Lifelong Learning Articles

التحكيم والوساطة عند الطائفة الشيعية الإمامية الإسماعيلية المسلمة

 
 
 
السيدة الرئيسة،

أعضاء اللجنة التوجيهية،

ســــــيداتي ســـــــــادتي،

أود أن أسجل أولاً، ما أعتبره شرفاً كبيراً لي أن أكون اليوم ضيفاً على منتدى الوساطة العالمي في بوينس آيرس، ولهذا أود أن أعبر عن امتناني العميق لمنظمي هذا المؤتمر.

في قرن يعاني من صراعات متعاظمة، وشهد على ولادة نظام عالمي جديد، يمكن لمؤسسات مثل منتدى الوساطة العالمي أن تحقق قدراً أكبر وأوسع من الفهم بين الأمم والثقافات والمجتمعات والشعوب.

إن الغرض من عرضي اليوم، هو أن أشارككم خبرات طائفة مسلمة عالمية مارست المصالحة والوساطة والتحكيم عبر تاريخها كآليات لحل النزاعات. والطائفة التي أتكلم عنها هم المسلمون الإسماعيليون الإماميون الشيعة، والتي أنا عضو فيها وأعمل في مؤسساتها على مدى السنوات الأربعين الماضية.

يعرف المسلمون الإسماعيليون الإماميون الشيعة عموماً بالإسماعيليين، وينتمون إلى فرع الإسلام الشيعي، ويشكل السنّة الفرع الآخر له. يعيش الإسماعيليون في أكثر من ثلاثين دولة في العالم، وبشكل رئيسي في آسيا الوسطى وجنوب آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.

الإسلام، كالمسيحية واليهودية، دين توحيدي، وتقوم مبادئه الأساسية على الإيمان بإله واحد، أو ’الله‘ بالعربية، وهو واحد ليس له شريك ولا مثيل .

يؤكد الإسماعيليون، كمسلمين، على "الشهادة"، بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً (صلى الله عليه وسلّم) رسول الله، ويؤمنون أن محمداً كان آخر الأنبياء وخاتمهم، وأن القرآن الكريم رسالة الله النهائية للبشر، التي أنزلت عليه.

يشترك الإسماعيليون مع بقية المسلمين الشيعة الآخرين، في التأكيد على أنه بعد وفاة النبي محمد أصبح علي بن أبي طالب (توفي عام 661)، ابن عم النبي وصهره، ’الإمام‘ الأول للجماعة المسلمة، وأن هذه القيادة الروحية المعروفة ’بالإمامة‘ قد استمرت بعده بشكل وراثي متتابع من خلال الإمام علي وزوجته فاطمة، ابنة النبي. وطبقاً للعقيدة والتقليد الشيعي، فإن توريث ’الإمامة‘ يكون بالنص، لأن هذا حق مطلق ’لإمام‘ العصر في أن يعين خلفه من بين المتحدرين منه من أبنائه أو أحفاده الذكور. وصاحب السمو الأمير كريم، الآغا خان الرابع، هو الإمام التاسع والأربعين الوارث لإمامة المسلمين الإسماعيليين الإماميين الشيعة. ولد في الثالث عشر من كانون الأول 1936 في جنيف، سويسرا، وقضى سنوات طفولته المبكرة في نيروبي، كينيا. درس في مدرسة روزي في سويسرا لمدة تسع سنوات، وتخرج من جامعة هارفارد سنة 1959 بدرجة شرف في اجازته الجامعية في التاريخ الإسلامي. لقد خلف جده السير سلطان محمد شاه آغا خان كإمام للطائفة الاسماعيلية في 11 تموز/ يوليو 1957 عندما كان يبلغ عشرين عاماً.

خلق الولاء الروحي ’لإمام‘ العصر، والتمسك بالمعتقد الإسماعيلي الإمامي الشيعي للإسلام، وطبقاً لإرشاد ’الإمام‘ الحي، ضمن الطائفة الاسماعيلية روح الإعتماد على الذات، والوحدة والهوية المشتركة. وفي العديد من الدول حيث يعيشون، أنشأ الإسماعيليون، بقيادة وتوجيه ’الإمام‘، إطاراً مؤسساتياً واضح المعالم تمكنوا من خلاله من تحقيق تقدم واسع في مجالات التعليم والصحة والإسكان والإقتصاد، وأسسوا بموجبه المدارس والمشافي والمراكز الصحية والجمعيات السكنية، ومؤسسات متنوعة للتنمية الإقتصادية والإجتماعية العاملة للخير العام لكل المواطنين، بغض النظر عن العرق أو الدين.

