مقدمة لأساطير الحشاشين

كلمات أساسية


خرافات الحشاشين، الدراسات الإسماعيلية، النزاريون، الإسماعيليون، آلموت، حسن الصباح، الصليبيون، شيخ الجبل، تاريخ، فارس، حشاشين.


قائمة المحتويات



كيف بدأت الحكاية؟


إن القراء الغربيين لمقدمة إدوارد فيتز جيرالد والتي هي ترجمة إنكليزية لرباعيات عمر الخيام سيكونون مطلعين على "حكاية رفاق الدراسة الثلاثة". وفي هذه الحكاية، ارتبط الشاعر الفلكي الفارسي عمر الخيام بالوزير السلجوقي نظام الملك وحسن الصباح، مؤسس ما يسمى "بفرقة الحشاشين". وكان أبطال هذه الحكاية الفرس المشهورون، وفقاً لهذا الزعم، زملاء دراسة في صباهم على يدي ذات المعلم في نيسابور وقد تعاهدوا فيما بينهم على أن يقوم من يحقق نجاحاً منهم في هذه الدنيا بمساعدة الاثنين الآخرين وكان نظام الملك أول من حصل على رتبة وسلطة عندما أصبح وزيراً للسلطان السلجوقي، قد وفّى بعهده بأن منح عمر الخيام راتباً منتظماً وأعطى حسن منصباً رفيعاً في الحكومة السلجوقية. غير أن حسن لم يلبث أن أصبح منافساً لنظام الملك، الذي نجح بالنتيجة، عن طريق الخدعة في تعرية حسن وفضحه أمام السلطان السلجوقي. وأقسم حسن على الانتقام، وغادر إلى مصر، حيث تعلم أسرار المعتقد الإسماعيلي، وعاد فما بعد إلى بلاد فارس ليؤسس فرقة أرهبت السلاجقة باغتيالاتها. وأصبح نظام الملك أول ضحية للاغتيالات التي أشرف عليها حسن الصباح. تلك هي إذن أحدى الخرافات الشرقية التي ارتبطت بالإسماعيليين النزاريين، الذين عرفوا لأوروبة العصر الوسيط باسم "الحشاشين".


وفي الغرب أيضاً أصبح النزاريون موضوعاً للعديد من الخرافات منذ القرن الثاني عشر. وكان أول اتصال بين الأوربيين، أو الفرنجة اللاتين، الذين كانوا حينئذ منغمسين في الحركة الصليبية لتحرير الأرض المقدسة، وبين أعضاء هذه الجماعة الشيعية المسلمة قد وقع في سورية إبان السنوات المبكرة من القرن الثاني عشر.


ففي ذلك الوقت، كان الإسماعيليون النزاريون قد نجحوا للتو بزعامة حسن الصباح المهيب في تأسيس دولة إقليمية خاصة بهم راحت تتحدى هيمنة الأتراك السلاجقة على الأراضي الإسلامية كما أن الإسماعيليين النزاريين السوريين أصبحوا، عقب ذلك متورطين في نسج عدد من التحالفات والمنافسات المعقدة مع مختلف الحكام المسلمين ومع الفرنجة، المسيحيين، الذين لم تكن لديهم الرغبة في الحصول على معلومات دقيقة حول جيرانهم من الإسماعيليين، ولا حتى حول أية جماعة مسلمة أخرى في الشرق اللاتيني. ومع ذلك، فإن الصليبيين ومراقبيهم الغربيين بدؤوا بنقل جملة كبيرة من الحكايات التخيلية حول من يسمون ’بالحشاشين‘، الأتباع المخلصين ’لشيخ الجبل الغامض‘. وسرعان ما وجدت خرافات الحشاشين هذه انتشاراً واسعاً لها في أوروبة ، حيث كانت المعرفة بكل ما هو إسلامي تصل إلى درجة الجهل المطلق، وكان بإمكان الحكايا الرومانسية الخلابة التي رواها الصليبيون العائدون تحقيق شعبية حاضرة.


لقد نشأت خرافات الحشاشين، وهي التي تجذرت في عداء المسلمين العام تجاه الإسماعيليين وفي انطباعات الأوربيين التخيلية الخاصة عن الشرق، وتطورت بثبات وبشكل منتظم إبان العصور الوسطى. وبمرور الوقت، أصبح ينظر إلى هذه الخرافات، حتى من قبل إخباريين غربيين جادين، على أنها تمثل وصفاً دقيقاً لممارسات جماعة شرقية محيرة.


