التقوى

هذه نسخة منقحة عن المقالة التي نشرت أساساً في موسوعة الإسلام, ليدن, صفحة781 –785, تحقيق ب. بيرمن, ث. بينكويس, س. ي. بوسورث, ي. فان دونزل و و. ب. هينريتش.


Download PDF version of article


كلمات أساسية

التقوى, الخوف من الله, التدين، التعفّف, الإيمان, الحديث, الصوفية, القرآن, السورة, القلب, السّر, الورع, الخوف, المحاسبة, المراحل الروحية, المقامات, المتقون, الفناء, قبراوي.

 

جدول المحتويات

 


التقوى, مصطلح في الدين الإسلامي يدل على الصلاح والورع.

الاشتقاق وتسلسل المعاني


التقوى مصدر للفعل تَقَى "خشى أو خاف [ الله ]", إنه اشتقاق ثانوي من الفعل اتّقى على وزن (افْتَعَلَ) من الجذر الثلاثي وَ - قَ - ى بمعنى أن تخشى [ الله ], (انظر حول هذه الظاهرة, رايت, القواعد العربية, 1, 148 ريم. ب). فاشتقت الصفة تقي, وجمعها أتقياء, من ذات الصيغة الثانوية و تعني "خشية من الله ", في الحقيقة إنه مرادف لاسم الفاعل المتقي من الوزن (افتعل).


بالاعتماد على السياق, يتضمن مدلول المصطلح في الأدب الصوفي و الأدب الديني الإسلامي الكلاسيكي التدين, والخشوع, والصلاح, وخشية الله, والتعفف الدنيوي, والاستقامة. وكفكرة مثالية اجتماعية, فإن التقوى تتضمن الطاعة والإخلاس الإيماني, وهو المعنى الذي طُرح في معظم الأفكار الأخلاقية الإسلامية المتأخرة. فعلى سبيل المثال, تضمن شعر لبيد (المتوفى عام 40 هـ/ 660م) المعنى الاجتماعي للتقوى كسلوك أخلاقي أو كإطاعة مشفوعة بالاحترام للقبيلة أو للأقرباء مدمجةً بالمثال الأعلى الديني القرآني "الخوف من الله", لذلك فإن "مفاهيم علاقة الاحترام" بين أعضاء القبيلة والسلوك الإجلالي نحو الله تبدو علاقة تبادلية وتماثلية (م.م. برافمان, الخلفية الروحية للإسلام المبكر, ليدن 1972,ص 117), ولكن الربط بين المعاني الروحية والاجتماعية للتقوى لم تعد الآن ذات بال.


إن القواميس الفارسية (مثل مقارنة الإشارات، ولغة نامة حول مفردة تقوى) تترجم كمرادف لكلمة تَرْسيدن الفارسية وتعني (الخوف) و بارهيزجاري (التعفف), وبدقة إن نفس معاني كلمة التقوى موجودة في اللاهوت الصوفي للإسلام المبكر. توجد في اللغة الانكليزية ترجمات متنوعة تقارب الروح الإسلامية للتقوى على أنها "الخوف الورع من الله", و"الصلاح في خشية الله", و "التدين الولائي, و "الخوف المقدس", ويفترض وليم شيتك ترجمة "حذر من الله", وهو تعبير جديد, "يجعل التقوى الموجهة لله الجلي, كما يدعي تعبير عن معنى الإدراك و العقل, و تتجنب المعاني العاطفية و السلبية للكلمات من مثل "التقوى" و"الطاعة" و"الاستقامة" ..."(الإيمان والممارسة في الإسلام. ثلاثة نصوص صوفية من القرن الثالث عشر، الباني 1992, ص 12).


في الحقيقة, تتساوى التقوى في عدة اعتبارات مع نوع من المفهوم الديني البروتستانتي بشكل خاص، حيث أن الأهمية الروحية التي وصلت تماماً من قبل / الناسك الصوفي الانجليكاني وليام لو (1686-1761) في كتابه الدعوة الجدية لحياة قدسية وقنوتية, تحقيق ب. ستانوود, لندن 1978, حيث يستخلص أن "القنوت الحقيقي" هو الذي يتطلب أن "نعيش كحجاج في المشاهدة الروحية والخوف المقدس والتطلع السماوي بعد حياة أخرى" في مقطع(31), و في مقطع آخر (256), يصر أن "نفعل كل شيْ ضمن الخوف منه و نمتنع عن عمل كل شيء ليس حسب إرادته". وكمفهوم ديني في الإسلام, فالتقوى, كما سترى فيما بعد, لها رنين إسلامي زائد ومحدد.