في الوقت الذي أود فيه أن أقدم لكم لمحة عامة عن خلفية الطائفة الإسماعيلية، أود- بشكل أكثر تحديداً- أن أوضح الأداة العصرية التي تنظم القضايا الإجتماعية للطائفة في جميع أنحاء العالم. يقودني ذلك إلى الحديث عن البنية التحتية الحديثة للطائفة المسلمة الإسماعيلية. لقد وضع جد الآغا خان الحالي السير سلطان محمد شاه آغا خان (توفي عام 1957)، أسس البنى المؤسساتية للجماعة الإسماعيلية، وذلك بناءً على التقليد الإسلامي للأخلاقيات المجتمعية، من جهة، والوعي الفردي المسؤول، مع حرية تعامل الفرد مع مصيره والتزاماته الأخلاقية، من جهة أخرى وذلك من أجل خلق هياكل تنظيمية جديدة كسبيل لدخول الطائفة إلى القرن العشرين.

في عام 1905، صدر أول دستور إسماعيلي لتنظيم الشؤون الإجتماعية للجماعة في شرق أفريقيا. ويعتبر هذا العمل بحد ذاته خطوة مهمة جداً من بين خطوات أخرى على طريق تحديث أحوال الجماعة الإسماعيلية. لقد أعطى الدستور للطائفة شكلاً من الإدارة يشمل بنية المجالس على المستوى المحلي والوطني والإقليمي. كما أنه تضمن أحكام قانون الأحوال الشخصية المتعلق بالزواج والطلاق والإرث، كذلك توجيهات بخصوص الدعم والتعاون المتبادل بين الإسماعيليين أنفسهم وتعاملهم مع الطوائف الأخرى. صدرت دساتير مشابهة لذلك في شبه القارة الهندية. ولقد تمت مراجعة كل الدساتير دورياً لتلبية حاجات الطائفة وظروفها الطارئة.

استمر هذا التقليد تحت قيادة خلفه ’الإمام‘ الحاضر، صاحب السمو الآغا خان الرابع، الذي وسَّع هذه الممارسة منذ عام 1970، لتشمل مناطق أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وعدة دول أوروبية، وكذلك شرق وجنوب آسيا، والخليج العربي وسورية وإيران وأفغانستان. وذلك بعد القيام بعملية مشاورة مع ممثلين عن الجماعات في هذه الدول. وفي عام 1986 أصدر سموه دستوراً موحداً للمرة الأولى تحت كنفٍ ورعايةٍ واحدةٍ لتنظيم الجانب الإجتماعي من حياة الإسماعيليين في كل أنحاء العالم، مع الأخذ بعين الإعتبار قدراً من المرونة لمراعاة الظروف المتنوعة والمناطق المختلفة. يُرعى تطبيق الدستور من قبل متطوعين يعينون من قبل ’الإمام‘ ويحملون المسؤولية تجاهه. يعمل هذا الدستور على تمكين الإبداعات الفردية وبلورتها ضمن روح المسؤولية الجماعية، وذلك للنهوض بالخير العام للطائفة. والدستور مبني كسابقيه، على ولاء الإسماعيليين الروحي ’لإمام‘ العصر، وهذا الولاء مفصول عن ولاء الإسماعيليين الشخصي المتوجب عليهم كمواطنين تجاه أوطانهم التي يعيشون فيها. ويعمل الدستور من خلال القوانين الموجودة في البلدان المختلفة التي يستقر فيها الإسماعيليون. وفي حين يخدم الدستور بشكل رئيسي حاجات تنظيم الشؤون الإجتماعية للطائفة الإسماعيلية، فإن نصوصه المتعلقة بتشجيع حل النزاعات ودياً من خلال المصالحة والوساطة والتحكيم النزيهة، تستخدم بشكل متزايد في بعض الدول من قبل غير الإسماعيليين.