وهكذا فقد حققت خرافات الحشاشين انتشاراً مستقلاً وقف بثبات في وجه أية محاولات لإعادة تقويم في القرون المتأخرة عندما توفرت معلومات أكثر ثقة حول الإسلام وانقساماته الداخلية في أوروبة. وعلى كل حال، فإن التقدم في مجال الدراسات الإسلامية، والاختراق الحديث الهام في دراسة تاريخ الإسماعيليين وعقائدهم قد جعل من الممكن أخيراً تبديد، مرة وإلى الأبد، بعضاً من الأساطير الموضوعة، والتي بلغت ذروتها في الرواية الشعبية المنسوبة إلى ماركو بولو، الرحالة البندقي الشهير من القرن الثالث عشر. والهدف الأساسي لهذه الدراسة هو تتبع أصول أكثر خرافات العصر الوسيط شهرة التي تحيط بالإسماعيليين النزاريين، وفي الوقت نفسه، تقصي الظروف التاريخية التي في ظلها حققت تلك الخرافات مثل ذلك الانتشار الواسع النطاق.


النزاريون الإسماعيليون

ينتشر الإسماعيليون النزاريون حالياً، وهم الذين يصلون عددهم إلى عدة ملايين ويشكلون أغلبية الإسماعيليين من سكان العالم، في أكثر من خمسة وعشرين بلداً في آسية وأفريقية وأوربة وشمال أمريكية. وهم يعترفون في الوقت الراهن بالأمير كريم أغاخان على أنه زعيمهم الروحي، أو إمامهم التاسع والأربعون. ويمثل الإسماعيليون أقلية هامة من الجماعة الشيعية المسلمة، والتي تشكل بحد ذاتها زهاء عشرة بالمائة من مجمل المجتمع الإسلامي الذي يقدر تعداده بحوالي بليون نسمة.

لقد كان للإسماعيليين تاريخ طويل حافل بالأحداث امتد اثني عشر قرناً تشعبوا خلاله إلى فروع رئيسة وتجمعات ثانوية أقل شأناً. وقد ظهروا إلى الوجود كجماعة شيعية منفصلة قرابة منتصف القرن الثامن، وأسسوا لمرتين خلال العصور الوسطى دولة خاصة بهم، الخلافة الفاطمية والدولة النزارية. وقام الإسماعيليون، في الوقت ذاته، بدورٍ هامٍ في التاريخ الديني السياسي والفكري للعالم الإسلامي. وقد أنتج الدعاة الإسماعيليون المشهورون، والذين كانوا رجال دين وفلاسفة ومبعوثين سياسيين في آن معاً، رسائل عديدة في حقول شتى من المعرفة تظهر فيها مساهماتهم الخاصة في الفكر الإسلامي في العصور الوسطى.

وفي عام 1094 انقسمت الحركة الإسماعيلية، التي تمتعت بالوحدة إبان الفترة الفاطمية المبكرة، إلى فرعيها الرئيسين، النزاري و المستعلي. ونجح النزاريون الذين هم الموضوع الرئيس لهذا البحث، في تأسيس دولة لهم في فارس، وأخرى رديفة في سورية. وقد حافظت هذه الدولة المتبعثرة إقليميا، وهي التي تمركزت في قلعة آلموت الجبلية في شمال فارس، على تماسكها وسط بيئة معادية سيطر عليها بصورة طاغية الأتراك السلاجقة الأكثر قوة والمعادين للشيعة الذين ناصروا الإسلام السني والناطق الاسمي باسمه، الخليفة العباسي في بغداد وأيدوه. وفي ظل تلك الظروف أُرغم النزاريون السوريون على مواجهة عدو جديد تمثّل في الصليبيين النصارى الذين انطلقوا، بدءاً من عام 1096، في موجات متتابعة لتحرير الأرضي المسيحية المقدسة من سيطرة المسلمين. وأخيراً، انهارت الدولة النزارية، التي سيطرت على العديد من الحصون الجبلية والقرى المحيطة بها وعلى عدد أقل من المدن في عام 1256 بفعل هجوم المغول الكاسح. عاش من تبقى من النزاريين في فارس وسورية وغيرها على شكل أقليات شيعية وحسب دون أية أهمية سياسية.