إن مبدأي وليام لو في "الخوف من الله" و "التعفف" عن كل الأمور غير الصالحة, يوجدان في الحقيقة, في العمل المبكر حول الصوفية في بلاد فارس: شرح لأبي إبراهيم مستاملي بخارى (المتوفى 434هـ/1042-1043م), حيث وصفت التقوى بمبدأين: "الخوف و التعفف. وهكذا تتمثل حالة التقوى للمتعبد القانت نحو الله بإحساسين: إما (الخوف) من العقاب أو الخوف من (الفراق)." تُوَلّد حالة الخوف مراعاة أوامر الله, بينما يعني "الخوف من الفراق" أن "القانت لا يرضى بشيء أقل من الله, و لا يجد طمأنينة شيء غيره (من الخلاصة المجهولة لشرح التعرف، , تحقيق أ. رجا, طهران 1349هـ/1970م, 294, وهي خلاصة لهذا العمل في القرن 8/14). وبتعريف يكاد يكون مماثلاً للأستاذ القبراوي الكبير محمد لاهيجي (المتوفى 912هـ/1507م) في مفاتيح الإعجاز في شرح القلشان راز, تحقيق محمد رضا برزكار خالقي و عفت كرباصي, طهران 1371هـ/1992م, حتى 250, توصف التقوى بأنها "الخوف من الله بخصوص العواقب النهائية لأمور شخص ما, أو خوف آخر من (النفس) العاطفية مخافة أن تلعب دور اللص, رامية الشخص إلى هلاك الفراق و أن يكون محجوباً عن الله". وبعد قرن من التأمل الصوفي- من بخاري إلى لاهيدجي- يبقى أساسا التقوى: الخوف والتعفف, صحيحين بشكل كامل. نصف


التقوى في القرآن و الحديث


بشكل عام في الاستعمال اللغوي القرآني, تدل الفضيلة الأخلاقية للتقوى على الورع، والتعفف والطاعة خوفاً من الله, حيث تبرز فكرة الإيمان المفعم بالأعمال, والأعمال التي تثيرها التجربة الصادقة للإيمان, وباختصار, إن التقوى هي المادة لكل مظاهر التدين. تعتبر التقوى من أكثر المفاهيم الدينية ذكراً في القرآن, دخلت إلى عالم الإسلام عندما ظهر الملاك جبرائيل على النبي لأول مرة. سئل النبي محمد في هذه السورة الباكرة "أرأيت الذي ينهي عبداً إذا صلى. أرأيت إن كان على الهدى. أو أمر (بالتقوى)."96: 9-12، الآيات الخمسة الأولى التي نزلت على النبي في غار حراء قرب مكة. ويظهر مرة ثانية تلميح للتقوى في الآية الثانية للسورة الأولى التي نزلت في المدينة (2:2), حيث وصف القرآن على أنه "ذلك الكتاب لا ريب فيه (هدى للمتقين)". وفي 49: 10، وصف المؤمنون بأنهم: "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخوتكم واتقوا الله لعلكم ترحمون" فهم مأمورون بتأسيس السلام الأخوي فيما بينهم أنفسهم. وكرست آية أخرى (9: 123) موضوع القسوة على أعداء الإسلام, وتؤكد للمؤمنين أن "الله مع الأتقياء الذين يخشون الله واعلموا أن الله (مع المتقين)". هذه الآية الأخيرة يمكن أن تقارن مع الحديث الذي يضع التقوى "كحصيلة لكل الخير إلى جانب الجهاد الذي وصف "على أنه انقطاع (المسلمين) لله" (القشيري, الرسالة, تحقيق. معروف ظريف وعلي عبد الحميد البلطانجي, بيروت 1990, 105).