وقبل أن أتعرض لهيئات المصالحة والتحكيم، في ظل الدستور الإسماعيلي العالمي، أود أن أشرح الطبيعة الأخلاقية التي تدعم البنية بأكملها، والتي تستلهم من وحي الاسلام، ومن الممارسة التي تمت في الفترة المبكرة من التاريخ الإسلامي. وجد هذا الإستلهام للمحافظة على روح الجماعة وتقويتها عبر التوافق وروح الأخوة. إن منبع هذا الإلهام هو القرآن الكريم الذي يشكل النور الهادي لكل المسلمين. يقول القرآن:

"وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً" القرآن (4: 39)

وفي آية آخرى، يبين القرآن:

"إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً" القرآن (4: 31)

ويوجد أيضاً مفهوم المصالحة والوفاق في تقاليد السنّة النبوية للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي امتلأت حياته بأمثلة عن حل المشكلات الإنسانية عن طريق الوساطة. وردت قصة تتعلق بتجديد بناء الكعبة، وهي المكان التي يحج إليه المسلمون في مكة، إذ نشأ صراع حول وضع الحجر الأسود في مكانه في بناء الكعبة. فكل قبيلة من قبائل قريش الأربع أرادت أن تحصل على شرف وضع الحجر دون بقية القبائل. وصل الخلاف بينهم إلى طريق مسدود، لذلك أحالوا القضية إلى النبي فأمر القبائل المتنازعة أن تختار كل واحدة منها زعيماً لها، ثم نشرعلى الأرض بعدئذ ثوباً من قماش ووضع الحجر في وسطه، وطلب من الزعماء الأربعة أن يمسك كل واحد منهم طرفاً واحداً من الثوب ويرفعوه معاً. وهكذا تم حسم الخلاف بالمقترح الفطن للنبي إذ أعطى الزعماء الأربعة جميعاً شرفاً متساوياً بوضع الحجر.

أطرى الخليفة الرابع في الإسلام وإمام الشيعة الأول علي بن أبي طالب، على فضيلة الحوار وقيمة التسوية. لقد شبه المساعدة المقدمة لحل النزاعات الإنسانية بالصلاة، وشجع التسويات التفاوضية ضمن مبادئ أخلاقيات العقيدة.

جاء في ’عهده‘ لمالك بن الأشتر (توفي عام 657م) عندما عيّنه والياً على مصر، محدداً له العدل كما يلي:"أعط كل واحد حقه" ثم فصَّل كيف يمكن تحقيق ذلك، فكتب:"أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك...".2

وأوصى الإمام علي مالك "بالرحمة" تجاه مواطني الولاية قائلاً له:"واشعر قلبك الرحمة للرعية". وطبقاً لهذه "الرحمة" يشدد على مبدأ وحدة الأسرة الإنسانية.

وبالإشارة إلى المواطنة، يقول الإمام علي: "هم (الرعية) صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".

وفي رسالة الخليفة عمر ( توفي عام 644) التوجيهية إلى أبو موسى الأشعري عشية تعيينه قاضياً، قال:

"فافهم إذا أُدلي إليك، فإنه لا ينفع تَكَلُّمٌ بحقٍّ لا نفاذَ له. آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك؛ حتى لا يطمع شريف في حَيفك، ولا يخاف ضعيف من جَورك. والبيِّنة على من ادَّعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلحًا حرَّم حلالاً أو أحلَّ حَرامًا...

ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَه بالأمس فراجعتَ فيه نفسَك وهُديت فيه لرشدك أن ترجع عنه؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل. الفهمَ الفهمَ عندما يتلجلج في صدرك، مما لم يبلُغْك في كتاب الله ولا سنة النبي- صلى الله عليه وسلم. اعرِف الأمثال والأشباه، وقِسْ الأمور عند ذلك (هنا طلب من أبو موسى أن يستخدم الحكم الشخصي والوصول إلى نتيجة منطقية عن طريق ’القياس‘ و’الإجتهاد‘). واجعل للمدعي حقًا غائبًا أو بينةً أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء..."

ووفقاً للتراث الشيعي، سئل الإمام الحسين (توفي عام 680 م) ابن الإمام علي مرة فيما إذا كان يحق لشخصين من أتباعه اختلفا حول قضية دين أو إرث، إحالة النزاع إلى سلطة دنيوية. فجاء رد الإمام بأنه على الفريقين إحالة القضية إلى شخص مؤهل من بين أتباعه. وتوجد نصيحة مشابهة لهذه في تعاليم الإمام جعفر الصادق (توفي عام 765 م) وهو إمام شيعي آخر نـٌقل عنه-على سبيل المثال- أنه قال: "الإحسان الذي يحبه الله أكثر هو الصلح بين الأطراف المتنازعة".