أصول المصطلح


وبالإمكان تتبع المأثور الغربي الخاص بتسمية الإسماعيليين النزاريين بالحشاشين إلى الصليبيين وكتّاب أخبارهم اللاتين، بالإضافة إلى مراقبين غربيين آخرين ممن كانوا أصلاً قد سمعوا عن هؤلاء الطائفيين في بلاد الشام. وسرعان ما اكتسب اسم، أو التسمية الخاطئة "حشاش" وهو الذي اشتق أصلاً في ظروف غامضة من صور مختلفة لكلمة "حشيش"، الكلمة العربية التي تطلق على عقار مخدر، والذي أصبح فيما بعد مصطلحاً غربياً يطلق على الإسماعيليين النزاريين، وسرعان ما اكتسب معنى جديداً في اللغات الأوربية، فقد دخل إليها على أنه تسمية عامة تعني القاتل. وعلى كل حال، فقد استمرت هذه التسمية بالحشاشين، والتي فيها انتقاص مضاعف من القدر، تستخدم في اللغات الأوربية على أنها نعتٌ للإسماعيليين النزاريين، وتعززت هذه العادة على يدي سيلفستر دو ساسي ومستشرقين بارزين آخرين من القرن التاسع عشر ممن كانوا قد بدؤوا بإنتاج الدراسات العلمية الأولى حول الإسماعيليين.


وفي أزمنة أقرب عهداً، تابع كثير من المختصين بالدراسات الإسلامية الغربيين إطلاق التصور الخاطئ لمصطلح "حشاشين" ربما دون وعي مقصود بأصله اللغوي أو أصوله المريبة. وكان برنارد لويس، أسبق من سبق من المرجعيات في تاريخ النزاريين السوريين والمتبحر الذي شغل نفسه بجوانب الأصل اللغوي لمصطلح الحشاشين، قد استخدمه على الدوام في كتاباته، بل وتبناه عنواناً لدراسته المعروفة عن الإسماعيليين النزاريين وكذلك استعمله مارشال هدسون عنواناً لمعالجته العلمية النموذجية للموضوع. ولذلك ليس من المستغرب أن تقرر غير مختصة في الموضوع مثل المكتشفة الإنكليزية الشهيرة، فريا ستارك(1893-1993)، والتي زارت آلموت سنة 1930 استخدام هذا المصطلح عنواناً لقصة رحلتها الرومانسية التي لا تزال تتمتع بشعبية واسعة، مع أنها تشير في الواقع إلى أمكنة أخرى في فارس غير آلموت بشكل أساسي. وكان اختيار مشابه قد وقع لمجموعة استكشافية من المتبحرين في جامعة أكسفورد كانت قد ذهبت إلى فارس عام 1960 للقيام بأكثر الاستقصاءات والدراسات الآثارية كثافة بعد للحصون النزارية من العصر الوسيط في شمال فارس، على الرغم من اصطحابهم للمختص بالدراسات الإسماعيلية، صامويل ستيرن (1920-1969)، الذائع الصيت بصفته مستشارا تاريخياً لهم. وبالفعل، فإنه على الرغم من أن الهوية الصحيحة للناس موضوع الحديث كإسماعيليين نزاريين قد استقامت لفترة طويلة، إلا أن نعتهم بالحشاشين كان قد ثبت على العموم في الغرب. ومما لا شك فيه أن مصطلح "حشاشين" قد حقق، بهالة الغموض والإثارة التي أحاطت به، شهرة وانتشاراً مستقلين.