أخيراً, تساعد التقوى على الخلاص في كل من هذا العالم و العالم الآخر, فبالتقوى "لينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسّهم السوء ولاهم يحزنون" (39: 61) وقد تكررت الفكرة أيضاً في (101: 62-63), بينما أولئك المتقون وسبق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة" (39: 73). إن الجامع الحقيقي يجب أن "يبنى على أساس التقوى" (9: 108-109) إذا أريد له أن يكون مقدساً لذلك (صدى لوك, ... 47). ظهر معنى التقوى في التفسير المبكر للقرآن لمقاتل بن سليمان (المتوفى 150هـ/767م) حيث اعتبرت التقوى " كمرادف للإخلاص, الإخلاص الصافي, [و] ترجم الاتقاء على أنه تَرَكَ بمعنى "أمتنع" عما هو شر, مثل المعصية أو (الشرك)" (ب نوايا، التفسير القرآني واللغة الباطنية. بيروت 1990، ص 59.


بينما تعتبر التقوى, بشكل خاص, المقياس الكلي والمعيار النهائي للحياة الدينية المخلصة للمسلم المؤمن الذي يفرض عليه "تجنب الشك" واللجوء إلى تقوى الله),(90: 12 وكذلك 2: 41)، تظهر التقوى بمعنى عام أكثر على أنها ميزة عامة جامعة لرجل الإيمان أينما كان، بغض النظر عن التقسيمات الطائفية و الاختلافات السياسية المعتمدة على الأساس العرقي و القومي كما في الآية: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى, و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (49: 13). وفي مراجعة السلمي ككتاب التفسير القرآني المنسوب للإمام جعفر الصادق (المتوفى 148هـ/765م) (تحقيق نويا، في (م يو س ج) 43، 4 (1967)، 181-230), يشرح الإمام الآية كالتالي (221): "الشخص الكريم هو, في الحقيقة, من يخشى الله بورع (المتقي), ومن يخشى الله اتقاءً هو من يسخر كل جهده كي يعمل لوجه الله.


تظهر فكرة التقوى في شكلها الإسلامي في قول النبي: "الإيمان عريان و لباسه التقوى"، (روي من قبل عين القضاة الهمداني, تمهيدات, تحقيق أ. عسيران, طهران 1962, ص 325). من كل هذه التقاليد, من الواضح أن التقوى, كمفهوم ديني, ظهرت لتمثل رداء الإيمان الإسلامي, بالإضافة إلى أنها تجسد الأثواب الحقيقية التي تستر المقدس الظاهر من داخل الثقافات و الأديان المتنوعة.


التقوى والإيمان


اعتبرت التقوى كعنصر أساسي للبعد الداخلي لفعل الإيمان, الإيمان "عن علم" "الإيمان المستنير", (انظر ل. كاردت, الإيمان, المجلد 3, 1173). قال النبي: "التسليم ظاهر والإيمان في القلب". ثم, أشار إلى صدره ثلاث مرات, مكرراً, التقوى هنا, التقوى هنا. (ابن حنبل و أحمد بن ماجه، ذكره سي. إيرنست, كلمات النشوة في الصوفية, ألباني 1985, 56).


وكعنصر للإيمان, تسد التقوى الحالة التأملية و الباطنية الصافية للقلب أكثر من مجرد ممارسة الشعائر الظاهرية, إن المعنى الداخلي للإيمان نفسه يبدو، في الحقيقة, في الآية 22: 33 التي تتعلق بالممارسات المادية المجردة مثل التضحية بالحيوانات لإطعام الفقراء, وهو جزء من طقس شعائر الحج للمسلمين, يؤكد أنه "لن ينال اله لحومهم ولا دماؤهم لكن يناله التقوى منكم". لاحظ الغزالي في شرحه لهذه الآية في كتابه الإحياء, "إن المتعود بالتقوى هنا أنها ميزة تعلم التحكم بالقلب, تنظمه ليستجيب للأوامر المطلوب إطاعتها" (الغزالي. الأبعاد الداخلية للعبادة الإسلامية, ترجمة. مختار هولاند, أعيدت طباعته في لندن 1992, 35). وبالفعل , أشار ابن العربي (المتوفى 638هـ/1240م), في تأويله للإشارة الدينية إلى تقوى القلوب في السورة نفسها (22:32)، إلى أنه مادام القلب الإنساني في تقلب مستمر في كل تنفس, لذلك يجب أن تفهم التقوى الصحيحة على أنها نوع من "الإدراك الحذر التقي لله مع كل تنفس, وهو العناية القرآنية التي يرغبها الله من الإنسان" (الفتوحات المكية, القاهرة 1911, أعيدت طباعته في بيروت ن. د. ي ي, 762, 29-37), قارن بتعريف وترجمة تشيتيك للتقوى المذكورة في أعلاه. اعتبرت التقوى أحياناً البرهان السامي على اليقين. لاحظ أبو بكر الوراق (المتوفى 294هـ/906-7م), وهو صوفي خرساني, تقدم أن "اليقين هو النور الذي بواسطته تستنير الحالة الروحية للقانت. وبعد أن يرب مثل هذه الاستنارة يصبح قادراً على بلوغ درجة المتقين" (العطار, تذكرة الأولياء, تحقيق م. إستعلامي, طهران 1372هـ/1993م, 538). وذكر باذي (المتوفى 380هـ/990م), في كتابه التعرف القاهرة 1933، 69 في توضيحه للطبيعة الباطنية للتقوى في الحياة الروحية, يذكر تعبير سهل التوستري (المتوفى 283هـ/896م), وهو مؤلف أحد أقدم تفاسير القرآن الصوفية, إذ يقول: "التقوى هي أن يتأمل الإنسان الحالات الغامضة في النطاق (عن كل شيء إلا الله)".


