حول التعددية، التعصب والقرآن


Download PDF version of article

كلمات أساسية


المسلمون- غير المسلمين- القرآن- التفردية – الاحتلال (الفتح) - التنوع الديني، الهندوسية، السيخ، الجينيون، الشيعة، السنّة، المتعدد الأديان، الحركة الوهابية، التقليد المسيحي اليهودي، الجهاد، أهل الكتاب، الزكاة، دار الحرب، الأصولية، دار الإسلام.


المحتويات

· التعددية في القرآن


 


 


"املؤوا قلوبكم بالرحمة والحب واللطف لرعاياكم، لذويكم سواء أكانوا إخوانكم في الدين أم مثلاءكم في الخلق."


مقطع من رسالة الخليفة المسلم الإمام علي بن أبي طالب (توفي 661) إلى مالك الأشتر لدى تعيين الأخير والياً على مصر.


كمسلم محيط بتعليم وتدريس الدين الإسلامي، تلقيت عدة دعوات خلال الأسابيع العديدة الماضية للتحدث عن الدور الذي قام به أو ربما لم يقم به الدين والأفكار الدينية في أحداث 11 أيلول المروعة عام2001. أرادت الجماهير غير المسلمة أن تعرف كيف أن الإسلام، الدين الذي يشير اسمه إلى السلام لدى العديد من المسلمين ُيمكن أن يستخدم ليشجع على العنف والحقد لأمريكا و"الغرب"؟ يتساءل العديد من هذه الجماهير لماذا يرغب بعض المسلمين وبعض الحكومات في الأمم الإسلامية المعارضة للأمريكيين والمعادية لأمريكا والغرب بالتغاضي عن الخسائر في الأرواح الأمريكية البريئة أو أنها تحبذ هذه الخسائر؟ وبالمقابل، كان لدى المسلمين الذين تحدثتُ إليهم هموم مشابهة. يتساءل العديد منهم لماذا إن بعض الأمريكيين والأوربيين وبعض السياسات الأمريكية والغربية معارضة للإسلام ومعادية للمصالح الإسلامية ومستهترة بالخسائر في الأرواح المسلمة البريئة؟ وهو مليء بالأفكار الشائعة عن "الآخر" كنت مهتماً بتزويد الجمهور بوجهات نظر تاريخية ودينية عن العوامل المعقدة التي خلقت مثل سوء التفاهم العميق والشديد هذا بين المسلمين وغير المسلمين على حد سواء. فبينما كنت أشارك في العديد من المنتديات العامة، كان هذا أيضاً وقتاً للتأمل بالنسبة لي شخصياً كما كان كذلك في الواقع بالنسبة للمسلمين المذهولين من التصرف الغريب والمؤذي لأفراد ارتكبوا هذه الأفعال باسم الله ظاهرياً.


في البداية أود أن أقدم توضيحاً بسيطاً عن الكيفية التي أصبحت فيها مدركاً تعاليم القرآن حول التعددية. لقد ولدتُ وترعرعتُ في كينيا، في شرقي أفريقية، في أسرة مسلمة تقية من أصل آسيوي جنوبي. هاجر أسلافي إلى أفريقية من الهند منذ 200 سنة. كان المجتمع الذي نشأت فيه مجتمعاً استعمارياً، تحت الحكم البريطاني. وكان يتميز بتنوع عرقي وديني وأيضاً بتمييز عنصري عرقي متزمت. كان أسلوب الإمبراطورية عرقياً في هذا من أفريقية: تقسيم المجتمع إلى ثلاثة طبقات واضحة:الأوربيون أو طبقة البيض وهي الطبقة الحاكمة، الآسيوية، أو الطبقة التجارية والمكتبيّة "في كينيا مصطلح (آسيوي) يشير إلى شخص من أصل جنوبي آسيوي"؛ وطبقة الأفارقة أو طبقة السود، التي من غالبيتها يأتي العمال. هكذا نشأتُ في محيط ذي معرفة عميقة بالاختلافات العرقية وأيضاً بالتوترات بين الطبقات. وكنت أيضاً مدركاً بقوة التنوع الديني. فبين الآسيويين عرفتُ بأنهم لا يتبعون جميعاً الدين نفسه: كان هناك هندوسيون، وسيخيون جينيون، ومسلمون وينقسموا جميعهم أيضاً إلى طوائف أصغر كالآريا ساماج، والفيشا أشوال، والشيعة والسنّة. ومن بين الأفارقة، عرفت انه كان هناك قبائل مختلفة تتحدث بلغات مختلفة وكانت في وضع متخاصم فيما بينها. كما كنت أعلم أن بعض الأفارقة كانوا مسلمين وآخرين كانوا مسيحيين من مذاهب مختلفة وبقي آخرون ممن مارسوا ما كان يسمى "الأديان الأفريقية التقليدية". كانت معرفتي قليلة جدا ًفيما يتعلق بالأوربيين. لأنهم كانوا في غالبيتهم منعزلين فيما بينهم ولم تكن هناك مناسبة بالنسبة لي للانخراط بهم.


