم‘، في ناصر خسرو، ’ياقوتة بدخشان‘ (لندن،2000)، ص.33-48. وأيضاً يعتبر كتاب ناصر خسرو’رسالة دار بيان- شارع يوم القيامة‘أنه كتب أولاً باللغة العربية. انظر’بيبليوغرافيا الأدب الإسماعيلي‘، لإسماعيل ك. بوناوالا(ماليبو 1977)،ص. 123.

2. يأتي جزء من الالتباس حول تاريخ ميلاد خسرو من زمنين مختلفين وردا في قصيدتين. القصيدة ذات التاريخ الأسبق (‘لقد ولدت عام 357 [967م] في شهر ذي القعدة’) جاءت في نسخة تقوي من الديوان على أنها لا تنتمي إلى ناصر خسرو. وتضعها نسخة محقق في الملحق (ملحق،1، سطر56). والقصيدة ذات التاريخ اللاحق (‘بعد ثلاثمائة وأربع وتسعين سنة من الهجرة [1004م] وضعتني أمي في هذا السكن’) ظهرت في الديوان نسخة محاجج ، 247:27. فإذا اتبعنا التاريخ الأول فأنه كان في سن يزيد عن 120 سنة عند وفاته . بيد أن ناصر خسرو قد أعطى إشارات أخرى عن حياته. ومن أقواها ما ورد في ’سفرنامه‘ (ص.2) حيث يسأل نفسه السؤال الجوهري، ’متى تنوي أن تستيقظ من رقاد دام أربعين سنة؟‘ يقول لنا أن هذا كان في أواخر أشهر الخريف من عام 436/1045. لقد استقر توجهه إلى الله بعد ذلك ببضعة أسابيع في التاسع عشر من ديسمبر(كانون الأول) عام 1045، وكان يوما هاماً جداً بالنسبة له لذلك سجله في كلا التقويمين التقويم الإسلامي المعاصر له والتقويم الفارسي قبل الإسلام. ’يوم الخميس السادس من جمادى الثانية من العام 437، الذي يوافق بالاحتساب الفارسي منتصف شهر اليوم، آخر شهر قبل العام 414من الحقبة اليزدجردية، طهرت نفسي من رأسي إلى أخمص قدمي، وذهبت إلى المسجد، وصليت إلى الله ليعينني في تحقيق ما يجب أن أقوم به وفي الابتعاد عن كل ما حرمه‘. فلو سلمنا أن ناصر خسرو كان في الأربعين من عمره بدلاً من الثمانين عند اهتدائه وبداية رحلته، فهذا يؤدي إلى أن تاريخ مولده يكون أقرب إلى العام 394 من العام 357. وقد تثبت هذا التاريخ أيضاً في قصيدة أخرى، حيث كتب، ’اثنتان وأربعون سنة والقبة العلوية تمر فوقي عندما بدأت روحي الناطقة تبحث عن الحكمة‘. ومن بين كُتّاب السير، رضا قولي خان هدايات حيث يسجل التاريخ اللاحق 394/1004. وفي مقدمته الموسعة لنسخة 1925 من الديوان، ينتقد تقي زادة من يقبلون بتاريخ 357 ’لوقوعهم في خطأ الوزن الشعري‘. وهو يبين أن كلا التاريخين لهما نفس التفعيلات العروضية ونفس الوزن وهذا ما يستدعي الالتباس؛ بينما لا يعطي التاريخ الأسبق أي حس زمني. وبإتباع ذلك، لن يكون هناك مبرر لوجود تاريخين آخرين في الخمسينات بعد 300، أي عام 358 وعام 359. وهكذا يصبح التاريخ المقبول لولادة ناصر خسرو هو العام 394 حسب التقويم الإسلامي والعام 1004 الميلادي.

3. ناصر خسرو، ’سفرنامه‘، ترجمة ويلر ثاكستون، (الباني نيويورك،1986) ص.1. هذا الكتاب مع كل المراجع الخاصة بالسفرنامه الواردة في هذا النص هي من ترجمة ثاكستون الإنكليزية.

4. ناصر خسرو، ’جامع الحكمتين‘. نشر هـ. كوربن و م. معين (طهران وباريس، 1953) ص 307-8. العمل الأصلي لناصر خسرو، ’غرائب الحساب‘، مفقود الآن.