مثل هذه الرؤية الداخلية المتطرفة, التي تظهر التقوى على أنها روح الإيمان- لم يفهما دائماً بالطبع جمهور "العلماء" المعتقدون بالظاهر . على سبيل المثال، ابن تيمية, خصم صوفية ابن العربي و الفلسفة الكلامية المدرسية, في كتابه ك. الإيمان يفسر التقوى بأحلى معانيها الظاهرية, معتبراً الإيمان والبرّ والتقوى مترادفاًت عندما تستخدم بعناها "المطلق" في القرآن مثلاً في السورة 2: 177، الجزء الثاني), معتقداً أن المؤمنين يساوون المتقين، الذين هم بدورهم, متطابقون مع الأبرار (ت. إزوتسو, مفهوم الإيمان في العلم الإلهي الإسلامي, أعاد طباعته سالم, ن. هـ. 1988, 72-4).


العلم الإلهي الباطني للتقوى


التقوى كتعفف


في العلم الديني الباطني للإسلام, إن الفكرة العامة للتقوى هي الخشية القدسية, الحذر التقوى والخوف المتعفف لعواطف الشخص, وبكلمة أخرى, خشية القلب من الله الموجود في الحياة التأملية للروح (قارن كتاب الشريف الجورجاني، التعرفة, تحقيق أي. الأبياري, بيروت 1985, 90). تقول حكمة سهل التستري: "لا يوجد معين غير الله, و لا مرشد غير النبي. لا سند روحياً غير التقوى, ولا عمل آخر خير من الصبر", واقتبسها القشيري في كتابه، الرسالة (105), مصرحاً أن التقوى هي الدعامة الأساسية، إن لم تكن الدعم الوحيد, للممارسة الروحية الصوفية. وتستلزم التقوى, في شكلها الكامل, الانقطاع عن كل شيء إلا الله, لأنه حسب ابن خفيف (المتوفى 371هـ/981م), "التقوى هي أن تبعد نفسك عن كل شيء يبعدك عن الله" (العطار, التذكرة, 578). وجدت فكرة "التقوى كتقشف" أيضاً في حكمة التستري: "من يرغب في إكمال تقواه, فأعلمه أن يمسك عن كل الخطايا" (العطار, في عمله،الرعية، 313).