عندما كنت في التاسعة أو العاشرة من العمر وكنت أتساءل عن التنوع الديني والعرقي. أتذكر سؤالي لأبي وهو مسلم تقي، لماذا لم يجعل الله جميع البشر متماثلين؟. لماذا جعلنا الله جميعاً مختلفين؟ بالإجابة عن سؤالي اقتبسَ آية من القرآن: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبير" (13:49 قرآن). مثلت هذه الآية من القرآن أول التعاليم التي تلقيتها كطفل عن موضوع التعددية. والآن بعد مرور سنوات عدة إذ أتأمل فيها وفي معانيها أؤمن أنه من الواضح من المنظور القرآني، الذي يمثل جوهر التقليد الإسلامي، أن الحكمة الإلهية المتضمنة في التنوع البشري هي تعزيز المعرفة والتفاهم لدعم الانسجام والتعاون بين الشعوب. لم يخلق الله التنوع لكي يصبح مصدراً للخلافات، والانقسامات والتناقض في المجتمع. في الحقيقة، سواء لاحظ البشر ذلك أم لا فإن التنوع البشري هو إشارة إلى حكمة إلهية. تصور الآية أيضاً عالماً يكون فيه الناس، بغض النظر عن الاختلافات بينهم، متحدين في طاعتهم لله. تتكرر هذه الأفكار في آية قرآنية أخرى يخاطب فيها الله بني البشر ويؤكد مبدأ الوحدة في التنوع: "إنّ هذه أمتكم أمّةً واحدةً وأنا ربكم فاعبدون" (القرآن 92:21) "يُبرز الإلحاح على عالمية الرسالة الإلهية في التعاليم القرآنية الأساسية أن الله أنزل رسالته لجميع الناس ولجميع الثقافات؛ ولم يُنس منه شعبٌ واحدٌ أو أمةٌ واحدةٌ. (القرآن24:35) ومع أن الناس ربما قد حرفوا تلك الرسالة لتلائم احتياجاتهم في خلق تقاليد الخلاف، فإن كل الأديان في جوهرها تنبثق من ذات المصدر الإلهي والوحي نفسه.


النظرة القرآنية للمسيحية واليهودية


الفكرة بأن الرسالة الإلهية عالمية لكن وجوهها متعددة، تقدم الدعامة الأساسية للأسلوب الذي يتواصل فيه القرآن نفسه والعقيدة التي يبشر بها مع التقاليد الدينية التي سبقته في الشرق الأوسط، أي اليهودية والمسيحية. فبعيداً عن إنكار الشرعية لهذه الأديان السابقة يؤكد القرآن مراراً حقيقتها الجوهرية، معترفاً أن رسالتها تأتي من الإله الواحد نفسه وبأنه، أي القرآن، ليس إلا آخر إيحاءات الله ليؤكد ويعزز التنزيلات التي سبقته. إن ميزة هذا الموقف التوكيدي والتعددي هي في الأمر التالي للمؤمنين: "قل آمنا بالله وما أُنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون" (القرآن84:3).