الخرافات


الظاهر أنه كان لأساطير الإسماعيليين النزاريين وخرافاتهم، وهي التي لقيت تشجيعاً عبر القرون من خلال المحافظة على تسمية الحشاشين، تاريخياً مشابهاً، إذ أن عدداً من الخرافات المترابطة بدأت، اعتباراً من العقود المتأخرة من القرن الثاني عشر، تنتشر ويجري تداولها في الشرق اللاتيني وفي أوروبة حول هذه الفرقة الشرقية الغامضة، التي كان أفرادها قد جذبوا الانتباه إليهم بفضل ما كان يظهر من طاعتهم العمياء لزعيمهم، شيخ الجبل. وسرعان ما صار سلوكهم المتمثل بتضحيتهم بأنفسهم، وتنفيذهم لمهمات خطرة بتكليف من شيخ الجبل، يعزى من قبل مراقبيهم الغربيين إلى تأثير عقار مخدر مثل الحشيش. وقد وفّر ذلك تفسيراً منطقياً لسلوك كان سيبدو لولا ذلك غير منطقي. وما سمعه المراقبون حول النزاريين من أعدائهم المسلمين والنصارى الكُثر في بلاد الشام كان، على كل حال، مجرد تفاصيل تخيلية وأنصاف حقائق لا أكثر. وما إن تم تأسيس الرابطة بين النزاريين والحشيش بشكل ثابت، حتى أصبح ذلك يوفر مادة مرجعية غنية للمزيد من الحكايات الخيالية. فقد ساد الاعتقاد بأن شيخ الجبل كان يسيطر على سلوك من سيصبحون قتلة من بين أتباعه من خلال إعطائهم جرعات محددة ومنظمة من مادة مخدرة كالحشيش، مع ما يرافق ذلك من إدخال أولئك المخدرين المخلصين إلى "حديقة الجنة" السرية يتمتعون فيها مؤقتاً بكل مسرات الجنة الأرضية، ولذلك فقد كانوا على استعداد لتنفيذ أوامر سيدهم الخطيرة من أجل الاستمتاع بمثل تلك النعمة بشكل دائم.


دور المستشرقين


لم تكن تلك الخرافات بحاجة لوقت طويل لتصبح محبوكة بشكل كلي ويجري قبولها على أنها وصف صادق للممارسات السرية للنزاريين الذين صورتهم المصادر الأوربية في تلك الفترة على أنهم عموماً مجموعة من القتلة المتهتكين المعاقرين للحشيش. وتم إيصال هذه الخرافات من جيل إلى آخر، حيث وفرت مادة مرجعية هامة حتى للدراسات الإسماعيلية الأكثر تبحرية لمستشرقي القرن التاسع عشر، بدءاً بسليفستر دو ساسي الذي قام هو نفسه بحل لغز يتعلق بأصل لغوي في هذا الحقل، ألا وهو الرابطة ما بين كلمتي حشاش وحشيش. وكان جوزيف فون هامر ل. برغشتال (1774- 1856) الدبلوماسي المستشرق النمساوي الذي أنتج أول دراسة عن الإسماعيليين النزاريين في لغة أوروبية، قد قبل فعلاً بصحة خرافات الحشاشين من صميم قلبه. وبقي كتابه، حتى الثلاثينات على الأقل، معدوداً على أنه الرواية النموذجية للنزاريين من عصر آلموت.



 

في غضون ذلك، كان المؤلفون المسلمون قد وضعوا أساطيرهم الخاصة عن الإسماعيليين منذ وقت مبكر من القرن التاسع، ولا سيما فيما يتعلق بأصول وأهداف الحركة الإسماعيلية. فالمسلمون السنة، على وجه التخصيص، وهم الذين كانت معلوماتهم ناقصة فيما يتعلق بالانقسامات الداخلية للشيعة ولم يتمكنوا من التمييز بين الإسماعيليين والقرامطة المنشقين، كتبوا كراسات أكثر عداءً وتهجماً على الإسماعيليين من أية كراسات لجماعة مسلمة أخرى، وتوجهوا باللوم إلى الحركة الإسماعيلية محملين إياها مسؤولية الفظائع التي ارتكبها قرامطة البحرين. وبمرور الوقت، ساهم المناوئون للإسماعيليين أنفسهم إلى حد كبير في تحديد معالم صورة عداء المجتمع الإسلامي عموماً تجاه الإسماعيليين.

 

وبنشرهم لرواياتهم التي تغض من الطرف على نطاق واسع من منطقة ما وراء النهر إلى شمال أفريقية، بغية إسقاط سمعة مجمل الحركة الإسماعيلية، فقد تسبب المناوئون المسلمون بظهور"خرافة سوداء" خاصة بالإسماعيليين تصورهم على أنهم فرقة ذات مؤسسين مشكوك فيهم وطقوس من التلقين السرية المتدرجة التي تقود في النهاية إلى الفسق وإنكار كامل الأديان. وبالفعل، فإن أبرز النواحي في الأعمال العدائية المناوئة للإسماعيليين عمومية، والتي أثرت بشكل كبير في جميع الكتابات الإسلامية عن الإسماعيليين حتى أزمنة حديثة، كانت تصوير الإسماعيلية على أنها هرطقة كبرى، أو إلحاد، تم تصميمها بعناية لتقويض الإسلام من الداخل. وتم الزعم أكثر بأن أئمة الإسماعيليين، ومنهم الخلفاء الفاطميون بشكل خاص، قد ادعوا كذباً نسباً فاطمياً علوياً من فاطمة ابنة النبي وزوجها علي، الإمام الشيعي الأول. ولا حاجة للقول بأن مشاعر العداء للإسماعيلية لأولئك المناوئين قد وجدت تعبيراً لها أيضاً في كتابات حتى الكثير من المؤرخين وعلماء الدين والفقهاء من القرون الوسطى الذين نادراً ما فوتوا فرصة لإنكار الإسماعيليين ومعتقداتهم. وبمرور الوقت ساهمت ’ الخرافة السوداء‘ للمسلمين المناوئين المعادين للإسماعيلية، وعداء المجتمع الإسلامي العام للإسماعيليين، في تكوين حكايات الغربيين الخيالية عن الإسماعيليين النزاريين.