التقوى كتعفف في القلب


إن الحالة الباطنية التأملية للتقوى, مع مفهوم "التقوى كتعفف في القلب" عن كل شيء إلا الله, يلخصه في أحد التعريفات المبكرة للمصطلح الذي يعرضه الإمام جعفر الصادق بأنه "لأولئك الذين يجتازون الطريق الروحي (أهل السلوك), التقوى هي أن لا تجد داخل قلبك إلا الله" (الطحناوي, كشاف اصطلاحات الفنون. وهو قاموس مصطلحات التقنية المستخدمة في علوم المسلمين, كلكوتا, 1862, ج2، 1527). وأبو سعيد الخراز (المتوفى 277هـ/890م أو 286هـ/899م), وهو صوفي هام في المدرسة البغداد, في كتابه. الحقائق، المكرس لمفردات التجربة الباطنية الصوفية على المستويين من التعبير العقلي (العبارة) والتلميح الباطني (الإشارة), يربط الرؤية الباطنية للتقوى مع الفهم القرآني التقليدي للمصطلح في تعبيره أن التقوى "هي أن تمتلك قلباً حذراً لا يتبع العواطف, وهو الروح التي تصون نفسها ضد فرص الخطأ والمعصية" (ذكره نويا, التفسير القرآني واللغة الباطنية، 289). عضو مرشد آخر من المدرسة الصوفية في بغداد, أبو الحسين النوري (المتوفى 295هـ/907م), في الفصل الأول لكتابه مقامات القلوب, اكتشفه وحققه نويا نصوص باطنية مخطوطات لم تطبع، ج9 (1968)، 132، في المقطع المخصص "لنوعية بيت قلب المؤمن المخلص" يذكر التقوى على أنها نور الصلاح, روح الأخلاق الصوفية, من أجل "نور التقوى" التأمل الذي ينير كلاً من الإيمان والأعمال.


هذا المفهوم الباطني لتقوى القلب يختفي قليلاً أو كثيراً ولكنه لم يغيب تماماً من مرادفات الصوفية بعد القرن 5هـ/11م. هكذا كتب روزبهان باقلي (ت. 606هـ/1209م) في كتابه مشرب الأرواح أن "أصل تقوى الخوف من الله هو انفصال الوعي الأعمق للشخص (السرّ) عن كل شئ إلا الله, سواء في المجالين المادي و الروحي, أثناء التأمل في براهين رموز وإشاعات الجوهر الإلهي. وبهذه الطريقة, يذوب الوعي الأعمق للشخص أمام سطوة عظمة التجلي لأنوار ما بعد الخلود. وذلك هو المعنى الباطني لقول النبي: الإيمان عريان والتقوى رداؤه" (تحقيق ن.م. هوكا, اسطنبول 1973, 30).


التقوى في المراحل الروحية للصوفية


ظهرت التقوى بانتظام من أواخر القرن 3هـ/9م إلى القرن 5هـ/11م في التصنيفات المخصصة للمعاملات الروحية (المعاملات) أو الفضائل الخلقية (الأخلاق) في الرحلة الروحية الصوفية, لكونها قريبة جداً من المفاهيم المتشابهة (للخوف) و(الزهد)، و(الورع). وقد عرض الحارث اقترح الحارث المحاسبي (ت. 243هـ/857م) في كتابه. الرعاية أن كل مفاهيم التقوى تشتق في الخوف والرهبة من الله العلي القدير. وحسب قوله إن "الإطاعة [لأوامر الله و تحريماته] هي الطريق للنجاة, وأن المعرفة هي الدليل لهذا الطريق, وأساس الإطاعة هو (الورع), وأن أساس الورع هو التقوى, و أساس ذلك هو (محاسبة) النفس, وتعتمد محاسبة النفس على (الخوف) و(الرجاء)" (مارغريت سميث, المحاسبي, الباطنية المبكرة في بغداد, كامبردج 1935, 89, 112). فإذا ظهرت التقوى في هذا الوصف على أنها جوهر العلم الإلهي الزهدي فإن التركيز على (التقوى) هو ما ألح عليه مؤخراً في الكتاب نفسه: "أيها الأخوة, لتكن التقوى اهتمامكم الأساسي, لأنها دعامتكم الأساسية, والنوافل التي تتمثل فيها فائدتكم" (المرجع السابق, 129), وللمقارنة، أيضاً ماسينيون، مقاله في أصول المعجم التقني للباطنية الإسلامية. باريس 1928، 149.