وقد تجسدت المعتقدات القرآنية بشأن حقيقة التعاليم اليهودية والمسيحية. في مصطلح آخر: أهل الكتاب. هذا هو المصطلح الشامل في القرآن للإشارة إلى الجماعات أو الشعوب التي تلقت الوحي على شكل كتاب مقدس. وهي تستخدم عموما للإشارة إلى اليهود والمسيحيين والمسلمين. إن الطبيعة التعددية لهذا المصطلح واضحة في الاستخدام للاسم الكتاب بالمفرد بدلاً من الجمع يُقصد بها التأكيد أن اليهود والمسيحيين والمسلمين يتبعون الكتاب الواحد نفسه، لا كتباً مقدسة متعارضة مختلفة. وقد تم اعتبار القرآن والعهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل) على أنها وجوه متعددة دنيوية لكتاب مقدس إلهي واحد نقش فيه الله الكلمة المقدسة. وذلك دلالة على أن القرآن لا يدّعي بأنه يبطل الكتب المقدسة التي أنزلت قبله. على العكس، فإنه يؤكد شرعيتها. وفي إحدى الآيات التي خاطبت النبي محمداً، ينصحه الله "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" (القرآن94:10). وفي آية أخرى تخاطب المؤمن المسلم تقول: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (القرآن 46:29).


بينما أُوجدَ مفهوم أهل الكتاب في الأصل ليشير إلى الأديان التوحيدية الرئيسية في الإطار العربي، كان هناك محاولات لتوسيع المصطلح دينياً ليضم مجموعات أخرى مثل الزرادشتيين في إيران والهندوسيين والبوذيين في الهند، مع انتشار الدين الإسلامي خارج الشرق الأوسط واحتكاك المسلمين بتعاليم دينية أخرى. ففي القرن السابع عشر، في الهند، اعتبر دارا شيكو، وهو أمير من سلالة المغول الحاكمة، والذي كان متأثراً بشدة بالتعاليم التعددية ضمن التقاليد الإسلامية للمذاهب الصوفية، اعتبر أن الكتب المقدسة الهندوسية وشروحها الفلسفية هي أساس، التوحيد، وادعى بأنها كانت الكتاب المكنون أي والكتاب المقدس المستور المشار إليه في القرآن (القرآن 56: 77-80) لذا قام بترجمة هذه النصوص السنسكريتية شخصياً إلى الفارسية وجادل بأنه كان من واجب كل مسلم مؤمن أن يقرأها. لا يمكن الإنكار بأنه لم يكن جميع المسلمين مرتاحين لتوسيع مصطلح (أهل الكتاب )ليشمل كتب دينية مقدسة وتعاليم ليست مذكورة تحديداً بالاسم في القرآن، لكن تبقى الحقيقة بأن أنواعا ًكهذه من التفسيرات أصبحت متاحة من خلال الطبيعة التعددية للنظرة القرآنية الشاملة.


مع منظور عالمي كهذا، من نافلة القول بأن القرآن لا ينكر قيم الخلاص للتعاليم اليهودية أو المسيحية. سيمنح الخلاص، وفقا ًللقرآن الكريم، لأي شخص يسلم للإله الواحد، لأي شخص يسلم للمشيئة الإلهية (المعنى الحرفي لكلمة مسلم). وفي الحقيقة يعتبر الكتاب الإسلامي أن إبراهيم، هو المؤسس، وكل الأنبياء الآخرين للديانة المسيحية اليهودية، ومن بينهم المسيح وموسى، مسلمون بالمعنى الحقيقي للكلمة. وتحتوي السورة الثالثة من القرآن إجمالاً على الآيات التالية: " من أهل الكتاب أمةٌ قائمةٌ يتلون آيات الله إناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الحيرات وأولئك من الصالحين". (القرآن 3: 113-114). ويؤكد القرآن مراراً بأنه في يوم الحساب سيحاسب بنو البشر جميعاً على أعمالهم الأخلاقية. بصرف النظر عن انتمائهم الديني الرسمي. (2)


أثر إقرار القرآن لمجتمعات دينية ذات تعدد ثقافي واعترافه بالقيمة المخلّصة للأديان التوحيدية الأخرى، تأثيراً كبيراً في معاملة اللأقليات الدينية في الأراضي الإسلامية عبر التاريخ. وبينما كان هناك أمثلة حيث كان يتم التساهل مع الأقليات الدينية على مضض في المجتمعات الإسلامية أكثر من كونه احتراماً للروح الحقيقية للتعددية، وإن الإقرار القرآني لروح التعددية يفسر لماذا لم تحدث أبدا ًفي المناطق الواقعة تحت الحكم الإسلامي أشكال العنف المعادية للسامية المنبثقة عن نظرةٍ لاهوتية مسيحية ضيقة في أوروبة القرون الوسطى والحديثة، والمعاملة القاسية المرافقة للسكان اليهود البالغة أوجها في المحرقة.