دور الإسماعيليين

ولم يساهم الإسماعيليون أنفسهم في توضيح الأمور عندما تحرزوا على أدبهم ورفضوا الكشف عن معتقداتهم للغرباء. غير أنه كانت لهم مبرراتهم في المحافظة على سريتهم، لأن الإسماعيليين في العصور الوسطى ربما كانوا من أكثر الجماعات التي اضطهدت بقسوة في العالم الإسلامي، وتعرضت لمذابح في الكثير من المواضع. ولذلك، كان الإسماعيليون مرغمين منذ بداية تاريخهم على التقيد الصارم بمبدأ التقية الشيعي، وهو إخفاء المرء لحقيقة معتقده الديني من باب الاحتراس في وجه الخطر. وفي الحقيقة، إذا ما استثنينا الفترة الفاطمية عندما كانت الدعوة إلى المعتقدات الإسماعيلية في الأراضي الفاطمية تتم بشكل علني، فإن تطور الإسماعيلية قد تم في سرية مطلقة، وأن الإسماعيليين قد فسروا على ما يمكن الاصطلاح عليه بالوجود السري أو الخفي. يضاف إلى ذلك، أن الدعاة الذين أنتجوا جلّ الكتابات الإسماعيلية كانوا من علماء الدين بشكل أساسي، ولم يكونوا بحد ذاتهم شديدي الاهتمام بالكتابات التاريخية. وقد وفر ذلك كله، بالطبع، فرصاً مثالية لخصوم الإسماعيليين الكثر لتحريف معتقداتهم وممارساتهم الفعلية وتشويهها.


الخلفية الأدبية


في مقابل هذه الخلفية، بدا مستشرقو القرن التاسع عشر، ممن تمكنوا لأول مرة من الوصول إلى مجموعات هامة من المخطوطات الإسلامية التي كان يحتفظ بها في مكتبات أوربية رئيسية وغيرها، بدؤوا بما قد كان يتوقع أن يكون دراسات علمية واعدة للإسماعيليين. لكن من سوء الطالع أنهم لم يحققوا سوى نتائج قليلة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى أية نصوص إسماعيلية صحيحة. لهذا كانوا مرغمين على تناول الموضوع من خلال وجهة النظر الخيالية والضيقة لصليبي العصور الوسطى والصور الممسوخة التي رسمها المؤلفون المعادون من المسلمين. في مقابل هذه الخلفية الأدبية وحسب يمكن للمرء أن يجد معنى ما في قراءته لبعض التخرصات والاستنتاجات المريبة لسيلفستر دو ساسي (1758 – 1838)، أعظم مستشرقي زمانه الذي لخص أفكاره الرئيسة حول الذي لخص أفكاره الرئيسة حول الإسماعيليين النزاريين في كتابه " دراسة عن سلالة الحشاشين" حافظت الصورة المشوهة للإسماعيليين عموماً وللإسماعيليين النزاريين خصوصاً على وجودها قائماً في دوائر المستشرقين حتى العقود الافتتاحية للقرن العشرين. وكان لابد من انتظار استعادة عدد كبير من النصوص الإسماعيلية ودراستها، وهي عملية لم تبدأ حتى مضي زهاء قرن من الزمن على وفاة دو ساسي، كي يكون بالإمكان إجراء تقويم تبحري صحيح للإسماعيليين. وبفضل مكتشفات التبحر الحديث أصبحنا أخيراً في موقع نميز فيه بين الوهم أو الأسطورة وبين الحقيقة في الأمور المتعلقة بالإسماعيليين، وخصوصاً فيما يتعلق بالنزاريين من عصر آلموت الذين كانوا هدفاً دارت حوله خرافات الحشاشين الموضوعة.