كان تركيز المحاسبي على التقوى كتوجه إلهي في الباطنية الإسلامية المبكرة مدمجاً بالمفهوم المنهجي الصوفي للمراحل الروحية (المقامات) في رسالة القشيري (91-140), حيث وضعت التقوى رابعاً ضمن المقامات الروحية العشرة الأولى, حسب التسلسل التالي: [1] (التوبة) ــــ (المجاهدة) ــــ (الخلوة, العزلة) ــــ (التقوى) ــــ (الورع) ــــ (الزهد) ــــ (الصمت) ــــ (الخوف) ــــ (الرجاء) ــــ (الحزن). وعلى الرغم من تصنيف القشيري التقليدي للتقوى بين المراحل الروحية الأولية للطريق, بدا المصطلح و كأنه خارج الاستخدام لدى بعض المؤلفين الكلاسيكيين المتأخر الذين كتبوا عن المقامات. وهكذا, لم يوجد أي ذكر للتقوى (كمرحلة أو كمصطلح تقني) في فهرس نيكولسون للمصطلحات التقنية في تحقيقه النقدي لكتاب السراج (ت. 378هـ/996م). اللُمع, و لا في كتاب أبي طالب المكي (ت. 386هـ/996م) قوت القلوب, و لا في كتاب أبي عبد الرحمن السلمي (ت. 412هـ/1021م) طبقات الصوفية, و لا في كتاب عبد الله الأنصاري من هرات (ت. 481هـ/1089م) وهو عبارة عن كتيب تعليمي حول درجات الصوفيين السائرين، ولا حتى في كتاب أبي منصور الأصفهاني (ت. 417هـ/1026م) نهج الخاص, الذي كان له تأثير كبير على نظرية الأنصاري في المراحل الباطنية.


إن الفكرة الأولى المبكرة للمكان الأساسي للتقوى في علم اللاهوت الزهدي الإسلامي عاودت ظهورها أحياناً في الأعمال الأخيرة, لاسيما تلك التي كتبت باللغة الفارسية. وضع سعد ميدان في بحثه ("المجلدات المئة", في منازل السائرين, 299-300), الذي كرسه الأنصاري أيضاً مراحل الباطنية, وضع التقوى في المرحلة السادسة عشر, نتيجة لمجال (الورع), كما في الترتيب التالي: [11] (المحاسبة) ــــ (اليقظة) ــــ (الزهد) ــــ (التجريد) ــــ (الورع) ــــ (التقوى) ـــــ (المعاملات) ــــ (المبالاة) ــــ (اليقين) ــــ [20] (البصيرة). وقد وصف مجال التقوى (16) كالتالي:


"إن الذين يخافون الله مع تقوى صحيحة (المتقين) ثلاثة أنواع من الرجال: الأقل , والوسط, والأفضل".


"إن من يمتلك الدرجة الأدنى (من التقوى) لا يُفسد إيمانه بالتوحد الإلهي بأن الشريك مع الله أحداً (الشرك)، لولا يقلل من (إخلاصه) بالنفاق، أو يفسد عبادته(بالبدعة)".


"ومن يمتلك الدرجة الوسطى لا يفسد معروفه (الخدمة) بإظهار (الرياء), أو يغش قوته بطعام من طبيعة شكوك بها, أو يدع حالته الباطنية (الحال) تفسد نتيجة الغفلة".


"ومن يمتلك الدرجة الأعلى لا يلطخ شكره بالشكوى, أو يقلل من شأن خطاياه بالجدل [حول براءته]، أو يمسك عن الامتنان لله لنعمه عليه".


نادراً ما ظهرت التقوى كمصطلح تقني أساسي أو كمرحلة روحية في أي من النصوص الصوفية الكلاسيكية المتأخرة- إلا أنها ذكرت ضمن مجموعة هامة من آداب المريدين (تحقيق م.م. هراوي, النص العربي مع الترجمة الفارسية، طهران 1363هـ/1984م) لأبي النجيب السهروردي (ت. 563هـ/1168م), ومصباح الهداية ومفتاح الكفاية (تحقيق جلال الدين حموي, طبعة ثانية. طهران 1325هـ/1946م) لعز الدين محمود كلشاني (ت. 735 هـ/ 1335 م) بل إنها كانت غائبة عن عمل شهاب الدين أبي حفص عمر السهروردي (ت. 632هـ/1234م) عوارف المعرفة, الذي صاغ النموذج الحرفي لكتاب الكلشاني, وأصبح فيما بعد الكتيب المشهور للصوفية في شبه القارة الهندية.