من العصور المبكرة من التاريخ الإسلامي، لدينا أمثلة عن كثيرٍ من الاحترام لحقوق غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي. على سبيل المثال، أمر الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب (توفي 661م) ولاته في مصر بأن يظهروا الرحمة، والمحبة واللطف لكل الرعايا في ظل حكمه، متضمناً غير المسلمين الذين عبر عنهم بأنهم "مثلاؤكم في الخلق". وانعكس مثل هذا التسامح لاحقاً في سياسات الأسر العربية الحاكمة في إسبانيا، والفاطميين في شمال أفريقية، والعثمانيين الأتراك في الشرق الأوسط، مانحاً حداً أعلى من استقلال الفرد والجماعة لأولئك المتمسكين بتعاليم دينية أخرى غير الإسلام. نستطيع أيضاً أن نذكر المثال عن الإمبراطور المغولي أكبر (توفي عام 1605) الذي – نظراً لخشيته من جانب الحق الديني لدرجة كبرى في زمنه - شجع التسامح بين الأديان المختلفة التي تشكل المشهد الديني الهندي.


كيف يمكن لكتاب مقدس يمجد التعددية أن يكون المصدر للتعصب والكراهية التي تظهرها بعض المجموعات القليلة المسلمة المعاصرة تجاه الغرب؟ كيف يمكن لكتاب مقدس ينادي (لا إكراه في الدين )أن يتم الاستشهاد به من قبل أولئك الذين يتمنون أن يفرضوا قسراً معتقداتهم الدينية على الآخرين سواء من المسلمين أو غير المسلمين ؟ كيف يمكن لكتاب مقدس يأمر المسلمين أن يعتبروا أهل الكتاب من البررة أن يستخدم للإعلان بأن اليهود والمسيحيين كفار؟ يمكن أن تعود الإجابات عن هذه الأسئلة إلى نشوء صيغ غير ملائمة من التفسيرات القرآنية التي هي تفردية بطبيعتها.


التفسيرات التفردية للقرآن


إن مجموعة عوامل معقدة ومترابطة بشكل متشابك أدت إلى هذه المقالة التفردية. هنا أود باختصار أن أذكر اثنين منها: مبدأ الخلافة والشرعية الدينية للنفوذ السياسي. الخلافة هي تلك الفكرة بأن الإسلام، باعتباره آخر الديانات التوحيدية، يخلف كل الديانات التي سبقته. وهذا يفترض أنه بما أن الإسلام هو وريث الديانات اليهودية والمسيحية فإنه هو الشكل الأخير والأكثر اكتمالاً للتنزيل. وفوق ذلك، بما أن محمداً كان الأخير بين حوالي 124000 نبي أرسلهم الله إلى لذلك كان هو حامل الرسالة الإلهية في أكثر أشكالها كمالاً. ووفقاً لهذه العقيدة، خَلَفَ التنزيل القرآني، أو ألغى، جميع الكتب المقدسة السابقة. ولكون القرآن آخر وحي من لله، كان له وحده الشرعية حتى نهاية الزمن. وهكذا كانت الإمكانية في بلوغ الخلاص عبر الأديان الأخرى غير الإسلام، إذا تم الاعتراف بها أصلاً، محدودة جداً. كانت تمثل هذه الآراء التفردية عاملاً مساعداً على تعزيز الهوية الاجتماعية بين أتباع مجتمع ديني جديد، وأصبحت بالتالي وسائل مهمة، لتشكيل وحدة بين قبائل عربية مختلفة والتي كانت سابقاً مشتبكة في نزاعات وحروب تافهة. في القرنين الثامن والتاسع، أصبحت هذه الوحدة السياسية والاجتماعية أساس الإمبراطورية العربية الإسلامية المبكرة، لأنها وفرت "أساساً فعالاً"ً للهجوم ضد أولئك الذين لا يشتركون بهذه الوحدة مع مجتمع المؤمنين.(3) ضمن هذا السياق أصبحت تلك المفاهيم السياسية مثل دار الإسلام "الأقاليم في ظل السيادة الإسلامية" ودار الحرب "الأقاليم في ظل الحكم غير الإسلامي" بارزة، مع أنها لا تملك أساساً حقيقياً في القرآن. ضمن هذا السياق نفسه تم تفسير مفهوم الجهاد ليبرر أهدافاً إمبراطورية. حرفياً، يعني هذا المصطلح المليء بالكلمات المبهمة التعريفية، القتال أو الكفاح في اللغة العربية. تم تفسيره أولاً في زمن النبي محمد بأنه جهادٌ أخلاقي ومعنوي ضد غرائز فردية دنيئة، أو جهاد دفاعي من قبل المسلمين الأوائل ضد الاضطهاد الديني "أذن للذين يُقاتلون بأنهم ظُلِموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أُخرِجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربُّنا الله".(القرآن 22: 39-40). "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". (القرآن190:2). في ظل تأثير الحقائق السياسية للقرون الأخيرة، التي شهدت توسع الحكم العربي، فإنَّ ما كان بوضوح إشارة في القرآن لصراع أخلاقي أو صراع مسلح في وجه الاستفزاز والاعتداء، أصبح يفسَّر على أنه هجوم عسكري عادي ضد غير المؤمنين وكوسيلة لمشروعية السيطرة السياسية.(4)