انتشار الحكايات


في ضوء هذه المكتشفات، تؤكد هذه الدراسة أن خرافات الحشاشين، و لاسيما تلك التي تقوم على الربط بين الحشيش و "حديقة الجنة" السرية قد تم تركيبها ونشرها في واقع الأمر على أيدي الأوربيين. ويبدو أن المراقبين الغربيين للإسماعيليين النزاريين، ولا سيما أولئك الأقل معرفة منهم بالإسلام وبالشرق الأدنى، هم من وضع تلك الخرافات) وكانت تشير إلى النزاريين السوريين في البداية) تدريجياً وبصورة منتظمة، مضيفين المزيد من المكونات أو البهارات في مراحل متتالية إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وخلال هذه العملية، تأثّر الأوربيون، وهم الذين كان لديهم ميل كبير نحو الحكايات الرومانسية والتخيلية الشرقية، تأثروا إلى حد كبير بتحامل المسلمين غير الإسماعيليين، وهو العداء الذي كان في وقت سابق سبباً في ظهور "الخرافة السوداء" المناوئة للإسماعيليين على أيدي المناوئين السنة بالإضافة إلى بعض المفاهيم الخاطئة التي سادت حول الإسماعيليين. إن مثل هذه المفاهيم الشعبية الخاطئة حول النزاريين التي تم تداولها أيضاً في دوائر محلية غير أدبية في الشرق اللاتيني إبان زمن الصليبيين، قد تم، في جميع الاحتمالات، التقاطها من قبل الصليبيين من خلال اتصالهم بالمسلمين الريفيين العاملين في أراضيهم وبالمسلمين الأقل ثقافة من سكان المدن، بالإضافة إلى أية معلومات كان بإمكانها جمعها بشكل غير مباشر من خلال المسيحيين الشرقيين. ومن الأهمية بمكان، من هذه الجهة، الإشارة إلى أنه لم يعثر على أساطير مشابهة في أي من المصادر الإسلامية من العصر الوسيط، بما في ذلك الكتب المعاصرة حول تاريخ سورية. إن المطلعين المسلمين، ومنهم مؤرخوهم، لم يتخيلوا شيئاً البتة حول الممارسات السرية للنزاريين، على الرغم من أنهم كانوا معادين لهم. وبشكل مشابه، فإن تلك القلة من المراقبين الغربيين ذات المعرفة الجيدة بالنزاريين السوريين، مثل وليم الصوري الذي عاش في الشرق اللاتيني فترات طويلة، لم تساهم في تكوين خرافات الحشاشين.


وبالجملة، يبدو أن الخرافات موضوع الحديث كانت، على الرغم من تجذرها من الأصل في بعض الأخبار المأثورة الشعبية والمعلومات المغلوطة المتداولة محلياً، قد تشكلت فعلاً ونقلت على نطاق واسع إلى حد ما بفضل جاذبيتها المثيرة على أيدي الصليبيين والمراقبين الآخرين للنزاريين، وأنها تمثل في الأساس "التركيبة التخيلية" لأولئك المراقبين غير المطلعين.



1
Bernard Lewis, The Assassins: A Radical Sect in Islam (London, 1967).
2
Marshal G. S. Hodgson, The Order of Assassins: The Struggle of the Early Nizari Isma‘ilisinfo-icon against the Islamic World (The Hague, 1955).
3
Freya Stark, The Valleys of the Assassins and other Persian Travels (London, 1934).
4
Peter R.E. Wiley, The Castles of the Assassins (London, 1963).
5
See Joseph von Hammer-Purgstall, Die Geschichte der Assassinen (Stuttgart-Tübingen, 1818), pp 211-14. English trans., The History of the Assassins, tr. O.C. Wood (London, 1835, reprinted, New York, 1968), pp 136-8.

من "خرافات الحشاشين: أساطير الإسماعيليين" (لندن، أي.ب. تورس، 1994 وأعيدت طباعته عام 2001) الصفحات 1-7

يتعقب هذا المقال أصول وتطور خرافات الحشاشين بهدف إبطال المشروعية العلمية والشعبية التي اكتسبتها على مر القرون. إن خلق ونشر إشاعة هذه القصص التي تفصّل استخدام النزاريين...