والمبادئ نفسها نجدها في الفقه الفاطمي. والفاطميون هم السلالة الإسماعيلية الشيعية التي حكمت مصر بين 969-1171م. وفي كتابه ’خلاصة وافية عن الشرع الفاطمي‘، اقتبس العلامة القانوني الشيعي البارز الدكتور أ.أ. أ. فيضي قولاً للإمام علي من كتاب ’دعائم الإسلام‘ وهو عمل للقاضي النعمان (توفي عام 974 م)، أحد القضاة الفاطميين من القرن العاشر، يقول بأنه طبقاً للإمام علي فإن "حل الخلافات بين الناس أفضل من كل أنواع الصوم والصلوات".

وبالإشارة إلى سلوك القاضي، يقتبس الدكتور فيضي من النص الفاطمي:

"ينبغي أن يكون القاضي صبوراً؛ لايظهر ضيقه لأي طرف؛ ويصدر حكماً فقط عند وجود بينة واضحة بشكل ظاهر؛ يعرف الأحكام كلية؛ لايفرق بين الإنسان العادي والمحامي (في الإحتجاج بقضية)؛ لايقبل أي هدية من أي طرف؛ لا يفرق بين عال ووضيع، بين غني وفقير".

وتابع فيضي اقتباسه: " لايقضي القاضي وهو غضبان أو جائع أو ناعس".

هذه المبادئ للتسوية التفاوضية التي تعرف بإسم ’الصلح‘ تسود جميع أحوال قانون الأسرة في معظم الأقطار الاسلامية من المغرب إلى بنغلادش، وتنص أنه ينبغي على القاضي أولاً، أن يشكل لجنة لدراسة إمكانية المصالحة. وبالرغم من أن الزواج في الإسلام ينظر إليه كتعاقد، وبالرغم من أن الطلاق مباح عندما لا يعود بإمكان أطراف الزواج الإستمرار فيه، فإن فسخ الزواج لا يتم بسهولة.

وكما هو الأمر في مجالات المساعي الإنسانية الأخرى، مثل التعليم والإقتصاد، كذلك هو في مجال العدالة وحل النزاع، فقد نشأت المؤسسات والمنهجيات مع الزمن لتلبية احتياجات أجيال المسلمين المتتابعة. وفي حال المسلمين الإسماعيليين، فإن ذلك التطور قد حدث من خلال تعاليم الإمام علي، والأئمة الشيعة اللاحقين من ذريته، والأعمال الفقهية للفاطميين، وفي السنوات الأخيرة، عبر التوجيهات المتواصلة للأئمة المتوالين بالوراثة، وعمل شيوخ أجلاء عند الطوائف الإسماعيلية المتنوعة.

سأنظر الآن بإختصار في البنية التحتية لحل النزاعات عند المسلمين الإسماعيليين. في ظل الدستور الإسماعيلي العالمي الذي أُصدر عام 1986، يوجد نص مخصص لهيئة المصالحة والتحكيم الوطنية (NCAB) لكل دولة مذكور إسمها فيه، وتعرف بإسم "هيئة المصالحة والتحكيم الوطنية الإسماعيلية الإمامية الشيعية لصاحب السمو الأمير آغا خان" للدولة المشكّلة من أجلها. إن الخضوع لسلطة الهيئة قائم على أساس اختياري، وإن الهيئات مشكلة من أشخاص موثوقين متطوعين، ومختارين من شتى مجالات الحياة المتنوعة ضمن الطائفة الاسماعيلية. مهمة الهيئات المساعدة في عملية المصالحة بين الأطراف المختلفة أو المتنازعة حول قضايا تجارية وأعمال وقضايا ذات تبعات مدنية وعائلية وقضايا الأسرة، بما فيها تلك القضايا المتعلقة بالزواج وأطفال الزواج والممتلكات الزوجية والتركات الموصى وغير الموصى بها.

وتعمل الهيئات أيضا كهيئات تحكيم وهيئات قضائية، تساعد الهيئة العالمية في عملية المصالحة بين الأطراف المختلفة أو المتنازعة بسبب أمور تجارية وأعمال وقضايا ذات تبعات مدنية أخرى عائلية وأسرية بما فيها قضايا تتعلق بالأمور الزوجية وأطفال الزواج والممتلكات الزوجية والتركات الموصى وغير الموصى بها.