من المسلم به أنه كان لابد أن يبحث عن المبرر الديني لتعزيز المصالح التوسعية في القرآن، فالكتاب نفسه الذي حرم الإكراه في مسائل دينية وتضمن آيات ذات طبيعة شمولية معترفةًً ليس فقط بصحة الأديان التوحيدية الأخرى وإنما بالمساواة الجوهرية بين جميع الأنبياء المرسلين من الله. لهذا الهدف، كما عرض عبد العزيز ساتشدينا ببراعة كبيرة، فإنَّ تفسيرات إسلامية عدة استنبطت استراتيجيات اصطلاحية ومنهجية لتصوغ تفسيراً للكتابِ المقدس لتزويده بدافع مقنع للغايات الظالمة. الذريعة الأساسية التي استطاع التفرديون من خلالها تعزيز رأيهم كانت من خلال التصريح بأن الآيات المتعددة التي تدعو إلى التعددية مطالبة المسلمين أن يبنوا جسوراً من التفاهم مع غير المسلمين تم نقضها بآيات أخرى تدعو لقتال الكافر. تم نشر الآيات المثيرة للجدل بعد أن اندلعت الحرب في القرن السابع بين المجتمع الإسلامي المحاصر الصغير وخصومه الأقوياء: العربية الوثنية والمسيحية واليهودية. نموذج عن هذه الآيات هي التالية: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل َّ مرصدٍ فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم إن الله غفورٌ رحيم."(9:5). آية أخرى نزلت عندما نقضت العهد مجموعات يهودية ومسيحية محددة القضية الإسلامية وانضمت إلى الحملة العسكرية للعرب الوثنيين ضد النبي محمد والمجتمع الإسلامي، حذرت من اتخاذ اليهود والمسيحيين كحلفاء سياسيين مقربين (القرآن 5 :51). إنه بالتجاهل التام فقط للقرآن الأصلية التاريخية لتنزيل مثل هذه الآيات واستخدامها للخوض في نقض كامل للآيات المعارضة كان للتفسيرات الإسلامية التفردية القدرة على أن تناقض الروح التعددية التي تخللها القرآن بشكل جيد.


تاريخياً تم استخدام تفسيرات التفردية للقرآن لتبرير السيطرة على المسلمين الآخرين، خصوصاً أولئك الذين تم فهم تفسيراتهم للعقيدة والممارسات الدينية على أنها انحراف عن السنن المعتمدة لدى التفرديين. وخلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، شهدت مناطق متعددة من العالم الإسلامي ظهور حركات حاولت "تطهير" الإسلام، وذلك كردّ على ما عُرف بانحدار وانحلال أخلاقي عام. استهدف قادة هذه الحركات سلسة واسعة من الممارسات والمعتقدات بين أقرانهم المسلمين التي شكلت، في نظرهم، دليلاً على الارتكاس الديني. وبشكل خاص، هوجمت الصيغ الصوفية للإسلام على أنها ليست مستمدة من الإسلام الحقيقي. وفي حالات محددة، اتخذت هذه الهجمات صفة عسكرية وجهادية أطلقوها ضد أقرانهم المسلمين مع العزم على إخضاعهم بالإجبار لهذه التفسيرات الإسلامية التي كانت المفضلة لدى التفرديين.