5. لقد بدأت مهمة التمييز بين الخصائص والوظائف النسبيتين للعقل والروح حسب ناصر خسرو في عمل أ. هانزبرجر، ’عقيدة ناصر خسرو في الروح: من العقل الكلي إلى العالم المادي في الفلسفة الإسماعيلية‘، رسالة دكتوراه، جامعة كولومبيا، 1992.

6. الديوان،103:26.

7. هنالك نسخة من ’سفرنامه‘ بالطباعة الحجرية صدرت في طهران عام 1314/1896، مع ديوانه الشعري. ومن الترجمات لم نحصل على نسخة عربية للسفرنامه حتى هذا القرن عندما قام يحيى الخشاب بإصدار ترجمته عام 1945 والطبعة الثانية عام 1970. وقد ظهرت ترجمة روسية عام 1933، تعكس اهتماماً قوياً بإعمال ناصر خسرو في مناطق معينة في الاتحاد السوفييتي سابقاً، لاسيما طاجيكستان. كما ظهرت النسخة الأوردية في فترة قصيرة بعد العام 1937 والتركية عام 1950. جاءت هذه الترجمات باللغات التي تتكلم بها دول متاخمة جغرافياً لإيران لحقيقة بعد نسخة 1881 والترجمة الفرنسية التي قام بها شارل شيفر. وبينما ترجمت نصوص قليلة في سورية وفلسطين إلى اللغة الإنكليزية بعد ذلك ببضعة سنوات (عام 1883) قام بها غاي لي سترينج، مر بعد ذلك قرن كامل من الزمن قبل أن تظهر الترجمة الإنكليزية الكاملة التي قام بها ويلر ثاكستون. وقد أنتجت نسخ أكاديمية للنص الفارسي ذاته أولاً من قبل شيفر مع ترجمته الآنفة الذكر، ثم في دلهي (1882) وبومباي (1892)؛ وقد تلا هذه نسخ من قبل باحثين إيرانيين هم زين العابدين الشريف الصفوي (1895)، و م. غني زادة (1922)، ومحمد دابر سياقي (1957)، ودابير سياقي (1976، طبعة ثانية) ونادر وصيبور (1972).

8. لقد تم تجميع ديوان ناصر خسرو أولاً بطبعة حجرية في تبريز عام 1280/1863 مع نسخة حجرية ثانية ظهرت عام 1314/1896 في طهران. وفي كلكوتا تم نشر بضعة قصائد لأغراض تعليمية في جامعة كلكوتا عام 1926، وثمة تقرير عن نسخة أخرى، غير مؤرخة، في الهند. (انظر مقدمة نسخة محقق للديوان من أجل المزيد من المعلومات) وفي القرن العشرين ظهر الديوان في نسختين أكاديميتين، كلاهما يرتكز على عدة مخطوطات أصلية. ظهرت الأولى بين 1925-28 من خلال التعاون الخلاق بين الحاج سيد نصر الله تقوي، وعلي أكبر ديه خودا، وسيد حسن تقي زادة و مجتبى المينوي، مستخدمين نسخة 1314/1894 كنص أساسي مع إدخال نسخ أخرى متداولة، إضافة إلى أشعار نسبت إلى ناصر خسرو في المختارات الأدبية. لقد كتب تقي زادة مقدمة معمقة تشمل سيرة الشاعر وتحليلاً لفكره، بينما أسهم مينوي بجزء من المصادر التي استخدمت من أجل النسخة. والنسخة الثانية نشرت عام 1974 من قبل مجتبى مينوي ومهدي محقق في طهران، تحت رعاية فرع طهران لمعهد الدراسات الإسلامية، جامعة ماكجيل، مونتريال. ومن أجل هذا التعهد الرئيسي، ضاعف المحررون عدد المخطوطات التي هي قيد المراجعة واستخدموا مصادر أقدم بكثير من تلك التي في حالة نسخة 1925-28، بما فيها أقدم نسخة كاملة للديوان وجدت حتى اليوم، وموضوعة في مكتبة شلبي عبد الله في تركيا ومؤرخة بعام 736/1335. وقد لاحظ المحررون وجود نسخة لفيلم مصغر (برقم 290) عن هذا المخطوط في المكتبة المركزية لجامعة طهران. والمخطوطات الأخرى التي يتم الرجوع إليها تشمل واحداً في مكتبة مكتب الهند في لندن، نسخت بين العامين 712 و 714 للهجرة في عهد سلطان خودابندا أولجايتو، وأخرى أعدت من أجل سلطان محمد فاتح الذي حكم عام855-886 للهجرة، إضافة إلى أناشيد فردية في بضعة مخطوطات أخرى. كلا النسختين تزودنا بمقدمات وبتفاصيل أكثر.