أينما يظهر المصطلح في الأعمال الأخيرة فإنه يعتبر النتيجة الضرورية للورع أو الزهد. على سبيل المثال, كتاب سعيد الدين الفرغاني (ت. 699هـ/1300م) مشارق البراري. وشرح التائية لابن فريد (تحقيق جلال الدين أشتياني, طهران 1979, 150-1), وضعت التقوى ضمن المراحل التي تنتمي إلى أول مرحلة من المراحل الثلاث المتصاعدة نحو (الفناء). تستلزم الدرجة الأولى للفناء الإلغاء بواسطة "الابتعاد و إدراك المراحل الروحية, المواقف الباطنية مثل (التوبة), و(المحاسبة), و(المراقبة), و(المجاهدة), و(الإخلاص), و(التقوى), و(الورع), و(الزهد), و درجات أخرى مشابهة...". وكما في خطة القشيري, يضع تصنيف الفرغاني التقوى بين تلك الفضائل التي يجب أن تصارع لتدرك وتفهم بإرادة الشخص الذاتية؛ لأن الطموح يبقى مقيداً بروابط الشخصية الأنانية, والتقوى هي السكين التي تقطع "الأنا/ الفردية".


ظهرت فضيلة التقوى بشكل أساسي, في كتابات الباطنية الفارسية لمدرسة القبراوي. وفي مفاهيمه البارزة للعقيدة الصوفية, فكتاب مرشد العباد (تحقيق م.أ. رياحي, طهران 1352هـ/1973م, 257-60), يضع نجم الدين الرازي (ت. 654هـ/1256م) نيفاً وعشرين (صفة) مع السمات التي يجب أن تميز المريد، وذلك التي حددت في الفصل المخصص "للأحوال, والسلوك ونوعية المريد", وهنا تظهر التقوى خامساً في كناية السلوك؛ كما يظهر تصور مشابه لمكانة التقوى في الأخلاق الصوفية في الكتاب الثالث من كشف الحقائق (تحقيق أحمد دمغاني, طهران 1359/1980, 131-2)- سر في أحوال عبور (السلوك) الطريق الباطني" – فالبسنبة لزميل الرازي كبراوي شيخ عزيز نصفي (ت. بين 1281-1300). وكما في حكم القديس بيندكيت, للباطنية الفارسية لطريقة كبراوي, ظهرت التقوى على أنها الفضيلة الأساسية في الأخلاق العملية ضمن علاقة السيد بالمريد, لذلك فإن الولاء الديني لا يمكن تمييزه عن الطاعة العمياء لرئيس الطريقة.


تضاؤل شأن التقوى في صوفية القرون الوسطى


في القرون الوسطى, تقدمت علاقة السيد بالمريد ودور السيد في الممارسة الروحية, وبشكل خاص, الحاجة إلى مريد مبتدئ يرشده السيد المستنير لتكون في مقدمة النظرية الصوفية والممارسة, ولتحل محل الإلحاح السابق على أخلاق التقوى باعتبارها أساس الروحانية و العبادة الولائية في الإسلام. قال جلال الدين الرومي إن "امتلاك المعرفة الباطنية هو روح (الشرع) والتقوى، وأن المعرفة الروحية هي ثمرة الجهد الزهدي السابق ... وهي (الروحية) كل من الأمر بالاستقامة والاستقامة بحد ذاتها, هو الشارح واللغز "(مثنوي, تحقيق وترجمة نيكولسون, المجلد الأول والخامس، 2090-2093). إن إعادة توجيه هذه للتقوى الإسلامية باتجاه تربية (الإنسان الكامل), والتركيز عليه, مع التقليل المتعاقب من شأن حذر الزاهد الخاص, يُرى في أفكار معظم الشعراء الصوفيين أثناء مرحلة المغول. أحد هؤلاء الشعراء, محمود شابيستاري, يصف في قصيدته كلشان راز الإنسان الكامل "بالموهوب بما يستحق من صفات المدح, والمكرم لأجل (العلم), و(الزهد), و(التقوى) (مجموع الآثار- شيخ محمود شابيستاري, تحقيق صمد موحد, طهران 1365هـ/1986م, المجلد الخامس 351), مهملاً أن تكون التقوى أولية كما فعل سادة مدرسة بغداد الكلاسيكية. لكنها ليست مبدأ غير هام في النظام الأخلاقي الصوفي. ومع ذلك, حصل اختلاف ملحوظ في إبراز الفكرة، لذلك فالإنسان الكامل هو مصدر التقوى أكثر من كون التقوى تابعة الروحانية الفردية. أخيراً, يمكن أن يقرر الإنسان الكامل أن يستغني عن كل الخوف التقي أيضاً, بما أنه "حر من روابط السيد والتابع, بعيداً عن (الزهد) وعن كل قصص التقوى الخيالية". (المرجع نفسه, 862).