كانت الأكثر إثارةً وتأثيراً من بين هذه الحركات تلك التي تدعى الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية. دُعيت كذلك على اسم الإصلاحي، عبد الوهاب، الذي توفي سنة 1791، حصلت هذه الحركة التطهيرية على طاقة متفجرة بعد أن تحالف مؤسسها مع شيخ قبيلة عربية صغيرة، هو محمد بن سعود. تأثر عبد الوهاب في فكره بكتابات المفكر المثير للخلاف من القرن الرابع عشر، ابن تيمية (توفي سنة 1328)، الذي قادته تفسيراته المتزمتة والحرفية للقرآن للإعلان بأن السلالات المغولية كانت كافرة بصرف النظر عن عملهم البارز في عقيدة الإسلام. ولكي يروج الوهابيون لمذهبهم الخاص في الإسلام، هاجموا أقرانهم المسلمين الذين اعتبرت ممارساتهم غير إسلامية في نظرهم. مستهدفين خصوصاً تعابير مألوفة في الممارسة الصوفية وكذلك الشيعة المسلمين، وسّع الوهابيون بانتظام سلطتهم على المنطقة الغربية والوسطى حتى أصبحوا قادرين على التأثير بالوحدة السياسية في شبه الجزيرة ضمن المملكة العربية السعودية. أنشأت السلطات الوهابية فور تأسيسها، قوة شرطة دينية، من بين وظائفها، أن تجبر المسلمين على أداء طقوس الصلاة في أوقاتها المحددة خلال اليوم متناقضةً مباشرةً مع وصية القرآن، "لا إكراه في الدين". ولا عجب، أن اعتبرت هذه الحركة اليهود والمسيحيين كفاراً. وحتى يومنا هذا، فإن التأويل الرسمي للإسلام في العربية السعودية تم تأسيسه بناءً على تفسيرات تفردية للقرآن، متعصبةً ضد التعددية ضمن الدين الواحد وبين الأديان. ومن خلال استخدام ملايين الدولارات مما تجنيه من البترول، تم تصدير التفسيرات السعودية التفردية إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي، كثير منها لإخافة المناصرين للتعددية.


في الأزمان الحديثة، تم تعزيز الأفكار التفردية بقوة من قبل المدعوين بالمجموعات الأصولية في العالم الإسلامي.(5) والأسباب في ظهور مثل هذه المجموعات معقدة. والرأي الواسع الانتشار، أن هذه الحركات هي ردة فعل ضد الحداثة، وعملية التغريب، والفقر الاقتصادي، والسيطرة العالمية للقوى الغربية، ودعم مثل هذه القوى لأنظمة الحكم القمعية للتحكم في معظم الأراضي الإسلامية. وإن فشل الإيديولوجيات المستعارة مثل الرأسمالية، أو الشيوعية، أو الاشتراكية، في إنقاذ العدالة الاجتماعية والاقتصادية في عدة بلدان إسلامية، خلق مجموعات تفردية تبتغي لغة "صافيةً" و"موثوقة" يمكن من خلالها انتقاد الدولة الإسلامية الحديثة الفاشلة، الدولة التي همشت أو تركت الأسس الدينية المتوارثة لكي تزيد نفوذها السياسي. إن البحث عن حلول لعدد ضخم من المشاكل السياسية، الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه المسلمين، قاد هذه المجموعات التفردية لاستخدام الإسلام كإيديولوجية سياسية للدولة: "الإسلام هو الحل". إن التزام مثل هذه الجماعات في أن تفهم الإسلام بصيغة متحجرةً (صافية)، وأن تنشغل بتاريخ تاريخ متبدل، وأن تقرأ النصوص الدينية بطرق تفردية تنكر أي تعددية في التفسيرات، هذا الالتزام أطلق العنان للصراع في العالم الإسلامي بين هذه الجماعات وبين أولئك الذين يناصرون التعاليم التعددية للقرآن. وإن ببعداً هاماً للصراع بين التفرديين والتعدديين، هو الجدال حول دور ومكانة المرأة في المجتمعات الإسلامية لأن توجه التفرديين هو أن يعادوا المساواة في تفسيراتهم للأدوار المتعلقة بالمرأة.