9. ب.ل. ولسون و ج. ر. عاواني، ترجمة، ناصر خسرو: أربعون قصيدة من الديوان (طهران، 1977).

10. آنيماري شيميل، ’اصنع درعاً من الحكمة‘ (لندن،1993).

11. مالك الشعرا باهار،’سبك شيناسي‘ (طهران، 1355/1976) مجاد 3 ص.188-9

12. السعادة نامه‘ لها نسختان أخريان لكل من فاغنان (1880،1882) و م. غني زادة اللذان أصدراها كمتممة لنسخة ’سفرنامه‘ في برلين،1922. ترجمة ج. م. ويكنز، ’إن "السعادة نامه" المنسوبة إلى ناصر خسرو‘،’الثقافة الإسلامية‘، 2 (1955) ص.117-32، تنسجم مع نسخة فاغنان النثرية الفرنسية وتصحح بعضاً من تعليقات ف. تيوفل في النسخة الألمانية. ويكنز أيضاً يتجاهل رأي الباحث الروسي بيرثل في العمل على أنه ‘ نوع من الدعاية الثورية الصريحة عن الإصلاح الزراعي.’

13. انظر ’بيبليوغرافيا الأدب الإسماعيلي‘، لإسماعيل ك. بوناوالا، ص123-5. إن الأعمال المفقودة التي أشار إليها ناصر خسرو بالذات هي: ’مفتاح‘؛ ’مصباح‘ (ربما كان هذان العملان في البداية عملاً واحداً)؛ ’دليل المتحيرين‘؛ ’بستان العقول‘؛ ’اختيار الإمام واختيار الإيمان‘؛ ’لسان العالم‘؛ ’عجائب الصنعة‘؛ ’غرائب الحساب وعجائب الحسَاب‘؛ ’دلائل‘؛ ’كتاب أنظار رضي مذهب محمد زكريا الرازي‘. بالإضافة إلى ذلك يصنف بوناوالا خمسة أعمال دون مرجعية: ’كنز الحقائق‘؛ ’الإكسير الأعظم في الحكمة‘؛ ’مصطفى دار فقه‘؛ ’الدستور الأعظم دار فقه‘؛ ’القانون الأعظم‘.

14. لقد نشر ’غوشايش‘ سعيد نفيسي عام 1950 وأعيد طبعه عام 1861 للجمعية الإسماعيلية، بومباي، وترجمه إلى الإيطالية بيو فيليباني-روكوني عام 1959. تكونت نسخة نفيسي من مخطوط وحيد يعود تاريخه إلى القرن الثامن/الرابع عشر من مجموعة سيد نصر الله تقاوي. كما إن هنالك نسخة جديدة وترجمة إنكليزية ترتكز على هذا المخطوط وآخر من مجموعة المرحوم مجتبى مينوي أنتجها فقير م. هونزاي بعنوان’العلم و التحرير‘ (لندن، 1988). لقد استخدمت نسخة هونزاي الفارسية مع ترجمتي الخاصة لهذا العمل

15. إن نسخة كوربن ومعين لكتاب ’جامع الحكمتين‘ والتي هي الوحيدة حتى هذا التاريخ، كانت قد اعتمدت على نسخة موجودة في المكتبة المركزية لجامعة طهران لمخطوط في مكتبة آيا صوفيا في اسطنبول. بالإضافة إلى النص ذاته فقد ضمَن المحررون مقدمة رائعة بالفرنسية تقدم الخلفية التاريخية والنظرية للعمل. لقد قامت إيزابيل دي غاستين بنشر ترجمة فرنسية للعمل كله: ’كتاب جامع الحكمتين‘ (باريس، 1990).

16. إن الأسئلة التي تثيرها قصيدة جورجاني قد ألهمت تعليقات أخرى،’ شرح القصيدة لأبي الهيثم الجورجاني‘، من قبل أحد تلامذة الجورجاني محمد بن صرخ النيسابوري. إن تعقيبات ناصر خسرو وتعقيبات النيسابوري قد تمت دراستها في ’تعليق على القصيدة الإسماعيلية لأبو هيثم الجورجاني‘، حرره هـ كوربن و م. معين في (طهران وباريس، 1955).