وضّح الدستور الإسماعيلي تركيبة الهيئات، وشروط عملها، والتي تشمل من بين أمور أخرى، بيان قواعد الإجراءات والسلطة لتشكيل هيئات مصالحة وتحكيم ضمن نطاق عملها. تعمل هيئة المصالحة والتحكيم الوطنية أيضاً كهيئة استئناف لأية هيئة مصالحة وتحكيم اقليمية ضمن نطاق صلاحياتها.

أما على المستوى العالمي، ينص الدستورعلى إنشاء هيئة مصالحة وتحكيم عالمية (ICAB) مؤلفة من رئيس وستة أعضاء آخرين. والأعضاء الحاليون مؤلفون من محامين من كندا (1) والهند (1) والمملكة المتحدة (2)، وكذلك من غير المحامين من كينيا (1) وباكستان (1).

تساعد الهيئة العالمية في عملية المصالحة بين الأطراف المختلفة أو المتنازعة بسبب أمور تجارية وأعمال وقضايا ذات تبعات مدنية أخرى عائلية وأسرية بما فيها قضايا تتعلق بالأمور الزوجية وأطفال الزواج والممتلكات الزوجية والتركات الموصى وغير الموصى بها.

كما تعمل هذه الهيئة كهيئة تحكيم وهيئة قضائية، وتبعاً لذلك تستمع وتصدر أحكاماً حول القضايا الآنفة.

تنظر الهيئة العالمية في الخلافات ذات الطبيعة العالمية، وكذلك تعمل كهيئة استئناف لقرارات مرفوعة من أي هيئة مصالحة وتحكيم وطنية عبر العالم. والقرار المتخذ من قبل الهيئة العالمية نهائي وقطعي وملزم لكل الأطراف بشرط أن يرفعوا قبولاً مسبقاً بالإلتزام طوعياً بالقرار.

والجدير بالذكر أنه في دول معينة مثل الهند وكينيا وأوغندا، تعترف قوانينها بصلاحيات الطائفة الإسماعيلية في الكثير من قضايا قانون الأحوال الشخصية الإسماعيلي. تعمل هيئات المصالحة والتحكيم الوطنية في تلك الدول كهيئة قضائية مع صلاحية منح الطلاق وإقرار الوصاية والحضانة. هذا فضلاً عن القضايا الثانوية الأخرى. كما أن الهيئة العالمية تنظر في قضايا استئناف حول قرارات متخذة بشأن هذه القضايا.

تعمل هيئات المصالحة والتحكيم الوطنية للطائفة الإسماعيلية اليوم في أفغانستان وكندا وفرنسا والهند وايران وكينيا ومدغشقر وباكستان والبرتغال وسورية وتنزانيا واوغندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وتتألف هذه الهيئات من أعضاء متطوعين بارزين ضمن طيف يتدرج من قضاة ومحامين إلى مهنيين ورجال أعمال ومهندسين.

وطبقاً لإرشاد الإمام الحاضر، فقد أقيمت برامج تدريب عالمية في انكلترا في عام 2000 بهدف رفع مستوى كفاءات العديد من المتطوعين المشكلين للشبكة، وبهذه الطريقة تم تقوية نظام التحكيم والوساطة والمصالحة عبر العالم.

لقد نُفّذت برامج التدريب للطائفة الاسماعيلية من قبل متخصصين من معهد الدراسات الاسماعيلية في لندن، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن، ومنظمتي تدريب بريطانيتين رئيسيتين هما منظمة الوساطة العائلية الوطنية (NFM) ومركز حل النزاع (CEDR)، فضلاً عن برامج تدريب لاحقة من قبل مهنيين من بريطانيا والطائفة الاسماعيلية العالمية، تدرب من خلالها حتى الآن أكثر من 400 وسيط. وفي بعض البلدان مثل البرتغال، درَّب برنامج التدريب الوطني لهيئة المصالحة والتحكيم الاسماعيلية كوادر بشرية في مجال الوساطة لصالح وزارة العدل.