حتى يتشارك المسلمون في عالم متعدد الأديان ومتعدد الثقافات في القرن الواحد والعشرين، من الضروري أن يتبنوا بشكل كامل تعاليم القرآن في التعددية. إن التفسيرات التفردية للقرآن التي تفترض هيمنة الإسلام على غير المسلمين وتشجع استخدام لغة متفاصحة من الكراهية والعنف لتحقيق مثل هذه الأهداف، هي باطلة في مجتمع عالمي تكون فيه العلاقات بين مختلف الشعوب مبنية في معظمها على أساس المساواة والاحترام المتبادل – وهو مبدأ أساسي متضمن في النظرة القرآنية الشمولية. بما أنه صارت تتم الدعوة، في عدة أمم إسلامية هامة، إلى الخطاب التفردي في المدارس الدينية، تحت رعاية مجموعات تفردية أو الدولة نفسها، فإن مفتاح نتيجة الصراع بين التعددية والتفردية في التعليم الإسلامي، يكمن في إعادة تعليم الشعوب الإسلامية حول التعددية التي تكمن في جوهر القرآن. ودون هذا التعليم التعددي ستستمر الشعوب في الاعتماد على التفسيرات المتحجرة لعلماء وخطباء محرضين لمقاربة القرآن. إنه من خلال رفع مستويات القراءة الدينية في العالم الإسلامي فقط سيصبح المسلمون مدركين لتركيز التعاليم القرآنية على ما يتعلق بالتعددية الثقافية والدينية كمبدأ إلهي إلزامي للتعايش السلمي بين المجتمعات البشرية (6).


ملاحظات


1- تأثر فَهمي للصراع بين حبال التعددية والمنغلقة في العرف الإسلامي بشكل كبير بدراسة عبد العزيز ساتشدينا الرائدة، الجذور الإسلامية للتعددية الديمقراطية (إكسفورد2001). أنا ممتن لزميلي روي موتحدة الذي وجدت المساعدة في مقالتيه: "نحو علم توحيد إسلامي في التسامح"، وإصلاح القانون الإسلامي وحقوق الإنسان تح. ليندهولم و ك. فوجت (أوسلو1992). أود أيضاً أن أشكر مايكل كرير وواين إيستمان لتعليقاتهما على مسودات مختلفة لهذه المقالة.


2- عبد العزيز ساتشدينا، الجذور الإسلامية للديمقراطية التعددية. صفحة28.


3- عبد العزيز ساتشدينا، الجذور الإسلامية للديمقراطية التعددية. صفحة29.


4- فيما يتعلق بالمجادلات حول مصطلح الجهاد في الإسلام المبكر، انظر في روي موتحدة ورضوان السيد "فكرة الجهاد في الإسلام قبل الحملات الصليبية، الصليبون من وجهة نظر العالم البيزنطي والعالم الإسلامي. تح. أ. ليو و روي موتحدة. واشنطن 2001 م.


5- على الرغم من أنني أدركت أن المصطلح "أصولية" ليس مصطلحاً دقيقاً أكاديمياً لوصف هذه المجموعات، لكنني استخدمته هنا بسبب القبول الواسع له في الكلام المتعارف عليه.


6- عبد العزيز ساتشدينا، الجذور الإسلامية للديمقراطية صفحة13.

 

هذه النسخة منقحة لمقالة نشرت في الأصل في مجلة العلماء الأمريكيين الطبعة 071 رقم 1(شتاء 2002) الصفحات 52-60.

ليس الإشكال المتعلق بالتقليد الديني الذي يشجع الانسجام والتسامح والمستخدم لتبرير الحرب والتعصب، حكراً على الإسلام. ُيظهر التاريخ أن كل الأديان، خصوصاً كتبها المقدسة، قد فسرها المؤمنون بما يبرر مجموعة واسعة من الأهداف الثقافية والاجتماعية والسياسية المتناقضة. والقرآن، الكتاب...