ظهر في أعمال سعدي وحافظ, الشاعرين الصوفيين الفارسيين العظيمين, نوع آخر من عدم التركيز على التقوى الفردية, حيث شوهت التقوى بأنها نوع من الحالة الروحية المميزة لذوي القلب البارد من (للزاهد) والواعظين الشكليين. "أينما ظهر سلطان الحب, لا يترك قوة في ذراع التقوى", هكذا يؤكد سعدي في غولِستان (تحقيق خ. خطيب- رهبار, طهران 1348/1969, 337), وفي قصيدة التغزلان قال: "قف على قدميك, عندئذٍ نستطيع أن نضع جانباً هذه العباءة الزرقاء [الصوفية]/ ارم إلى رياح التناقض هذه الوثنية التي تحمل اسم التقوى (شرك – تقوى- نمرا)" (غزالة سعدي, تحقيق ن. إيزادباراست, طهران 1362/1983, 23). من المحتمل أن سعدي عرف فكرة القشيري أن "جذر التقوى هو الخوف من كل الإشراك الوثني (الشرك)" (الرسالة, 105), و في هذا المقطع الشعري لا شك أنه يرغب في نقد جوهر الوعي الذاتي حيث أن التقوى غالباً ما تنشأ لدى الخبراء الأقل إخلاصاً، باعثاً من جديد المفهوم الكلاسيكي للتقوى الذي كان قد أقر بالحاجة لتطوير بحث مستفيض لمحي قادر على التعبير عن الألطاف الداخلية لمثاليته (ابو بكر الواسطي, ت. 320هـ/931م, عضو مدرسة بغداد, يقول: "التقوى هي أن تمتنع عن تقواك الذاتية (الاسترسال الذاتي)", ذكرها في العطار, تذكرة, 754).


إن أفضل ما عبر في الشعر عن هذا المفهوم المناقض للمثالية الكلاسيكية للتقوى في الإسلام- المعبر عنه, لتجنب التحول المادية الميتافيزيقية- في الرغبة لتجاوز الانقسام بين التقوى/ والمعصية، التدين/ والإلحاد (فهم تأكد الإسلام والتقوى على أنه شكل لطيف من رسم حدودية وثنية العقيدة الدنيوية بدلاً من عبادة المطلق), هو حافظ , كما في الأسطر التالية:


إن من الجحود الكامل في الطريق للصوفية


أن تضع ثقتك في المعرفة و التقوى


ومع أن الحاج يتباهى بمئة من الفنون


فبمثل ذلك، يجب أن يمتلك الثقة.


(ديوان, تحقيق خانلاري, الطبعة الثانية. طهران 1362هـ/1983م, 559).


وفي مكان آخر يسأل: "أي علاقة يمتلكها الفسوق (رندي) مع الطهارة و(التقوى)؟ / ما أوسع الهوة بين العظة الدينية للكاهن ونغم الربابة!" (ديوان, 20). في مكان آخر, يفتخر, "لقد شردت عن طريق التقوى لعدة ليالٍ (راح التقوى) مع القيثارة والدف يقول: سأضع قدمي على السراط الضيق والمستقيم – وهذا بالحقيقة شائعة محتملة" (المرجع نفسه, 324, رقم 154 ل. 2), رافضاً أن يلطخ شرف عباءة الدرويش من خلال اتباع الطقوس السائرة للوصول للتقوى الخاضعة للشروط. وبالفعل, إن فسوق حافظ يبدو صرخة بعيدة عن الأشجان العاطفي الديني لأبي الدرداء (ت. 32هـ/652-3م), الرفيق المشهور للنبي الذي يجله الصوفيون الأوائل, الذين طالبوا بالتقوى المفضلة لأكثر من أربعين عاماً من العبادة و المشاهدة (العبادة) (ماسينيون, مقالة, 158).


وصلت المثاليات الصارمة للتقوى الإسلامية المبكرة مع حافظ و أتباعه إلى العتبة الأخلاقية و القمة الميتافيزيقية, كرحلة من المفهوم الديني القرآني إلى المثالية العقيدية الزاهدة المعتمدة على الخشية والورع، وإلى الفكرة الصوفية الباطنية للتقوى كإيمان في القلب, يتناهى إلى تورية التناقض الظاهري الذي يبدد الحاجة الباطنية لميزان الكمال الذاتي عبر السلبية.