17. لقد تم تحقيق ’خوان الإخوان‘ مرتين، أولاً من قبل الباحث المصري يحيى الخشاب في القاهرة، 1940 ومن ثم من قبل أ . قويم في طهران، 1338/1959. لقد اعتمد الخشاب نسخته على المخطوط الأصلي في مجموعة آيا صوفيا. لقد افترض (بوناوالا، ’البيلوغرافيا‘، ص.435 (أنه من المحتمل أن يكون قويم قد اشتق نسخته من الخشاب بدلاً من الرجوع إلى المخطوط الأصلي.

18. انظر ’خوان الإخوان‘، الخشاب، ص.ix-x 28،85.

19. انظر بول ووكر ’ينابيع الحكمة‘، دراسة لكتاب الينابيع لأبي يعقوب السجستاني (سولت ليك سيتي، أوتاوا، 1994).

20. ’شيش فصل‘، حققه وترجمه و. إيفانوف من مخطوطين من قانجوت ، قد نشر كفصل سادس (شيش فصل) ، يدعى أيضاً ’روشانا نامه‘ (لايدن، 1949).

21. لقد استخدم كل من محمود غني زادة ومحمد القزويني مخطوطاً من لينينغراد (الآن بطرسبرغ) لتحضير نسختهما لكتاب ’وجه الدين‘ عام 1343/1924 في مطبعة كافياني في برلين. لقد أعيد إنتاج هذه النسخة في طهران عام 1348/1970 تحت رعاية ’المكتبة النقية‘. لكن النسخة النقدية الأولى تم إنتاجها عام 1398/1977 في طهران من قبل غيولياني رضا عافاني للأكاديمية الإمبريالية للفلسفة. توجد عدة مخطوطات ’لوجه الدين‘ في عدد من المكتبات في بطرسبرغ وطشقند ودوشانبي وطهران. فصل واحد قد ترجم إلى الروسية وقد حلله أ. سيرينوف (طشقند، 1926).

22. إن كتاب ’زاد المسافرين‘ أقدم أعمال ناصر خسرو حتى هذا التاريخ، حيث أن ناصر خسرو نفسه يخبرنا (ص.280من النسخة المطبوعة) أنه ألفه عام 453/1061.وقد حقق مرة واحدة حتى الآن، عام 1341/1923 من قبل محمد بادي الرحمن، ونشر في برلين بمطبعة كافياني. لقد ارتكزت هذه النسخة على مخطوطين، أحدهما من باريس والثاني من كامبريدج. ومخطوطات أخرى مسجلة في مكتبة بودليان (مع فيلم مصغر في المكتبة المركزية في جامعة طهران)، وفي مكتبة مشهد في مجموعة دار علي للمعرفة لعبد العظيم خان جورجاني، وفي مكتبة المجلس، طهران؛ والمكتبة المركزية لجامعة طهران تحتوي على فيلم مصغر عن مخطوط للطباطبائي. في روسيا راجعه سيمينوف في ’إيران‘ 1 (1927)، و ج. آشوروف كتب دراستين (كلاهما نشر في دوشانبي،1965) عن فلسفة ناصر خسرو المرتكزة على ’زاد المسافرين‘.

هذه نسخة محررة من مقال نشر في كتاب ’ناصر خسرو، ياقوتة بدخشان: لوحة شاعر وحّالة وفيلسوف فارسي‘ الصفحات 1-16، نشر من قبل إ. ب ﺗﻮرس ﺑﺎﻟﺘﻌﺎون ﻣﻊ ﻣﻌﻬﺪ اﻟﺪراﺳﺎت اﻹﺳﻤﺎﻋﻴﻠﻴﺔ 2000.

يعد ناصر خسرو من أبرز الشعراء باللغة الفارسية ومساهم رئيسي في الفكر الإسماعيلي، كان قد جذب انتباه المعجبين والنقاد وحرك مشاعرهم على حد سواء لما يقرب من ألف عام. اشتهر بشعر يمزج الفن بالفلسفة، ووُثِق بتفاصيل رحلاته عبر الشرق الأوسط، كما بُجّل وإنتقد لكتاباته اللاهوتية. يبقى ناصر خسرو...