بنيت برامج التدريب هذه على نموذج وصفي ومستنبط، جسدت بعض أفضل الممارسات الميدانية. لقد اكتسبت نظرات جديدة منها تمثلت بالحاجة إلى فهم أكبر للحساسيات بين الثقافات بشكل خاص. إن لدى حل النزاعات البديل، وفقاً لصيغته اليوم في العالم الغربي، الشيء الكثير ليُعلّمه، وفي الوقت نفسه، الكثير ليتعلمه أيضاً من الثقافات التي لديها نهج علائقي أكبر مع صياغة تصور النزاع وحله معاً. تبنى أية مقاربة فردانية لمشكلة ما، على افتراض أن كل كائن بشري هو جزيرة خاصة به وربما لايعمل ضمن مجتمعات حيث الكائنات البشرية فيها متشابكة بقوة مع بعضها ضمن شبكة من العلاقات المجتمعية. لدى المجتمعات في أمريكا اللاتينية وآسيا وأجزاء عديدة من العالم الإسلامي مقاربات تقليدية لحل النزاعات ضمن المحيط المجتمعي، والتي كانت مستخدمة لوقت طويل قبل أن تظهر الوسائط القضائية الرسمية إلى الوجود. وتشكل هذه المقاربات السبيل الطبيعي لحل النزاعات، وإعادة تفعيلها سيؤدي إلى إعطاء هذه المجتمعات الوسائل التي طالما كانت تستخدمها والتي تسهم، في الحياة الواقعية، بضمان أن عملية التعافي التي يفترض أن يجسدها حل النزاع، تحدث فعلاً.

إن نظام المصالحة والتحكيم الإسماعيلي متجذر في التراث الإسماعيلي، ومع ذلك فإن بنيته التحتية الحديثة تتوافق مع، وتحترم بشكل كلي، الأنظمة القضائية الوطنية التي يعيش الإسماعيليون ويعملون ضمن حدودها. هذه الهيئات كما الدستور الإسماعيلي متأصّلة ضمن كل من أخلاقيات العقيدة وقوانين البلاد التي تعمل ضمنها. إنها تهدف للتعبير عن ضمير إجتماعي عميق يميز الطائفة حيثما تعيش. وبكلمات صاحب السمو الآغاخان: 3

"يفخر الإسماعيليون دوماً بوعيهم الإجتماعي المتطور بشكل كبير. إن عقيدتنا تعلمنا أن لدينا التزامات تذهب إلى أبعد من التزاماتنا الخاصة وحتى أبعد من مصالح عائلاتنا. وعلى أساس الطريقة التي تمارسون بها حياتكم اليومية، والتعاطف الذي تظهرونه تجاه زملائكم من رجال ونساء، وفوق كل شيء، بإيمانكم بالله، ستكون محاسبتكم في النهاية"

الملاحظات

يود المؤلف تقديم الشكر على المساعدة التي تلقاها من د. كريم جان محمد والسيد شمس فيلاني من معهد الدراسات الإسماعيلية بلندن والسيد فيروز دوسا من هيئة المصالحة والتحكيم العالمية، في إعداد هذه الورقة الأكاديمية.

1. منتدى الوساطة العالمي (WMF) هو رابطة دولية من الناس والمنظمات والمؤسسات المهتمة بالوساطة بين الأشخاص والمجموعات والجماعات، والقضايا المتعلقة بأكثر من تراث والقضايا الدولية. إنها ملتزمة بإستخدام الوساطة وأية عمليات جماعية أخرى مناسبة لإدارة نزاعات تهدد رخاء الأفراد أو المنظمات أوالجماعات أوالدول أو الحكومات الوطنية المحلية. إن منتدى الوساطة العالمي، الذي تأسس في دبلن بإيرلندا عام 1993، هو نتيجة للمؤتمر الدولي الأول حول الوساطة، الذي جرى التأسيس الرسمي له في الإيسكوريال بإسبانيا عام 1995. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة الموقع على الانترنت: http://www.mediate.com/world/

 

2. انظر س. ارتيزا حسين، ’علي- علامة عظيم بالشرع الإلهي‘، صحيفة الفجر (DAWN)، كراتشي، 18 كانون الأول 2000. وكذلك توجد نسخة من المقال على الموقع التالي: http://www.dawn.com/2000/12/18/fea.htm

3. خطاب صاحب السمو الآغاخان، في احتفال التنصيب، بومباي، 11 آذار 1958.

هذه نسخة منقحة من خطاب ألقي كجزء من المؤتمر الدولي الرابع لمنتدى الوساطة العالمي المنعقد في بوينس آيرس، الأرجنتين في 10 أيار 2003.

ألقى المؤلف، من خلال متابعته لتطور المصالحة والتحكيم والوساطة من خلال القرآن والسنّة، وأمثلة من التاريخ الإسلا مي المبكر، الضوء على مكانة حل النزاع في فكر المسلمين الأوائل، وشرح التعبير المؤسساتي لهذه الممارسة لدى الطائفة المسلمة الإسماعيلية. وعرض مقدمة ونظرة عامة عن الأدوات...